تَسْتَنِدُ مُبَرِّراتُ النَّهْجِ الأَميرْكِيِّ - الإِسْرائيلِيِّ إلى خَلْفِيَّةٍ تَتَكَوَّنُ مِنَ الحَيَوِيَّةِ الِاجْتِماعِيَّةِ وَالثَّقافِيَّةِ وَصُعودِ جيلٍ جَديدٍ مِنَ الشَّبابِ ذي تَعْليمٍ عالٍ وَمُتَزايِد. كَما أَنَّ المُدُنَ الكُبْرى في إيرانَ أَصْبَحَتْ مَجالًا واسِعًا لِتَفَاعُلاتٍ اجْتِماعِيَّةٍ وَثَقافِيَّةٍ تَعْكِسُ دائِمًا تَوَتُّرًا مُحْتَدِمًا بَيْنَ أَنْماطِ الحَياةِ الحَديثَةِ وَبُنْيَةِ السُّلْطَةِ التَّقْليدِيَّة.
تركيب مؤسسي وإيديولوجي مزدوج يمنح النظام السياسي إمكانيات متجدّدة لإعادة إنتاج نفسه
تُشَكِّلُ هَذِهِ التَّحَوُّلات، وَإِنْ بَدَتْ خَفِيَّةً في المَجالِ السِّياسِيِّ الرَّسْمِيّ، شُروطًا فِعْلِيَّةً لِأَيِّ تَغْييرٍ مُرْتَقَبٍ في إيران. غَيْرَ أَنَّ الرِّهانَ على المُجْتَمَعِ مِنْ دونِ تَقْوِيَتِهِ بِقُوًى مُسانِدَة، مِنَ المَنْظورِ الأَميرْكِيِّ - الإِسْرائيلِيّ، يَظَلُّ رِهانًا على دينامِيَّةٍ تاريخِيَّةٍ بَطيئَةٍ على الرَّغْمِ مِنْ نَجاعَتِها. لِذَلِك، تُحاوِلُ هاتانِ القُوَّتان، بَعْدَ اصْطِدامِهِما بِصَلابَةِ النِّظامِ السِّياسِيِّ الإيرانِيِّ خِلالَ هَذِهِ الحَرْب، نَهْجَ سُلوكِ الاعْتِمادِ على الِانْتِفاضَةِ الدّاخِلِيَّةِ وَمُسانَدَتِها بِالقُوَّةِ العَسْكَرِيَّة. وَهُوَ النَّهْجُ الذي تَشْتَغِلانِ عَلَيْهِ الآنَ بِكُلِّ إِمْكاناتِهِما المُتاحَة. غَيْرَ أَنَّ تَحَقُّقَ هَذا السّينارْيو اليَوْمَ أَوْ في الغَدِ القَريبِ يَظَلُّ غَيْرَ مُمْكِن، نَظَرًا لِكَوْنِ الوِجْدَانِ الِاجْتِماعِيِّ الإيرانِيِّ ما زالَ مَصْدومًا أَمامَ حادِثِ اغْتِيالِ الْخامِنَئي ذي الرَّمْزِيَّةِ الخاصَّة، يَنْضافُ إليه ارْتِفاعُ سُمْكِ الشُّعورِ بِالِانْتِماءِ الوَطَنِيِّ وَالعَقَدِيِّ وَالوَحْدَة، نَتيجَةَ الدَّمارِ وَالقَتْلِ اللَّذَيْنِ خَلَّفَتْهُما أَميرْكا وَإِسْرائيل. وَهَذِهِ الأَسْبابُ تُؤَجِّلُ اليَوْمَ كُلَّ إِرادَةٍ في الِانْتِفاضَةِ على النِّظامِ وَلَوْ سَعَتا إلى ذَلِكَ بِغايَةِ جُهْدِهِما.
لَكِنَّ الذي تَنَاسَتْهُ الأُطْروحَةُ الأَميرْكِيَّةُ الإِسْرائيلِيَّةُ أَنَّ الخُصوصِيّاتِ السِّياسِيَّةَ وَالثَّقافِيَّةَ وَالتّاريخِيَّةَ لِلمُجْتَمَعِ الإيرانِيِّ لا تُمَكِّنُهُما مِنْ تَحْقيقِ حِساباتِهِما، نَظَرًا لِلِاعْتِباراتِ التّالِيَة:
النِّظامُ السِّياسِيُّ الذي نَشَأَ بَعْدَ ثَوْرَةِ الخُمَيْنِيّ (1979) لَمْ يَتَشَكَّل بِاعْتِبارِهِ مُجَرَّدَ سُلْطَةٍ سِياسِيَّةٍ تَقْليدِيَّة، بَل بِوَصْفِهِ تَرْكيبًا مُؤَسَّسِيًّا وَإيدْيولوجِيًّا تَتَشابَكُ فيهِ الشَّرْعِيَّةُ الدّينِيَّةُ بِالبُنْيَةِ الثَّوْرِيَّة. وَهَذا التَّرْكيبُ المُزْدَوِجُ يَمْنَحُ النِّظامَ السِّياسِيَّ إِمْكانِيّاتٍ مُتَجَدِّدَةً لِإِعادَةِ إِنْتاجِ نَفْسِه، لِأَنَّهُ لا يَعْتَمِدُ على آلِيّاتِ السَّيْطَرَةِ السِّياسِيَّةِ فَقَط، بَل على شَبَكَةٍ دَقيقَةٍ مِنَ المُؤَسَّساتِ الدّينِيَّةِ وَالأَمْنِيَّةِ وَالاجْتِماعِيَّةِ التي تَتَقاطَعُ مَعَ بُنْيَةِ الدَّوْلَةِ وَالمُجْتَمَعِ في آنٍ واحِد.
المكوّنات الاجتماعية العميقة في إيران مرتبطة بالبنية الأصلية للسّلطة
هَذا ما جَعَلَ النِّظامَ الإيرانيَّ يَتَمَتَّعُ بِمُسْتَوًى عالٍ مِنَ التَّماسُكِ المُؤَسَّسِيّ، حَيْثُ تَتَوَزَّعُ السُّلْطَةُ بَيْنَ مُؤَسَّساتٍ مُتَعَدِّدَة، بَعْضُها مُنْتَخَبٌ وَبَعْضُها غَيْرُ مُنْتَخَب، لَكِنَّها جَميعَها تَنْتَظِمُ في مَنْظومَةٍ سِياسِيَّةٍ واحِدَة. الأَمْرُ الذي يَجْعَلُ كُلَّ تَغْييرٍ داخِلِيٍّ لَيْسَ بِالأَمْرِ السَّهْل، نَظَرًا لِأَنَّ أَيَّ تَحَوُّلٍ لا يَقْتَصِرُ على تَغْييرِ القِيادَةِ السِّياسِيَّة، بَل يَتَطَلَّبُ إِعادَةَ بِناءِ شَبَكَةٍ واسِعَةٍ مِنَ التَّوازُناتِ المُؤَسَّسِيَّةِ وَالرَّمْزِيَّة. لِهَذا فَإِنَّ الحَرَكاتِ الِاحْتِجاجِيَّةَ على الرَّغْمِ مِنْ قُدْرَتِها أَحْيانًا على التَّعْبيرِ عَنِ الرَّفْضِ الِاجْتِماعِيّ، وَهَذَا ما شَهِدَتْهُ إيرانُ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّة، فَهِيَ تُواجِهُ صُعوبَةً في التَّحَوُّلِ إلى قُوَّةٍ سِياسِيَّةٍ قادِرَةٍ على إِعادَةِ تَشْكيلِ النِّظام.
نَسْتَنْتِجُ أَنَّ الرِّهانَ على صِناعَةِ قِيادَةٍ بَديلَةٍ مِنْ داخِلِ المُجْتَمَعِ الإيرانِيّ، يَحْمِلُ في حَدِّ ذاتِهِ مُفارَقَةً واضِحَة. فَإِذا كانَ يُنْظَرُ إلى هَذا الخِيارِ بِاعْتِبارِهِ ضامِنًا لِلهَيْمَنَةِ على إيرانَ وَتَحْطيمِ آخِرِ جِدارِ المُقاوَمَة، فَإِنَّ هذا الرهانَ يَتَناسى أَنَّ المُكَوِّناتِ الاجْتِماعِيَّةَ العَميقَةَ في إيرانَ مُرْتَبِطَةٌ بِالبُنْيَةِ الأَصْلِيَّةِ لِلسُّلْطَة، سَواء عَبْرَ المَصالِحِ الاقْتِصادِيَّةِ أَوْ عَبْرَ الرَّوابِطِ المُؤَسَّسِيَّة.
(خاص "عروبة 22")

