مَعَ أَنَّ الذَّكاءَ الِاصْطِناعِيَّ لا يَزالُ بَعيدًا عَنْ امْتِلاكِ القَرارِ الذَّاتِيِّ الآلِيّ، وَغَيْرَ قادِرٍ على أَنْ يَكونَ بَديلًا لِلقِيادَةِ البَشَرِيَّة، التي ما زالَتْ تَحْتَفِظُ بِسُلَطِها وَقُدْرَتِها على إِعْطاءِ الأَوامِرِ وَتَوْجيهِ الضَّرَباتِ العَسْكَرِيَّة، وَهِيَ الأُطْروحَةُ ذاتُها التي يُدافِعُ عَنْها أَنْتوني كينْغ، أَحَدُ أَبْرَزِ الباحِثينَ في عِلْمِ الِاجْتِماعِ العَسْكَرِيّ، في كِتابِهِ "الذَّكاءُ الاصْطِناعِيُّ والأَتْمَتَةُ والحَرْب"، إِذْ يَرى كينْغ أَنَّ "الذَّكاءَ الاصْطِناعِيَّ لَنْ يَسْتَبْدِلَ العَقْلَ البَشَرِيَّ في القِيادَةِ الِاسْتِراتيجِيَّة، بَلْ سَيُسْتَخْدَمُ تَحْديدًا لِمُعالَجَةِ البَياناتِ في نِطاقٍ وَسُرْعَةٍ غَيْرِ مَسْبوقَيْنِ" (مُهَنَّد سَلّوم)، بِاعْتِمادِ خَوارِزْمِيّاتِ التَّعَلُّمِ الآلِيِّ الضَّخْمَة، والْقادِرَةِ على تَحْليلِ كَمٍّ هائِلٍ مِنَ المُعْطَياتِ والصُّوَرِ والبَيانات، التي كانَ القادَةُ البَشَرُ حَتّى وَقْتٍ قَريبٍ عاجِزينَ عَنِ القِيامِ بِها، وَلَوْ ضِمْنَ فِرَقِ عَمَلٍ ضَخْمَة، مَعَ ذَلِكَ أَصْبَحَ الذَّكاءُ الاصْطِناعِيُّ في سِياقِ الحُروب، يَنْطَوي على مَخاطِرَ جَسيمَة، خاصَّةً في بُؤَرٍ تَتَداخَلُ فيها صِراعاتُ النُّفوذِ والِاقْتِصاد، مِثْلَ البِلادِ العَرَبِيَّة.
دخول التقنيين ومهندسي الذكاء الاصطناعي المجال العسكري والحربي
خُطورَةُ هَذا الوَضْع، تَكْمُنُ في إِدْخالِ القِطاعِ الخاصِّ وَشَرِكاتِ الذَّكاءِ الاصْطِناعِيِّ إلى صَناديقِ الدَّوْلَةِ السَّوْداء، وَأَكْثَرِ مُؤَسَّساتِها سِرِّيَّةً وَتَحَفُّظًا، وَهُوَ ما فَرَضَ إِجْراءَ تَغْييراتٍ تَنْظيمِيَّةٍ كُبْرى في هَياكِلِ الجُيوشِ الحَديثَة، بِحَيْثُ اسْتَلْزَمَ هَذا الدَّمْجُ دُخولَ التِّقْنِيّينَ وَمُهَنْدِسي الذَّكاءِ الاصْطِناعِيِّ وَتَحْليلِ البَياناتِ الضَّخْمَةِ والأَمْنِ السّيبْرانِيّ، المَجالَ العَسْكَرِيَّ والحَرْبِيّ، وَبِخاصَّةٍ الغُرَفَ السَّوْداءَ لِلمُؤَسَّسَةِ العَسْكَرِيَّة، والتي كانَتْ حَتّى وَقْتٍ قَريبٍ واقِعَةً ضِمْنَ أَسْرارِ الأَمْنِ القَوْمِيّ، وَمُحَرَّمَةً إِلّا على كِبارِ القادَةِ والضُّبّاطِ العَسْكَريِّين.
وَفِعْلًا تُشيرُ الكَثيرُ مِنَ التَّقاريرِ الإِعْلامِيَّةِ والإِخْبارِيَّة، إلى نُشوءِ شَراكاتٍ واسِعَةٍ بَيْنَ المُؤَسَّسَةِ العَسْكَرِيَّةِ وَقِطاعِ التِّكْنولوجْيا، في كُلٍّ مِنَ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ الأَميرْكِيَّةِ وَإِسْرائيلَ وَبَريطانْيا، "توصَفُ بِأَنَّها مُجَمَّعٌ عَسْكَرِيٌّ تِكْنولوجِيٌّ جَديدٌ لا يَقِلُّ نُفوذًا في القَرْنِ الحادي والعِشْرينَ عَمّا كانَ عَلَيْهِ المُجَمَّعُ العَسْكَرِيُّ الصِّناعِيُّ في القَرْنِ العِشْرينَ" (سَلوم).
بِالنِّسْبَةِ إلى الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ الأَميرْكِيَّة، فَقَدْ أَطْلَقَتْ وِزارَةُ الدِّفاعِ عامَ 2017 "مَشْروعَ مافِن" (Maven) لِتَحْليلِ مَقاطِعِ الفيدْيو الجَوِّيَّةِ بِاسْتِخْدامِ خَوارِزْمِيّاتِ التَّعَلُّمِ الآلِيّ (التي عَمِلَتْ على إِعْدادِها وَتَدْريبِها شَرِكاتٌ خاصَّة). وَفي وَقْتٍ قَصيرٍ تَمَكَّنَ هَذَا النِّظامُ مِنْ تَصْنيفِ عَشَراتِ الفِئاتِ مِنَ الأَهْداف، مِثْلَ الأَشْخاصِ والمَرْكَبات، وَرَصْدِ تَحَرُّكاتِ الفَصائِلِ المُسَلَّحَةِ في جَميعِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ المُتَوَتِّرَةِ عَسْكَرِيًّا. واعْتُبِرَ المَشْروعُ حينَها اسْتِشْرافِيًّا، لِما سَيَكونُ عَلَيْهِ واقِعُ حُروبِ المُسْتَقْبَل، كَما أَنَّهُ كَشَفَ عَنِ الإِمْكاناتِ الكَبيرَةِ لِلذَّكاءِ الاصْطِناعِيِّ في مَجالِ الاسْتِطْلاعِ والتَّجَسُّسِ وَتَحْليلِ البَيانات.
حرب الإبادة على غزّة أوّل حرب في التاريخ تُصنّف ضمن حروب الذكاء الاصطناعي
بِدَوْرِها أَدْمَجَتْ إِسْرائيلُ بِشَكْلٍ اسْتِباقِيٍّ شَرِكاتِ الذَّكاءِ الاصْطِناعِيِّ ضِمْنَ مُؤَسَّسَتِها العَسْكَرِيَّة، في مِثالٍ واضِحٍ على ما يُسَمّيهِ كينْغ تَشَكُّلَ "المُجَمَّعِ العَسْكَرِيِّ - التِّكْنولوجِيّ"، حَيْثُ تَتَداخَلُ قُدُراتُ الجَيْشِ مَعَ البُنى التِّكْنولوجِيَّةِ التي تُطَوِّرُها الشَّرِكاتُ الرَّقْمِيَّةُ الكُبْرى. وَقَدْ سَبَقَ لِلجَيْشِ الإِسْرائيلِيِّ أَنْ قَدَّمَ حَرْبَ الإِبادَةِ على غَزَّةَ بِوَصْفِها أَوَّلَ حَرْبٍ في التّاريخِ تُصَنَّفُ ضِمْنَ حُروبِ الذَّكاءِ الِاصْطِناعِيّ، مُعْتَمِدًا فيها على مَنْظومَةٍ خَوارِزْمِيَّةٍ مُعَقَّدَةٍ شَمِلَتْ أَنْظِمَةً عِدَّة، حَيْثُ تُشيرُ تَحْقيقاتٌ صُحُفِيَّةٌ اسْتِقْصائِيَّةٌ نَشَرَها الصُّحُفِيُّ الإِسْرائيلِيُّ يوفال أَبْراهام في "+972 Magazine" عامَ 2024، إلى أَنَّ الجَيْشَ الإِسْرائيلِيَّ اسْتَخْدَمَ نِظامًا قائِمًا على التَّعَلُّمِ الآلِيِّ يُعْرَفُ بِاسْمِ "لافَنْدِر" (Lavender) لِتَحْديدِ آلافِ الأَفْرادِ المُشْتَبَهِ بِانْتِمائِهِمْ إلى المُقاوَمَةِ الفِلَسْطِينِيَّة، اعْتِمادًا على تَحْليلِ البَياناتِ الرَّقْمِيَّةِ وَأَنْماطِ الِاتِّصال. كَما اسْتَخْدَمَ نِظامَ "غوسْبِل" (Gospel) الذي يُسْتَخْدَمُ لِتَحْليلِ قَواعِدِ بَياناتٍ ضَخْمَةٍ تَتَعَلَّقُ بِالبُنْيَةِ التَّنْظيمِيَّةِ لِلفَصائِل، بِهَدَفِ إِنْتاجِ قَوائِمَ واسِعَةٍ مِنَ الأَهْدافِ العَسْكَرِيَّة، في حينِ اسْتُخْدِمَ نِظام "Where’s Daddy" لِتَتَبُّعِ هَؤُلاءِ الأَفْرادِ وَتَحْديدِ لَحَظاتِ وُجودِهِمْ داخِلَ مَنازِلِهِمْ بِهَدَفِ اسْتِهْدافِهِم. وَقَدْ سَمَحَتْ هَذِهِ المَنْظوماتُ الخَوارِزْمِيَّة، بِتَوَسُّعٍ غَيْرِ مَسْبوقٍ في دَوْرَةِ الاسْتِهْدافِ والقَتْل.
وَإلى جانِبِ هَذِهِ الأَنْظِمَة، اسْتَفادَ الجَيْشُ الإِسْرائيلِيُّ مِنَ البُنْيَةِ السَّحابِيَّةِ الضَّخْمَةِ التي وَفَّرَها مَشْروعُ "نيمْبوس" (Nimbus)، في إِطارِ عَقْدٍ تِكْنولوجِيٍّ بَيْنَ الحُكومَةِ الإِسْرائيلِيَّةِ وَشَرِكَتَيْ "غوغِل" وَ"أَمازون" لِتَوْفيرِ خِدْماتِ الحَوْسَبَةِ السَّحابِيَّةِ والذَّكاءِ الِاصْطِناعِيِّ. وَقَدْ أَتَاحَ هَذَا المَشْروعُ لِلجَيْشِ إِمْكانِيَّةَ تَخْزينِ وَتَحْليلِ كَمِّياتٍ هائِلَةٍ مِنَ البَياناتِ الاسْتِخْباراتِيَّةِ وَتَشْغيلِ الخَوارِزْمِيّاتِ العَسْكَرِيَّةِ على نِطاقٍ واسِعٍ. ما يَعْكِسُ دَرَجَةً غَيْرَ مَسْبوقَةٍ مِنَ الِانْدِماجِ بَيْنَ شَرِكاتِ التِّكْنولوجِيا العالَمِيَّةِ والرَّأْسِمالِ الذي يُمَوِّلُها في البُنْيَةِ العَمَلِيّاتِيَّةِ لِلحَرْبِ المُعاصِرَة، وَيُؤَشِّرُ في الوَقْتِ ذاتِهِ إلى التَّحَوُّلِ البُنْيَوِيِّ في طَبيعَةِ القُوَّةِ العَسْكَرِيَّة، في عَصْرِ البَياناتِ الضَّخْمَةِ وَحَرْبِ الأَزْرارِ والخَوارِزْمِيّات، مُنْذِرًا كُلُّ ذَلِكَ بِالمَزيدِ مِنَ العُنْفِ والمَخاطِرِ والتَّهْديداتِ العَسْكَرِيَّةِ والأَمْنِيَّة، خاصَّةً في البِلادِ العَرَبِيَّة، بِاعْتِبارِها نُقْطَةَ ارْتِكازِ الثَّرَواتِ الطّاقِيَّةِ وَشِرْيانَ الِاقْتِصادِ الأَحْفورِيِّ العالَمِيّ.
المجمّع العسكري التكنولوجي يده على الزناد ضدّ الجميع من أجل بلوغ مصالحه وأهدافه التوسّعية
يَبْقى السُّؤالُ الأَخيرُ المَطْروحُ حَوْلَ مَفْهومِ الدَّوْلَةِ في حَدِّ ذَاتِه، عَلاقَةً بِما ذَهَبَ إِلَيْهِ ماكْس فيبر حينَ رَبَطَهُ بِالقُدْرَةِ على احْتِكارِ العُنْفِ المَشْروعِ والمُنَظَّمِ داخِلَ حُدودِها وَمُؤَسَّساتِها (كينْغ)، حَيْثُ التَّطَوُّرُ المُتَسارِعُ في تَقْنِيّاتِ الذَّكاءِ الِاصْطِناعِيِّ مَدْفوعًا بِحَرْبٍ اسْتِباقِيَّةٍ مَحْمومَةٍ بَيْنَ الشَّرِكات، كُلُّ ذَلِكَ أَصْبَحَ اليَوْمَ يُعيدُ تَشْكيلَ هَذا الِاحْتِكار، مِنَ خِلالِ إِدْماجِ الْفاعِلِ التِّكْنولوجِيِّ مِنَ القِطاعِ الخاصِّ جَنْبًا إلى جَنْبٍ مَعَ الفاعِلِ العَسْكَرِيِّ في صَميمِ البُنْيَةِ العَسْكَرِيَّةِ والحَرْبِيَّة. وَفيما بَيْنَ هَواجِسِ الْفاعِلِ التِّكْنولوجِيِّ الرِّبْحِيَّةِ والْفاعِلِ العَسْكَرِيِّ السِّيادِيَّة، يَضَعُ المُجَمَّعُ العَسْكَرِيُّ التِّكْنولوجِيُّ الجَديد - الذي لا أَصْدِقاءَ لَهُ بَعْدَ اليَوْم - يَدَهُ على الزِّنادِ ضِدَّ الجَميع، مِنْ أَجْلِ بُلوغِ مَصالِحِهِ وَأَهْدافِهِ التَّوَسُّعِيَّة، فَهَلْ لِلدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ مِنْ صَحْوَةٍ أَوْ بَديل؟.
(خاص "عروبة 22")

