مشاهد قصيرة خارج ساحات المعارك توجز حالة العالم أثناء الحرب الإيرانية...المشهد الأول - خرج عدد من نواب الكونغرس من جلسة إحاطة حول مجريات الحرب على إيران ويتحدثون مع الإعلام عن أنهم دخلوا الجلسة بتساؤلات، وخرجوا بتساؤلات أكثر، وأنهم لم يسمعوا أي إجابة عن أسئلة بديهية حول أسباب وأهداف الحرب ووسائل وتوقيت إنهائها. المشهد الثاني – خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي نيتانياهو في كلمة متلفزة متجهما وشاحبا ويتحدث عن انتصارات مبهرة حققها، ويقول لولا هذه الحرب لكنا قد واجهنا مخاطر أكبر، وجاءت الكلمة بعد أطول موجة قصف بالصواريخ والمسيرات طالت تل أبيب وكل أرجاء إسرائيل، واستمرت نحو 5 ساعات في موجات متلاحقة، لم تشهد لها إسرائيل مثيلا من قبل.
المشهد الثالث – أول كلمة للمرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي، ولم تكن مصورة، بل مكتوبة، في إشارة إلى التشديد الأمني خوفا من اغتياله، ويتوعد فيها بعمليات ساحقة لكل من أمريكا وإسرائيل، ويشدد على أن إيران لن توقف الحرب إلا بشروط منها انسحاب أمريكا من قواعدها في المنطقة، ودفع تعويضات لإيران عن الاعتداء والخسائر، وتعد المطالب أو الشروط الإيرانية تصعيدا غير مسبوق.
المشهد الرابع – توقفت الطلعات الجوية الصينية، التي كانت تخترق المجال الجوي لتايوان منذ بدء حرب أمريكا وإسرائيل على إيران، لتخالف التوقعات التي تنبأت بأن الصين سوف تستغل انشغال الولايات المتحدة في حربها على إيران، وسحب أمريكا قوات بحرية ومنظومات للدفاع الجوي وذخائر من قواعدها في شرق آسيا بسبب قرب نفاد الذخائر وتعويض فقدان منظومات للدفاع الجوي، مما يسهل للصين غزو تايوان، ويبدو أن الصين أرادت أن تبعث برسالة إلى شعب تايوان والعالم بأنها لا تتصرف بنفس طريقة أمريكا.
المشهد الخامس – في أروقة مبنى الأمم المتحدة، أصدر مجلس الأمن قرارا بإدانة العدوان الإيراني على دول عربية، وصدر القرار بعد أن امتنعت كل من الصين وروسيا عن التصويت، بعد اعتراضهما على القرار لأنه لا يدين العدوان الأمريكي-الإسرائيلي على إيران، وكانتا تطالبان بقرار شامل، لكن الصين وروسيا لم تستخدما حق الفيتو في عرقلة القرار، وخرج الأعضاء العرب راضين عن القرار، لكن ظل التساؤل "وماذا بعد؟".
هذه المشاهد الخمسة تعكس إلى حد كبير الحالة التي يشهدها العالم في ظل تراجع الهيمنة الأمريكية، وانهيار منظومة القانون الدولي، والتي ظلت تحكم العالم منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وإن كانت غير عادلة، وراعت مصالح وانفراد القوى العظمى بالقرار، مع دور هامشي لدول الجنوب، لكنها كانت أفضل من الوضع الحالي الذي أطلق العنان لضرب الحائط بكل القوانين والأعراف، وجعل لغة القوة هي أداة التعامل الدولي، وعبر عنها الرئيس الأمريكي ترامب بقوله "أخلاقي هي ما يحدد ما افعل وليس القانون الدولي".
لقد كان تحطيم ما تبقى من أعراف وقوانين دولية السبب في اتساع بؤر التوتر والحروب، لتصل إلى جبهة الحرب على إيران، والتي تتسع شيئا فشيئا، وتقود إلى أزمة اقتصادية عالمية بدأت تتفاقم مع إغلاق مضيق هرمز ووقف تدفق ربع احتياجات العالم من النفط، وسط حالة من الفوضى تكاد تخرج عن السيطرة، تبدأ من مركز العالم في واشنطن، التي تشهد انقساما وخلافات حادة حول دوافع الانخراط في هذه الحرب، وإلى أين تقود أمريكا؟ وهي حرب لا تحظى إلا بأقل موافقة شعبية بين الحروب الكثيرة التي خاضتها الولايات المتحدة منذ انخراطها في الحرب العالمية الثانية.
ولم يوافق عليها الكونغرس إلا بضرورة الأمر الواقع بعد اندلاعها، وخلافات وتبادل اتهامات امتدت إلى داخل الحزب الجمهوري الحاكم، ولم تتمكن الإدارة الأمريكية حتى الآن من إنتاج رؤية متماسكة تصلح للترويج، وفي كل يوم تصدر تصريحات متضاربة حول مسار الحرب وأهدافها، ودخلت أمريكا اختبارا صعبا وجديا لورقة القوة العسكرية، والتي أصبحت على المحك في الحرب على إيران، وهي الورقة الأخيرة في يد أمريكا لكي تحاول استعادة مكانتها المتأرجحة في ظل أزمة اقتصادية حادة، المرجح أنها كانت وراء التوجه نحو الحروب كسبيل لتحقيق مكاسب اقتصادية، والإعلان صراحة عن نوايا باحتلال كندا وجزيرة غرينلاند وغزو كولومبيا وكوبا.
وكان الاختطاف الناجح قد أغرى بالمضي قدما في استخدام القوة العسكرية من أجل السيطرة على النفط والمعادن والممرات المائية والثروات، وإذا بها ترتطم بخصم عنيد، كان قد تهيأ لهذا النزال، وتتفاجأ أمريكا بأن قوتها لها حدود، وأن خصمها أقوى مما كانت تعتقد، لكن الحقيقة أن أمريكا أمست أضعف مما كانت تعتقد، وأن أدوات قوتها باتت قديمة ومتآكلة، وأن رصيدها من الهيبة أوشك على النفاد.
(الأهرام المصرية)

