تقدير موقف

"... وَبِيَدِهِ مُسَدَّس"!

سَوْفَ نَضْرِبُهُمْ بِما لَدَيْنا مِنْ "قُوَّةٍ هائِلَةٍ" لِنُعيدَهُمْ إلى "العَصْرِ الحَجَرِيِّ" الذي يَنْتَمونَ إِلَيْه.. هَكَذا قالَ رَئيسُ أَقْوى دَوْلَةٍ في العالَم، مُتَحَدِّثًا عَنِ الإيرانِيّين، لا عَنْ نِظامِهِمُ المُسْتَبِدّ، بِالمُناسَبَة. هَل يَمْلِكُ الرَّئيسُ هَذِهِ "القُوَّةَ الهائِلَةَ"؟ الإِجابَةُ: نَعَم. هَل تُوَفِّرُ لَهُ قُوَّتُهُ تِلْكَ القُدْرَةَ على حَسْمِ الحَرْبِ/الصِّراع (وَلا أَقولُ المَعْرَكَةَ العَسْكَرِيَّة)، بِالطَّريقَةِ التي يُريدُها، والأَهَمُّ على تَحْقيقِ ما أَعْلَنَهُ مِنْ أَهْدافٍ لِحَرْبِهِ تِلْك؟ أَحْسَبُ أَنَّ مِنْ دونِ النَّظَرِ في هَذا السُّؤال، لا تَكْتَمِلُ الإِجابَة!.

عِنْدَما سَأَلَني بِالأَمْسِ القَريبِ مُذيعُ "France 24"، المُثَقَّفُ وَسيم الأَحْمَر، عَنْ شِعارِ ترامب/نِتِنْياهو المُفَضَّلِ "السَّلامُ بِواسِطَةِ القُوَّة" (Peace Through Strength)، وَعَمّا إِذا كانَتِ القُوَّةُ وَحْدَها كَفيلَةً بِحَسْمِ الصِّراعات، تَذَكَّرْتُ عِبارَةً شَهيرَةً كانَتْ قَدْ وَرَدَتْ في رِوايَةِ نَجيبِ مَحْفوظ "حَديثُ الصَّباحِ والمَساء"، تَصِفُ حالَةَ العَجْزِ التي قَدْ تُصيبُنا أَمامَ شَخْصِيّاتٍ سِياسِيَّةٍ تَفْرِضُ نُفوذَها بِالقُوَّةِ وَبِالسِّلاح، لا بِالشَّرْعِيَّة. تَقولُ العِبارَةُ "المَحْفوظِيَّةُ" الشَّهيرَة: "ما الحيلَة؟... أَمامَنا رَجُلٌ يَدَّعي الزَّعامَةَ وَبِيَدِهِ مُسَدَّسٌ".

وَتَذَكَّرْتُ، على الرَّغْمِ مِمّا يَبْدو في العِبارَةِ مِنْ تَعْبيرِ عَنِ العَجْزِ أَمامَ هَكَذا قُوَّةٍ لِلسِّلاح، أَنَّ الرِّوايَةَ لَمْ تَنْتَهِ بِانْتِصارِ المُسَدَّس، أَوْ بِتَحْقيقِ "أَهْدافِ" حامِلِهِ وَطُموحاتِه، بَلْ على العَكْسِ تَمامًا؛ يَنْتَهي بِنا مَحْفوظ في رِوايَتِهِ إلى أَنَّ "مَنْ يَحْكُمُ بِالقُوَّة، قَدْ يُسَيْطِرُ لِبَعْضِ الوَقْت، أَوْ قَدْ يَبْدو لَنا ذَلِك، لَكِنَّهُ لا يُحَقِّقُ مُبْتَغاهُ في نِهايَةِ المَطاف".

الذي يعتقد أنّ قوّته العسكرية وحدها كفيلة بتحقيق أهدافه لم يقرأ التاريخ

في رِواياتِ التّاريخ، دُروسٌ لا تَبْتَعِدُ كَثيرًا عَمّا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَحْفوظ في رِوايَتِه. في السّابِعِ مِنْ أُكْتوبَر/تِشْرينَ الأَوَّلِ 2001، ذَهَبَ الأَميرْكِيُّونَ إلى أَفْغانِسْتانَ "لِلقَضاءِ على حُكْمِ طالِبان". وَفي أَغُسْطُسَ/آب 2021، انْسَحَبَ الأَميرْكِيُّونَ مِنْ أَفْغانِسْتانَ لِتَعودَ "طالِبانُ" ذاتُها (لا غَيْرُها) إلى الْقَصْر. عِشْرونَ عامًا مِنَ الحَرْب، ثُمَّ لا نَتيجَةَ سِوى 300 أَلْفِ قَتيلٍ مِنَ الْجانِبَيْن، وَما يَتَجاوَزُ 2 تْريلْيونَ دولارٍ أُنْفِقَتْ على العَمَلِيّاتِ العَسْكَرِيَّة. لَمْ تَنْتَهِ "طالِبان"، وَلَمْ يَنْتَهِ نِظامُها، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ شَيْءٌ ذو قيمَةٍ على الأَرْض. اصْطَدَمَتِ "القُوَّةُ الهائِلَةُ" بِالمُرْتَفَعاتِ الأَفْغانِيَّةِ الوَعِرَة، مِثْلَما غَرِقَتْ قَبْلَ ذَلِكَ في وَحْلِ المُسْتَنْقَعاتِ الفْيِتْناﻣِﻴَّﺔِ الرَّطْبَة، وَفي الحالَتَيْنِ بـ"العَقيدَةِ" التي لا يَعْرِفُها المُغْتَرّونَ بِقُوَّةِ سِلاحِهِم.

هَل تُشْبِهُ اللَّيْلَةُ البارِحَة؟ رَبَّما، مَعَ اخْتِلافٍ مَنْطِقِيٍّ في التَّفاصيل.

تُذَكِّرُنا مُحاوَلَةُ ترامب اسْتِدْراجَ الأوروبِّيّينَ إلى حَرْبِهِ "الإِسْرائيلِيَّةِ" بِذَريعَةِ ضَمانِ حُرِّيَّةِ المِلاحَةِ في مَضيقِ هُرْمُز، بِما جَرى في مُنْتَصَفِ خَمْسِينِيّاتِ القَرْنِ الماضي، حينَ كانَ إِعْلانُ السَّيْطَرَةِ المِصْرِيَّةِ على قَناةِ السُّوَيْس، بِقَرارِ التَّأْميمِ الذي أَعْلَنَهُ عَبْدُ النّاصِر، ذَريعَةً لِتَدَخُّلِ رَمْزَيْ الِاسْتِعْمارِ الكْلاسيكِيِّ (بَريطانْيا وَفَرَنْسا) إلى جانِبِ إِسْرائيلَ (رَمْزِ الِاسْتِعْمارِ الِاسْتيطانِيّ) في حَرْبٍ على مِصْر (حَديثَةِ الِاسْتِقْلال). كانَ لِلعُدْوانِ الثُّلاثِيِّ يَوْمَها أَهْدافُهُ المُعْلَنَةُ وَغَيْرُ المُعْلَنَة:

1 - اسْتِعادَةُ السَّيْطَرَةِ على القَناة، بِحُجَّةِ ضَمانِ حُرِّيَّةِ المِلاحَة.

2 - إسْقاطُ نِظامِ جَمالِ عَبْدِ النّاصِر. وَوَقْفُ المَدِّ القَوْمِيِّ العَرَبِيِّ المُناهِضِ لِلنُّفوذِ الغَرْبِيّ.

ماذا كانَتِ النَّتيجَة؟

بِحِساباتِ القُوَّةِ العَسْكَرِيَّة: نَجَحَتْ بَريطانْيا وَفَرَنْسا في تَدْميرِ القُواتِ الجَوِّيَّةِ المِصْرِيَّةِ والسَّيْطَرَةِ على الأَجْواءِ خِلالَ ساعات.

بِحِساباتِ السِّياسَة:

1 - اسْتَمَرَّتْ سَيْطَرَةُ مِصْرَ عَبْدِ النّاصِر على القَناة.

2 - لَمْ يَسْقُطْ عَبْدُ النّاصِر، بَل أَصْبَحَ بَطَلًا قَوْمِيًّا. الذي سَقَطَ فِعْلِيًّا هو أَنْتوني إيدِن (Anthony Eden) في بَريطانْيا، وَغي موليه (Guy Mollet) في فَرَنْسا.

الحَرْبُ في نِهايَةِ المَطافِ لَيْسَتْ أَكْثَرَ مِنْ أَداةٍ لِتَحْقيقِ الأَهْدافِ السِّياسِيَّة، والذي يَعْتَقِدُ أَنَّ قُوَّتَهُ العَسْكَرِيَّةَ وَحْدَها كَفيلَةٌ بِتَحْقيقِ أَهْدافِهِ لَمْ يَقْرَأْ التّاريخ.

وَبَعْد،

فَأَيًّا كانَ مَوْقِفُكَ مِنَ الطَّرَفَيْنِ المُتَحارِبَيْن؛ إيران مِنْ ناحِيَة، وَإِسْرائيل وَأَميرْكا مِنْ ناحِيَةٍ أُخْرَى، وَأًيًّا كانَتْ أُمْنِياتُكَ أَوِ انْتِظارُكَ لِنَتيجَتِها، فَهَذا لَنْ يُغَيِّرَ مِنْ طَبيعَةِ السُّؤال، وَلا مِنْ إِجابَتِه. فَدُروسُ التّاريخِ وَحْدَها كَفيلَةٌ بِالإِجابَة. والعِبْرَةُ بِالخَواتيم، وَبِالأَثْمانِ التي سَيَدْفَعُها - لِلأَسَف:

1 - جيرانٌ؛ كانَ مِنَ الطَّبيعِيّ، لِعَوامِلَ جُغْرافيةٍ "وَغَيْرِها" أَنْ تُصيبَهُمُ "الشَّظايا".

2 - إِقْليمٌ "تَتَشَظّى" صورَتُه، وَمُسْتَقْبَلُهُ في انْتِظارِ ما سَتَكونُ عَلَيْهِ خَرائِط يُعادُ رَسْمُها، وَيُصَرِّحُ راسِموها عَلَنًا بِنَواياهُم.

3 - نِظامٌ عالَمِيٌّ اسْتَقَرَّ لِعُقودٍ على أَنْ تَكونَ مُعادَلاتُ السَّلامِ والحَرْبِ مُؤَسَّسِيَّة، وَلِهَذا اخْتَرَعَ أُمَمًا مُتَّحِدَة، وَمَجْلِسَ أَمْنٍ، وَميثاقًا، يُعَدُّ أَساسًا لِلقانونِ الدَّوْلِيّ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَجْأَةً على مَنْ يَرْفَعُ مِعْوَلَهُ لِيَهْدِمَ كُلَّ هَذا، بَعْدَ أَنْ فَهِمَ خَطَأً، أَوْ أَرادَ إِفْهامَنا أَنَّ الحَرْبَ هِيَ الطَّريقُ إلى السَّلام، وَأَنَّ الأَقْوى "عَسْكَرِيًّا" لَهُ أَنْ يَفْرِضَ إِرادَتَهُ المُنْفَرِدَة، وَعلى "الآخَرِ" أَنْ يَسْتَسْلِمَ مِنْ دونِ قَيْدٍ أَوْ شَرْط. هَكَذا، سَمِعْنا نَصًّا مِنَ الرَّئيسِ الأَميرْكِيِّ قَبْلَ أَيامٍ، وَهَكَذا كُنا قَدْ سَمِعْنا، وَإِنْ بِصيغَةٍ أَكْثَرَ ديبْلوماسِيَّةً أَوْ خُبْثًا، سَمِّها ما شِئْت، مِنْ بِنْيامينَ نِتِنْياهو حينَ "ذَكَّرَنا" بِحَقِّ إِسْرائيل؛ الأَقْوى "عَسْكَرِيًّا" في "أَرْضِ الأَجْداد".

يَبْقَى أَنَّ عَلَيَّ أَنْ أُكَرِّرَ ما قُلْتُهُ مِئَةَ مَرَّة: لا جِدالَ في أَنَّ النِّظامَ الإيرانِيّ؛ المُسْتَبِدَّ (كَجيرانِه) أَجْرَمَ في حَقِّ شَعْبِهِ أَوَّلًا، وَفي حَقِّ السّورِيِّينَ وَثَوْرَتِهِمْ (الدّيموقْراطِيَّة) ثانيًا، وَلَكِنَّ هَذا لا يُغَيِّرُ مِنْ إِجابَةِ السُّؤال.

- اللَّجوءُ إلى القُوَّةِ الغاشِمَةِ لَنْ يُحَقِّقَ هَدَفًا، وَلَنْ يَأْتِيَ بِأَمْن، وَلا سَلامٍ وَلا اسْتِقْرار.

- الأَثْمانُ باهِظَة... وَلا مَجالَ لِلحَديثِ عَنْ "انْتِصارٍ" مَعَ مِثْلِ هَكَذا أَثْمان.

هَل كانَ هُناكَ بَديلٌ لِلحَرْب، يُجَنِّبُ "الْجيران"، والمِنْطَقَة، والعالَمَ دَفْعَ ثَمَنِها؟ 

الإِجابَةُ عِنْدَ الوَسيطِ العُمانِيّ (الخَليجِيِّ بِالمُناسَبَة)، قَرَأْناها في بَيانِ الخارِجِيَّةِ العُمانِيَّةِ غَداةَ الحَرْب، وَفي تَصْريحاتِ وَزيرِ الخارِجِيَّةِ بَدْر البوسَعيدِيّ لِقَناةِ "CBS" الأَميرْكِيَّةِ قَبْلَ ساعاتٍ مِنْ بِدايَتِها، كَما كانَتْ واضِحَةً جَلِيَّةً في مَقالِهِ المُهِمِّ في "الإيكونوميسْت" بَعْدَ أَنْ بَدَأَتِ الحَرْبُ فِعْلًا.

ترامب لا يُؤمن بالاتفاقات والمعاهدات والقانون الدولي

مَنْ يَبْحَثُ (صادِقًا) عَنِ الإِجابَة، سَيَجِدُها أَيْضًا عِنْدَ باراك أُوباما، وَغَيْرِهِ مِنَ القادَةِ الأوروبِّيّينَ الذينَ كانوا قَدْ عَقَدوا اتِّفاقًا يَضْمَنُ عَدَمَ حُصولِ إيرانَ على السِّلاحِ النَّوَويّ، وَيَضَعُ مُنْشَآتِها النَّوَوِيَّةَ تَحْتَ الرَّقابَةِ الدَّوْلِيَّة، وَهو الِاتِّفاقُ الذي مَزَّقَهُ ترامب عِنْدَ تَوَلّيهِ السُّلْطَةَ في وِلايَتِهِ الأولى. لِماذا؟ لِأَنَّهُ لا يُؤْمِنُ بِالِاتِّفاقات، والمُعاهَدات، والقانونِ الدَّوْلِيّ... هو رَجُلٌ "يَدَّعي الزَّعامَة، وَيَحْمِلُ مُسَدَّسًا"، رَحِمَ اللَّهُ نَجيب مَحْفوظ.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن