تقدير موقف

مياهٌ كَثيرَةٌ جَرَتْ في النَّهْر!

لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ احْتِلالِهِ قَبْلَ ما يَزيدُ على نِصْفِ قَرْن... أَبْوابُ الأَقْصى موصَدَةٌ في "أَقْدَسِ أَيّامِ العام" في وَجْهِ مُرْتاديهِ مِنَ المُسْلِمين. هَكَذا كانَ الخَبَرُ الذي نَبَّهَنا إِلَيْهِ مُراسِلو "الجَزيرَة"، بَعْدَ أَنْ طَغَتْ أَخْبارُ الحَرْبِ الإِسْرائيلِيَّةِ - الأَميرْكِيَّةِ على إيرانَ "في أَقْدَسِ أَيّامِ الْعام" على غَيْرِها مِنْ أَخْبارِ مَآسينا الْعَرَبِيَّةِ التي لا تَنْتَهي. هَل يُمْكِنُ قِراءَةُ هَكَذا خَبَرٍ، بِمَعْزِلٍ عَنِ "الْهستيرْيا" الدّينِيَّةِ/العَسْكَرِيَّةِ التي نَراها كُلَّ يَوْمٍ في تَصْريحاتٍ لِمَسْؤولينَ إِسْرائيلِيّينَ وَأَميرْكِيّين، أَوْ عَنْ مَشْهَدِ البَيْتِ الأَبْيَضِ غَيْرِ المَسْبوقِ لِثُلَّةٍ مِنْ قَساوِسَةِ "المَسيحِيَّةِ الصُّهْيونِيَّة" يُبارِكونَ الرَّئيسَ الذّاهِبَ إلى الْحَرْبِ "المُقَدَّسَة"؟.

مياهٌ كَثيرَةٌ جَرَتْ في النَّهْر!

كانَتِ السّاعَةُ السّابِعَة، صَباحَ الخَميسِ الْحادي والعِشْرينَ مِنْ أَغُسْطُس/آب 1969، حينَ صَحا العَرَبُ والمُسْلِمونَ على خَبَرِ اشْتِعالِ النّارِ في مَسْجِدِهِمُ الأَقْصى، الذي يَعْتَبِرونَهُ "أولى القِبْلَتَيْن، وَثالِثَ الحَرَمَيْن". بَعْدَ عامَيْنِ فَقَطْ مِنْ اجْتِياحِ جَيْشِ الِاحْتِلالِ الإِسْرائيلِيِّ لِلقُدْس. يَوْمَها وَصَفَ الإِسْرائيلِيُّونَ الجانِيَ بِأَنَّهُ "مُخْتَلٌّ عَقْلِيًّا"، وَأَنَّهُ تَصَرَّفَ "بِمُفْرَدِهِ" بِدَوافِعَ "دينِيَّة"، تَرْتَبِطُ بِفِكْرَةِ بِناءِ الهَيْكَلِ الثّالِث.

لا أَمْلِكُ الحُكْمَ على القُوَّةِ العَقْلِيَّةِ لِلرَّجُل، كَما لا يُمْكِنُنِي التَّحْقيقُ فيما أُثيرَ يَوْمَها مِنْ أَسْئِلَةٍ أَوْ شُكوكٍ حَوْلَ أَسْبابِ انْدِلاعِ الحَريقِ في أَكْثَرَ مِنْ مَكان، في الوَقْتِ ذاتِه؟ أَوْ لِماذا تَأَخَّرَتْ سَيّاراتُ الإِطْفاء؟ أَوْ أَسْبابِ تَعَطُّلِ صَنابِيرِ الْمِياهِ في مُحيطِ المَسْجِد، رُبَّما تَكونُ هُناكَ مُبالَغَةٌ في هَكَذا شُكوك. وَلَكِنّي أَمْلِكُ أَنْ أَسْتَعيدَ ما قالَهُ وَزيرُ "الحَرْبِ" الأَميرْكِيّ، الذي لا يُخْفي "دَوافِعَهُ الدّينِيَّة". كانَ يَوْمَها (2018) في القُدْس، لا غَيْرَها، عِنْدَما خاطَبَ غَرائِزَ مُسْتَمِعِيهِ قائِلًا لَهُمْ نَصًّا: "There’s no reason why the miracle of the re-establishment of the Temple on the Temple Mount is not possible".

قَدْ يَنْصَحُنا بَعْضُ "المُتَعَقِّلِينَ"، بِأَنْ لا نَأْخُذَ الكَلامَ (القَديمَ) لِلرَّجُلِ خارِجَ سِياقِه. فَليَكُن، وَلَكِنْ ما بالُكُمْ لَوْ طالَعْنا سَوِيًّا التَّصْريحَ (الحَديثَ) لِإيتمار بِنْ غفير، وَزيرِ الأَمْنِ القَوْمِيِّ في إِسْرائيل (26 أَغُسْطُس/آبَ 2024) يَوْمَها قالَ لِرادْيو الْجَيْشِ الإِسْرائيلِي إِنَّهُ "لَوْ كانَ بِمَقْدورِه، لَأَقامَ كَنيسًا يَهودِيًّا في مُجَمَّعِ المَسْجِدِ الأَقْصى".

وضع "حائط البراق" تحت السلطة الحصرية للحاخامات يفتح الباب نحو وضع المسجد الأقصى تحت سلطة الحاخامية

صَحيحٌ أَنَّ المَوْقِفَ الرَّسْمِيَّ المُعْلَنَ لِلحُكومَةِ الإِسْرائيلِيَّةِ هُوَ ما يُعْرَفُ بِالِاعْتِرافِ "بِالوَضْعِ القائِمِ" (Status Quo)، والذي يَعودُ إلى قَرارِ موشيه دَيّان، وَزيرِ الدِّفاعِ الإِسْرائيلِيِّ بَعْدَ حَرْبِ يونْيو/حُزَيْران 1967، والذي كانَ يَعودُ في حينِه (أُكَرِّر: "في حينِه") إلى إِدْراكِ الْمَسْؤولِينَ الإِسْرائيلِيّينَ وَقْتَها أَنَّ المَساسَ بِالحَرَمِ قَدْ يُؤَدّي إلى انْتِفاضَةٍ دينِيَّةٍ في القُدْس، أَوْ إلى رَدَّةِ فِعْلٍ في العالَمِ الإِسْلامِيّ، قَدْ لا تَتَحَمَّلُها الدَّوْلَةُ اليَهودِيَّة. وَهِيَ الحِساباتُ التي أَظُنُّها قَدْ تَغَيَّرَتْ تَمامًا، مَعَ التَّصْريحاتِ المُتَوالِيَةِ لِبِنْيامينِ نِتِنْياهو عَنْ إِسْرائيلَ "الأَقْوى في المِنْطَقَة"، وَأَنَّ هَذا هُوَ وَقْتُ تَحْقيقِ أَحْلامِنا "المُقَدَّسَة".

لِمَنْ يَتَذَكَّر، في سِبْتَمْبِر/أَيْلولَ 2000 قَرَّرَ أريئيل شارون اخْتِبارَ "الوَضْعِ القائِم"، فَقامَ بِزِيارَةٍ غَيْرِ مَسْبوقَةٍ لِلحَرَمِ القُدْسِيِّ في حِمايَةِ مِئاتٍ مِنْ عَناصِرِ الشُّرْطَة، فَكانَتْ زِيارَتُهُ سَبَبًا في انْدِلاعِ الِانْتِفاضَةِ الفِلَسْطينِيَّةِ الثّانِيَة (بِالمُناسَبَةِ زِيارَةُ شارون، التي كانَتْ "غَيْرَ مَسْبوقَة"، يُكَرِّرُها الآنَ بِنْ غفير مَرّاتٍ وَمَرّات).

أَيًّا كانَ الأَمْرُ، فالحَدِيثُ الدِّيبْلوماسِيُّ عَنِ "الوَضْعِ القائِمِ"، في المُراسَلاتِ المُتَبادَلَةِ مَعَ أُرْدُنِّ "وادي عَرَبَةَ" لَمْ يَحُلْ أَبَدًا دونَ تَغْييرِ الْواقِعِ "على الأَرْض"، كَما هُوَ في عُمومِ الضِّفَّةِ الغَرْبِيَّةِ "المُحْتَلَّة". وَكَما هِيَ العادَة، بَدَأَ الأَمْرُ بِالحَديثِ عَنْ "حَقِّ اليَهودِ في الصَّلاةِ داخِلَ الحَرَم"، لِيَنْتَهِيَ بِإِقْرارِ الكْنيسِتْ الإِسْرائيلِيّ، قَبْلَ أَيّام، القِراءَةَ الأولى لِمَشْروعِ تَعْديلِ "قانونِ الأَماكِنِ الْمُقَدَّسَةِ" لِيَنُصَّ على وَضْعِ "حائِطِ البُراقِ" تَحْتَ السُّلْطَةِ الحَصْرِيَّةِ لِلحاخامات، في خُطْوَةٍ مِنْ شَأْنِها السَّماحُ لِليَهودِ المُتَدَيِّنينَ فَقَط بِالصَّلاةِ في المَوْقِع. مِمّا يَفْتَحُ البابَ مُوارَبًا نَحْوَ وَضْعِ المَسْجِدِ الأَقْصى وَسائِرِ "الأَماكِنِ المُقَدَّسَةِ" تَحْتَ سُلْطَةِ الحاخامِيَّةِ الرَّسْمِيَّةِ الإِسْرائيلِيَّة.

لَيْسَ بَعيدًا عَنْ هَذا أَبَدًا ما باتَ واقِعًا مِنْ إِطْلاقِ يَدِ المُسْتَوْطِنينَ (المُتَطَرِّفين) في الضِّفَّةِ الغَرْبِيَّة، مَعَ تَقْنِينِ تَسْليحِهِم. وَإِذا كانَ الشَّيْءُ بِالشَّيْءِ يُذْكَر، فَلَعَلَّ هُناكَ مَنْ يَتَذَكَّرُ مُحاوَلَةَ تَفْجيرِ المَسْجِدِ الأَقْصى وَقُبَّةِ الصَّخْرَةِ عامَ 1984 على يَدِ شَبَكَةٍ يَهودِيَّةٍ سِرِّيَّةٍ مِنَ المُسْتَوْطِنينَ (المُتَطَرِّفين) ارْتَبَطَتْ فِكْرِيًّا بِتَيّارِ الصُّهْيونِيَّةِ الدّينِيَّة، وَأَفْكارِ الْحاخامِ تسفي يَهودا كوك (Zvi Yehuda Kook).

من الغفلة عدم الانتباه إلى الجهد الصهيوني الذي بات علنيًا باتجاه "تديين الصراع"

لِكَيْ نَعْرِفَ المَسافَةَ بَيْنَ ما كُنّا عَلَيْه، وَما كانَتْ عَلَيْهِ المِنْطَقَةُ في ذَلِكَ الصَّباحِ الذي حاوَلَ فيهِ دينيس مايْكِل روهان إِشْعالَ النّارِ في المَسْجِدِ الأَقْصى قَبْلَ سِتَّةِ عُقود، وَما صِرْنا إِلَيْهِ الآن، يُمْكِنُنا فَقَطْ أَنْ نَتَذَكَّرَ أَنَّ فَعْلَةَ روهان اسْتَدْعَتْ إِنْشاءَ مُنَظَّمَةِ المُؤْتَمَرِ الإِسْلامِيّ (بِدَعْوَةٍ مِنَ المَلِكِ فَيْصَلَ بْنِ عَبْدِ العَزيز)، والتي أَنْشَأَتْ لاحِقًا "لَجْنَةَ القُدْس"، وَأَوْكَلَتْ إِلَيْها مُهِمَّةَ حِمايَةِ المَدينَةِ المُقَدَّسَةِ مِنَ المُخَطَّطاتِ والمُؤامَراتِ الصُّهْيونِيَّةِ وَخُطَطِ تَهْويدِها.

يَتَرَأَسُ الْعاهِلُ المَغْرِبِيُّ اللَّجْنَة، بِحُكْمِ قَرارِ تَأْسيسِها. كانَ هَذا في الْعامِ 1975. أَمّا في الْعامِ 2021، فَقَدْ تَمَّ تَوْقيعُ اتِّفاقاتِ تَعاوُنٍ عَسْكَرِيٍّ وَأَمْنِيٍّ بَيْنَ إِسْرائيلَ "دَوْلَةِ الِاحْتِلال"، والمَمْلَكَةِ المَغْرِبِيَّةِ "التي تَتَرأَسُ لَجْنَةَ القُدْس"(!).

وَبَعْدُ،

فَأَنا مِمَّنْ قَرَأوا كُتُبَ كارين أَرْمِسْتْرونْغ، وَلَمْ أَكُنْ أَبَدًا مِنَ المُتَحَيِّزِينَ لِفِكْرَةِ "تَدْيينِ الصِّراع"، وَلَكِنّي مِنَ الذينَ يَعْتَقِدونَ أَنَّهُ مِنَ الغَفْلَةِ عَدَمُ الِانْتِباهِ إلى الجُهْدِ الصُّهْيونِيّ، الذي باتَ عَلَنِيًّا في هَذا الِاتِّجاه، سَواءٌ كانَتْ أَسْبابُهُ دينِيَّةً بِحَقّ، أَوْ سِياسِيَّةً "ديماغوجِيَّةً" بِامْتِيازٍ. إِذْ تَبْقى النَّتيجَةُ واحِدَة، والخَطَرُ واحِدًا.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن