صحافة

انعكاسات حرب إيران على الداخل الأمريكي

محمد السعيد إدريس

المشاركة
انعكاسات حرب إيران على الداخل الأمريكي

دائماً ما يؤكد علماء السياسة أن السياسة الخارجية للدول هي تعبير وامتداد للسياسات الداخلية، ما يعني أن ما يحدث داخل الدول من تفاعلات يعتبر عاملاً حاكماً لسياستها الداخلية. الولايات المتحدة تُعد استثناء من هذه القاعدة، حيث العزوف الشعبي في أوساط الرأي العام عن متابعة السياسة الخارجية، والانطواء الذاتي على المشاكل والأولويات المعيشية، هذا الاستثناء يتأكد دائماً في أجواء الانتخابات التي تجرى هناك، سواء ما يخص الانتخابات الرئاسية أو التشريعية الخاصة بالكونغرس، حيث يكون التركيز، في العادة على السياسة الداخلية مع اهتمام طفيف بالسياسة الخارجية.

الأمر يختلف بدرجة ما في أوقات الحروب، عندما يعطي المواطن الأمريكي أهمية للسياسة الخارجية وبالتحديد موضوع الحرب من منظورين، الأول هو مدى تأثيرها على الأوضاع المعيشية، وخاصة ما يتعلق بارتفاع الأسعار وبتحديد أكثر أسعار البنزين، والثاني، هو سقوط قتلى أمريكيين. سقوط القتلى وتوافد نعوشهم إلى "أرض الوطن" يؤثر كثيراً على مواقف الرأي العام من هذه الحرب، وقد تدفعه إلى المطالبة بوقف الحرب أو الاصطفاف في وجه الرئيس وحزبه في أول عملية انتخابية مقبلة.

الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، التي حققت نتائج باهرة، من وجهة النظر الأمريكية، في أيامها الأولى، خاصة يومها الأول، الذي تم فيه قتل المرشد الأعلى وكوكبة من كبار القادة العسكريين، تُعد نموذجاً واضحاً على صحة هذه القاعدة، حيث بدأت الآثار السلبية لهذه الحرب تفرض نفسها بقوة على كل من أسعار النفط والمحروقات، وخاصة البنزين وتزايد أعداد القتلى من العسكريين الأمريكيين، إضافة إلى عامل آخر لا يقل أهمية، أفردت له صحيفة "نيويورك تايمز" تحليلاً واسعاً تحت عنوان: "ترامب أول رئيس أمريكي يقود حرباً دون دعم شعبي".

الصحيفة التي ألمحت في تحليلها إلى أنه "غالباً ما تفقد الحروب الدعم الشعبي مع مرور الوقت، لكن ترامب باشر تلك القضية من دون الكثير من الأهداف". ولفت التحليل إلى أن الرئيس ترامب "يروق له أن يؤكد أنه حقق ما لم يحققه أي رئيس آخر. لكنه مع بدء هجومه العسكري على إيران حقق تميزاً آخر، فهو أول رئيس، في عصر الاستطلاعات الحديثة، يأخذ الولايات المتحدة إلى الحرب دون دعم الجمهور".

المعنى الذي أرادت الصحيفة تأكيده أن افتقاد قرار الحرب للدعم الشعبي ستكون له آثاره السلبية الكثيرة، سواء على مستوى التماسك الوطني حول تقديرات النجاح والفشل في هذه الحرب، على النحو الذي حدث في أعقاب الحرب الأمريكية على فيتنام، أو على مستوى الصراع السياسي بين الحزب الجمهوري الذي يقف وراء ترامب، ويطمح لأن يبقى محتفظاً بالسيطرة على الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، كي يبقى الكونغرس طيعاً لرغبات الرئيس، وبين الحزب الديمقراطي المنافس، الذي سيعمل جاهداً على البحث عن الثغرات للنيل من الرئيس ومن الحزب الجمهوري، خاصة أن انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل.

التأثيرات الأهم تتعلق بما يخص الرأي العام الأمريكي، ولعل هذا ما أخذ يضغط على الرئيس للأخذ بنصائح كبار مستشاريه للبحث عن نهاية سريعة للحرب، تتضمن عرض لائحة مغرية من النجاحات والانتصارات في تلك الحرب، وهذا ما يتجه إليه الرئيس الأمريكي بالفعل، الذي كان قد حرص على تهيئة الأجواء لمثل هذا القرار، على نحو ما أعلنه في مقابلته الهاتفية مع شبكة "سي. بي. إس نيوز" الاثنين الماضي، حيث قال إن "الحرب انتهت إلى حد كبير تقريباً".

هؤلاء المستشارون، حسب ما كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال"، قلقون بشأن ارتفاع أسعار النفط، لأنهم يدركون أن حرباً طويلة الأمد قد تضعف موقف الكثيرين من قاعدة دعم الرئيس المحافظة، إضافة إلى إدراك ترامب ما تظهره استطلاعات الرأي العام من تزايد معارضة النسبة الكبرى من الأمريكيين لهذه الحرب، ناهيك عن الاضطراب الذي أخذ يفرض نفسه بشكل "كارثي" على أسواق المال والأسهم الآسيوية، بسبب الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز والارتفاع المتصاعد في أسعار النفط، التي تجاوزت المائة دولار للبرميل، ما أدى إلى انخفاض الأسهم بنسبة 8% تقريباً في سيؤول، و7% في طوكيو، وتراوحت الانخفاضات بنسبة 2% و4% في أسواق أخرى، الأمر الذي دفع بالرئيس الأمريكي للبحث عن خيارات لوقف مثل هذه التداعيات.

وإذا كان قرار يصدر من البيت الأبيض يعلن نهاية الحرب، يمكن أن يكون أهم هذه الخيارات، فهناك خيارات أخرى منها التشاور مع الشركاء في مجموعة الدول الصناعية السبع، للإفراج المشترك عن النفط الخام من الاحتياطيات الاستراتيجية، لزيادة حجم المعروض من أجل محاصرة موجة ارتفاع الأسعار، بسبب نقص المعروض من النفط، إلى جانب خيارات أخرى قيد البحث والدراسة، وفقاً لتصريح تايلور روجرز المتحدثة باسم البيت الأبيض، لكن المهم أن تتحول المقترحات إلى سياسات لوقف التداعيات السلبية للحرب.

(الخليج الإماراتية)

يتم التصفح الآن