تقدير موقف

العرَبُ بَيْنَ قُنْبُلَةِ ترامب وَقُنْبُلَتَيْ إيران!

أَثْبَتَتِ الحَرْبُ الأَميرْكِيَّةُ - الإِسْرائيلِيَّةُ على إيران، أَنَّ نَموذَجَ فِنِزْويلا لَمْ يَرْتَقِ لِمُسْتَوى اعْتِبارِها "بْروفَة" تَمْهيدِيَّةً لِإِسْقاطِها، ما عَكَسَ إِخْفاقًا أَميرْكِيًّا - إِسْرائيلِيًّا في إِخْضاعِها، وَلَمْ يَعُدْ سِرًّا أَنَّ المَهْلَةَ المُقَدَّرَةَ "إِسْرائيكِيًّا" لِلْحَرْبِ عَلَيْها، ثَلاثَةُ أَيّام، وَها هِيَ تَجاوَزَت الأَرْبَعينَ يَوْمًا تَخَلَّلَها مُهَلٌ وَمَواعيدُ ضَرَبَها الرَّئيسُ الأَميرْكِيُّ لِطَهْران، كَيْ تُعْلِنَ اسْتِسْلامَها وَتَرْفَعَ الرّايَةَ البَيْضاء، حَتّى يُعيدَها إلى العَصْرِ الحَجَرِيّ، أَوْ يُزيلَها مِنَ الوُجودِ خِلالَ يَوْمٍ واحِد، في أَكْبَرِ عَمَلِيَّةِ تَلْويحٍ بِاسْتِخْدامِ القُنْبُلَةِ النَّوَوِيَّة!.

العرَبُ بَيْنَ قُنْبُلَةِ ترامب وَقُنْبُلَتَيْ إيران!

بِكَثيرٍ مِنَ التَّمَنِّياتِ الرَّغْبَوِيَّةِ الصّاخِبَةِ أطْلِقَ ترامب تَهْديداتِه، وَرَدَّ عَلَيْهِ ساسَةُ إيرانَ وَجِنِرالاتُها تارَةً بِرَفْضِهِم "الإِمْلاءاتِ وَالشُّروطِ المُذِلَّة"، وَطَوْرًا بِرَدِّ التَّهْديدِ بِالتَّهْديد. وَأَمامَ تَباهي ترامب وَنِتِنْياهو بِتَدْميرِ مِنَصّاتِ الصَّواريخِ وَالمُسَيَّراتِ وَالبُنى التَّحْتِيَّة، رَدَّ الحَرَسُ الثَّوْرِيُّ بِإِطْلاقِ مَوْجاتٍ صاروخِيَّةٍ أَكْبَرَ حَجْمًا وَأَكْثَرَ تَدْميرًا، ما جَعَلَ ترامب كُلَّما نَظَرَ إلى المِرْآةِ يَسْتَشْعِرُها تُخْبِرُهُ بِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِظاهِرَةٍ صَوْتِيَّةٍ مُثيرَةٍ لِلسُّخْرِيَّة.

وَحِيالَ هَذِهِ المُتَوالِيَة، يَتَبَدّى اخْتِناقُ العالَمِ جَرّاءَ أَزْمَةٍ اقْتِصادِيَّةٍ طاقَوِيَّةٍ ناجِمَةٍ عَنِ الحَرْبِ الترامبِيَّة، فاقَمَها تَقْييدُ الحَرَسِ الثَّوْرِيِّ لِعُبورِ مَضيقِ هُرْمُز الذي باتَ فَتْحُهُ مِنْ أَبْرَزِ تَحَدِّياتِ حَرْبِ "تراتِنْياهو" التي أَجَّجَتْ أَسْعارَ الطّاقَة، وَبَلَغَتْ تَداعِياتُ تَضْييقِ المَضيقِ حَدَّ تَهْديدِ مَصيرِ حِلْفِ النّاتو مَعَ تَلْويحِ ترامب بِانْسِحابِ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ مِنْه، بِحُجَّةِ تَخَلُّفِ الدُّوَلِ الأوروبِّيَّةِ عَنْ مُساعَدَتِهِ في حَرْبِهِ ضِدَّ إيران، لِأَنَّ هَذِهِ الحَرْبَ لَيْسَتْ حَرْبَ أوروبّا، ما انْعَكَسَ تَصَدُّعًا في النَّسَقِ الجِيوسْتراتيجِيِّ الذي شَكَّلَ أَحَدَ أَعْمِدَةِ الهَيْمَنَةِ الِاسْتراتيجِيَّةِ العالَمِيَّة، وَباتَتْ حَرْبا أوكْرانْيا وَإيران، بِمَثابَةِ مِحْوَرَيْ اسْتِقْطاباتِها الجَديدَة.

مؤسسات متداخلة متصلة منفصلة يتكوّن منها النظام الإيراني

لِهَذا، لَمْ يَتَرَدَّدْ قادَةُ فَرَنْسا، أَلْمانْيا، إيطالْيا، إِسْبانْيا وَبَريطانْيا في تَرْديدِهِم شِعارَ "أوروبّا تَرْفُضُ الِانْجِرارَ إلى حَرْبٍ لَمْ يَسْتَشِرْهُمْ فيها ترامب". وَيُرَجَّحُ أَنَّ ترامب اسْتَشْعَرَ اسْتِخْفافًا أوروبِّيًّا بِهِ أَمامَ نَجاحِ نِتِنْياهو في جَرِّهِ إلى الحَرْب، وَفَشَلِهِ أَقَلَّهُ في جَرِّ إيمانْويل ماكْرون إِلَيْها، لا سِيَّما بَعْدَ سَماحِ الإِدارَةِ الأَميرْكِيَّةِ بِتَسْويقِ النَّفْطِ الرّوسِيِّ بِسَبَبِ اخْتِلالِ مَضيقِ هُرْمُز.

اسْتِخْفافٌ مَسَّ بِكاريزْما ترامب... أَوَّلًا، بِالإِخْفاقِ في إِسْقاطِ النِّظامِ الإيرانِيّ، وَثانِيًا، بِتَغْييرِهِ المُتَكَرِّرِ لِأَهْدافِ الحَرْب، وُصولًا لِحَصْرِها بِهَدَفٍ واحِدٍ هُوَ "مَنْعُ إيران مِنِ امْتِلاكِ قُنْبُلَةٍ نَوَوِيَّة"، سَبَقَ وَأَعْلَنَ تَدْميرَهُ لِمُفاعِلاتِها خِلالَ حَرْبِ الِاثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا!.

ما يَهُمُّ ترامب، اسْتِعادَتُهُ لِهَيْبَتِهِ التي اهْتَزَّتْ جَرّاءَ فَشَلِ أَهْدافِهِ مِنَ الحَرْبِ على إيران مِنْ جِهَة، وَفي تَمايُزِ أُورُوبا عَنْهُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرى، لِيَجِدَ ضالَّةَ النَّصْرِ "الرامْبُوِيّ" في إِنْقاذِ طَيارَيْه، وَفي تَلْويحٍ ثانٍ، بِلَعْبِ وَرَقَةِ الأَكْرادِ "الذينَ سَلَّحَهُمْ وَاحْتَفَظوا بِسِلاحِهِم"!.

حَقائِقُ الحَرْبِ على إيران، كَشَفَتْ أَنَّ طَهْرانَ تَمْتَلِكُ قُنْبُلَتَيْنِ لا قُنْبُلَة...

القُنْبُلَةُ الأولى، هِيَ المُؤَسَّساتُ المُتَداخِلَةُ المُتَّصِلَةُ المُنْفَصِلَةُ التي يَتَكَوَّنُ مِنْها النِّظامُ الإيرانِيُّ الذي لَمْ تُسْقِطْهُ اغْتِيالاتُ قادَةِ الصَّفِّ الأَوَّلِ وَالثّاني السِّياسِيِّ وَالدّينِيِّ وَالعَسْكَرِيّ، بِفِعْلِ تَرْكيبَةٍ سِرِّيَّةٍ وَضَعَها خامِنَئي الأَب بِتَعْيينِ أَرْبَعَةِ بَدائِلَ لِكُلِّ مَنْصِبٍ. وَهَذِهِ ميزَةٌ تَفاضُلِيَّةٌ إيرانِيَّة، مُقارَنَةً أَقَلَّهُ بِنِظَامَيْ صَدّام حُسَيْن وَمُعَمَّر القَذّافي اللَّذَيْنِ سَقَطا بِالغَزْوِ وَالِاحْتِلال، بِاعْتِقالِ الأَوَّل، وَاغْتِيالِ الثّاني.

أَمّا القُنْبُلَةُ الثّانِيَة، وَالتي أَحْسَنَتْ إيرانُ إِدارَتَها حَتّى اللَّحْظَة، فَهِيَ "الإِغْلاقُ الذَّكِيُّ" لِمَضيقِ هُرْمُز قَبْلَ أَنْ يُناصِرَهُ بابُ المَنْدَب.

وَبِهاتَيْنِ القُنْبُلَتَيْنِ بَنَتْ إيرانُ اسْتراتيجِيَّةَ دِفاعِها وَهُجومِها على مَناطِقِ انْطِلاقِ العُدْوانِ "الإِسْرائيكِيّ"... مَعَ هَذا لا يَفْتَأُ ترامب يَعودُ إلى مَعْزوفَةِ مَنْعِ إيران مِنِ امْتِلاكِ قُنْبُلَةٍ نَوَوِيَّة، المُشابِهَةِ لِمَعْزوفَةِ "الشَّعْبُ يُريدُ إِسْقاطَ النِّظام" التي لَمْ يَسْمَعْ ترامب أَلْحانَها تُعْزَفُ في مَيادينِ إيران!

لَكِنْ لِماذا نَجَحَتْ إيران في إِحْداثِ تَصَدُّعٍ أَوِ انْقِسامٍ في النَّسَقِ الِاسْتراتيجِيِّ الدَّوْلِيّ، وَفَشِلَ العِراقُ في ذَلِك، عَشِيَّةَ غَزْوِهِ عام 2003؟

الاستراتيجية الأميركية الزاحفة إلى المنطقَة انطلاقًا من غزو العراق بدأت رحلة الإياب

صَحيحٌ أَنَّ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةَ وَمَعَها بَريطانْيا وَإيطالِيا قَدْ غَزوا العِراقَ وَاحْتَلّوهُ وَدَخَلَتْ جَحافِلُهُمْ وَأَساطيلُهُمُ البَرِّيَّةُ وَالجَوِّيَّةُ بَغْدادَ مِنْ أَجْواءِ وَأَراضي جِوارِ العِراقِ العَرَبِيّ. لَكِنَّ الصَّحيحَ أَيْضًا، أَنَّ إيرانَ هِيَ التي أَعلَنَتْها صَراحَةً: "لَوْلا إيران لَما دَخَلَتْ أَميرْكَا أَفْغانِسْتان وَالعِراق". وَيَوْمَها، رَكِبَ كُلُّ جِوارِ العِراق، مَوْجَةَ إِسْقاطِ نِظامِ صَدّام حُسَيْن بِحُجَّةِ امْتِلاكِ أَسْلِحَةِ دَمارٍ شامِل، وَشُبْهَةِ عَلاقاتٍ مَعَ "القاعِدَة". دَليلان، سَبَقَ وَاسْتَعْرَضَهُما كولِن باوِل في مَجْلِسِ الأَمْن، ثُمَّ عادَ وَاعْتَرَفَ لَكِنْ "بَعْدَ خَرابِ البَصْرَة" بِكَذِبِ الأَدِلَّةِ التي لَقَّمَتْهُ إياها المُخابَراتُ "الإِسْرائيكِيَّة".

وَلِمَنْ يَتَساءَلُ عَنْ عَلاقَةِ غَزْوِ العِراقِ عام 2003 بِالحَرْبِ "الإِسْرائيكِيَّةِ" على إيران، نَقولُ بِأَنَّ الِاسْتراتِيجِيَّةَ الأَميرْكِيَّةَ الزّاحِفَةَ إلى المِنْطقةِ عام 2003 انْطِلاقًا مِنْ غَزْوِ العِراقِ، بَدَأَتْ رِحْلَةَ الإيّابِ وَيَتَصَدَّرُها مَشْروعُ "إِسْرائيل الكُبْرى" لِنِتِنْياهو المُدَجَّجُ بِرَغَباتِ ترامب بِتَوْسيعِ مَساحَةِ إِسْرائيل التي بَدَأَتْ جَرّافاتُها في إِنْشاءِ المَناطِقِ العازِلَةِ في غَزَّة وَجَنوبِي لُبْنان وَسورْيا. اسْتراتيجِيَّةٌ مُرْتَكِزَةٌ على تَصْفيرِ قُوَّةِ إيران الدّاخِلِيَّة، وَبَتْرِ أَذْرُعِها الخارِجِيَّة، وَهُنا مَكْمَنُ الأَسْبابِ الدَّفينَةِ التي تَقِفُ وَراءَ خَوْضِ إيرانَ وَحُلَفائِها في مِحْوَرِ المُقاوَمَةِ وَأَبْرَزُهُمْ "حِزْبُ الله" المَعْرَكَةَ "الوُجودِيَّة بِروحٍ كَرْبَلائِيَّة".

عرب الخليج اكتشفوا مصداقية مقولة "المتغطي بأميركا عريان"

وَإِذا كانَتِ الحَرْبُ "الإِسْرائيكِيَّةُ" على إيران، وَالتي لا يُمْكِنُ وَصْفُها بِأَقَلَّ مِنَ العُدْوانِ الغاشِم، تَفْتَقِدُ لِأَيِّ مَشْروعِيَّةٍ قانونِيَّةٍ وَأَخْلاقِيَّة، فَإِنَّ اسْتِهْدافَ دُوَلِ الخَليجِ العَرَبِيِّ يَفْتَقِدُ بِدَوْرِهِ لِتِلْكَ المَشْروعِيَّة، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ ادِّعاءِ إيران اسْتِهْدافَها لِلْقَوَاعِدِ الأَميرْكِيَّةِ لا مُضيفيها.

وَهُنا تَبْرُزُ حَقيقَةُ أَنَّ عَرَبَ الخَليجِ يَدْفَعونَ أَثْمانًا أَمْنِيَّةً وَاقْتِصادِيَّةً باهِظَةً نَتيجَةَ عَلاقَتِهِمُ الإِشْكالِيَّةِ مَعَ إيران، وَاعْتِدادِهِم بِالحِمايَةِ الأَميرْكِيَّة، فاكْتَشَفوا وَلَوْ مُتَأَخِّرينَ مِصْداقِيَّةَ مَقولَةِ "المُتَغَطّي بِأَميرْكَا عِرْيان". وَيُرَجَّحُ أَنَّ النُّخَبَ الخَليجِيَّةَ الحاكِمَةَ وَجَدَتْ نَفْسَها مَدْفوعَةً لِمُراجَعَةِ وَضْعِها كَـ"مَحْمِيّاتٍ" ذابَتْ مَساحيقُ حِمايَتِها الشَّكْلِيَّة، بِفِعْلِ مَوْجَاتِ الصَّوارِيخِ الإيرانِيَّةِ.

وَلَعَلَّ تَجْرِبَةَ الحَرْبِ المُرَّةِ وَالتي سَبَقَتْها، وَمِنْ قَبْل "طوفانِ الأَقْصى"، تَتَطَلَّبُ إلى المُراجَعَةِ العَميقَة، تَفْكيكَ العُقَدِ الإِشْكالِيَّةِ مَعَ إيران، وَوَضْعَ مُقارَنَةٍ واجِبَةٍ بَيْنَ قِيامِ عَلاقاتٍ نِدِّيَة مَعَها، وَبَيْنَ السَّلامِ المَوْهومِ وَ"اتِّفاقاتِ أَبْراهام" مَعَ الكِيانِ الإِسْرائيلِيِّ القائِمِ على الِاحْتِلالِ وَالإِبادَةِ وَالتَّوَسُّعِ بِاتِّجاهِ مَضارِبِهِم. وَإِذْذاكَ فَقَطْ يَسْتَطيعُ العَرَبُ سَحْبَ وَرَقَةِ فِلَسْطين وَمُقاوَمَةِ الِاحْتِلالِ مِنْ يَدِ إيران، وَغَلَّ يَدِ أَذْرُعِها.

وَلَعَلَّ في الحِراكِ السّورِيِّ مِنْ حَلَبْ إلى دِرْعا تَضامُنًا مَعَ غَزَّة، وَرَفْضًا لِقانونِ الإِعْدامِ لِأَسْرى فِلَسْطين، بِدايَةَ مُبادَرَةٍ سورِيَّةٍ، لِتَصْويبِ المَسارِ ضِدَّ الِاحْتِلالِ وَالتَّوَحُّشِ الإِسْرائيلِيّ!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن