تاريخِيًّا؛ تُعَدُّ مَدينَةُ إِسْبَرِطَة (900 ــ 371 ق. م) النَّموذَجَ النَّقِيَّ لِلدَّوْلَةِ المُحارِبَة، تُسَيِّرُهُ وَتَقودُهُ طَبَقَةُ المُحارِبين. وَبِالحُروبِ تَمَدَّدَتْ إِسْبَرِطَةُ في مُحيطِها وَهَزَمَتْ أَثينا رَمْزَ الحَضارَةِ والفَلْسَفَةِ والثَّقَافَةِ والدّيموقْراطِيَّة (حَرْبَ البيلوبونيزِ 431 ــ 404 ق.م). وَعِنْدَما يَسْتَحْضِرُ سِياسِيّونَ مُعاصِرونَ هَذا النَّموذَج، فَإِنَّهُمْ لا يُشيرونَ إلى القُوَّةِ العَسْكَرِيَّةِ فَحَسْب، بَلْ إلى فَلْسَفَةٍ سِياسِيَّةٍ تَرى أَنَّ الأَمْنَ يَتَحَقَّقُ أَساسًا عَبْرَ الرَّدْعِ والقُوَّة. وَفي حالَةِ إِسْرائيل، يَتَجَسَّدُ هَذا المَفْهومُ في عَقيدَتِها الأَمْنِيَّةِ التي تُعْطي أَوْلَوِيَّةً لِلتَّفَوُّقِ العَسْكَرِيّ.
نتنياهو يُعبّر عن عقيدة مُتجذّرة في الفكر الصهيوني
على هَذِهِ الخَلْفِيَّة، لَمْ يَكُنْ إِعْلانُ نِتِنْياهو إِلّا ذُرْوَةَ مَسارٍ تاريخِيٍّ مِنَ العُنْفِ المُمْتَدِّ لِأَكْثَرَ مِنْ قَرْنٍ وَعَشْرِ سَنَوات. فَمُنْذُ "وَعْدِ بَلْفور" انْطَلَقَتِ التَّشْكيلاتُ العِصابِيَّةُ والتَّنْظيماتُ المُسَلَّحَةُ الصُّهْيونِيَّةُ في تَخْطيطِ وَتَنْفيذِ العَمَلِيّاتِ الوَحْشِيَّةِ المُتَتالِيَةِ ضِدَّ الفِلَسْطينِيّين. ثُمَّ تَطَوَّرَتْ هَذِهِ العَمَلِيّاتُ إلى حُروبٍ إِقْلِيمِيَّةٍ مُنْذُ التَّأْسيسِ القَسْرِيِّ لِلكِيانِ الصُّهْيونِيِّ سَنَةَ 1948 وإلى يَوْمِنا هَذا. حَكَمَ هَذِهِ الحُروبَ ما يُعْرَفُ في الأَدَبِيّاتِ بِـ"عَقيدَةِ التَّوَسُّع" (Expansionism Doctrine)؛ وَتَرْجِعُ هَذِهِ العَقيدَةُ إلى "هِرْتْزِل" الذي أَشارَ في يَوْمِيّاتِهِ إلى: "عَقيدَةِ العَمَلِ على اتِّساعِ رُقْعَةِ الأَرْض"، وَمِنْ ثَمَّ تَلَقَّفَها "بِن غورْيون" وَضَمَّنَها في المُقَدِّمَةِ التي تَصَدَّرَتِ الكِتابَ السَّنَوِيَّ لِحُكومَةِ إِسْرائيلَ سَنَةَ 1952 والتي جاءَ فيها: "إِنَّ دَوْلَةَ إِسْرائيلَ قَدْ قامَتْ فَوْقَ جُزْءٍ مِنْ أَرْضِ إِسْرائيل... وَلا يَنْبَغي القَبولُ بِحُدودٍ تاريخِيَّةٍ وَطَبيعِيَّةٍ ثابِتَةٍ لِلدَّوْلَة، فَالحُدودُ تَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الظُّروفِ وَبِمُرورِ الزَّمَن. لِذا لا بُدَّ مِنَ إِعادَةِ النَّظَر ــ دَوْمًا ــ في مُصْطَلَحِ حُدودٍ طَبيعِيَّة".
وَقَدْ أَخْلَصَ "نِتِنْياهو" لِهَذِهِ العَقيدَةِ وَحافَظَ على دَيْمومَتِها، بَل وَأَصَّلَ لَها نَظَرِيًّا - في مَطْلَعِ التِّسْعينِيّاتِ مِنَ القَرْنِ الماضي - في كِتابِه: "سَلامٌ دَائِمٌ: إِسْرائيلُ وَمَكانُها بَيْنَ الأُمَمِ"(A Durable Peace: Israel & Its Place Among The nations)؛ حَيْثُ طَرَحَ تَصَوُّرًا حَوْلَ السَّلامِ مَفَادُهُ أَنَّ: "السَّلامَ لا يَتَحَقَّقُ إِلا بِالقُوَّة" (peace through strength)؛ وَهُوَ ما أَسماه: "سَلامَ الرَّدْع" (Peace of Deterrence)؛ وَعَلَيْهِ، عِنْدَما يُعْلِنُ نِتِنْياهو أَنَّ إِسْرائيلَ هِيَ "إِسْبَرِطَةُ العُظْمى"، فَإِنَّهُ لا يُطْلِقُ تَشْبيهًا عابِرًا، بَل يُعَبِّرُ عَنْ عَقيدَةٍ مُتَجَذِّرَةٍ في الفِكْرِ الصُّهْيونِيّ، تَقومُ على تَصَوُّرِ الدَّوْلَةِ بِاعْتِبارِها ثُكْنَةً عَسْكَرِيَّةً كُبْرى لا وَظيفَةَ لَها سِوى الرَّدْعِ والهَيْمَنَة، وَهَدَفُها النِّهائِيُّ التَّوَسُّعُ الجِيوسِياسِيُّ أَوْ ما أَطْلَقْنا عَلَيْه: "جِيوبوليتيكَ الحُدودِ المُتَحَرِّكَةِ / الخَرائِطِ المُتَجَدِّدَة" مِنْ جِهَة، وَدَيْمومَةُ الهَنْدَسَةِ الاسْتِعْمارِيَّةِ لِلإِقْليمِ مُنْذُ "سايْكْس - بيكو" (1916) إلى يَوْمِنا هَذا بِهَدَفِ الهَيْمَنَةِ الِاقْتِصَادِيَّةِ وَضَمانِ ضَخِّ التَّدَفُّقاتِ الطّاقَوِيَّةِ إلى ما لا نِهايَةَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرى؛ إِنَّها مُتَلازِمَةُ "الِاسْتِئْثارِ - الِاسْتِتْباع".
استدعاء نموذج "إسبرطة العظمى" يُعبّر عن رؤية ترى أنّ بقاء الدولة الصهيونية مرهون بتفكيك الإقليم
وَلَعَلَّ المُتَتَبِّع، بِدِقَّة، لِلعَمَلِيّاتِ العَسْكَرِيَّة، والمَذابِح، وَ"الاغْتِيالاتِ السِّياسِيَّةِ المُتَواصِلَةِ التي قامَتْ بِها إِسْرائيل، يُدْرِكُ أَنَّها - على مَدى تاريخِها خاصَّةً في العُقودِ الأَخيرَة - تُجَسِّدُ الرّوحَ التّاريخِيَّةَ الإِسْبَرِطِيَّةَ العَسْكَرِيَّةَ التَّدْميرِيَّةَ في الْواقِعِ الشَّرْقِ أَوْسَطِيِّ المُعاصِر، مُسْتَهْدِفَةً كُلَّ ما مِنْ شَأْنِهِ إِعاقَةُ المَشْروعِ التَّوَسُّعِيِّ الصُّهْيونِيّ. لِذا لَمْ يَكُنْ إِعْلانُ نِتِنْياهو مُجَرَّدَ اسْتِعارَةٍ تاريخِيَّة، بَل كانَ تَعْبيرًا عَنْ تَصَوُّرٍ اسْتراتيجِيٍّ يَرى أَنَّ الدَّوْلَةَ الصُّهْيونِيَّةَ يَجِبُ أَنْ تَكونَ قادِرَةً على الْقِتالِ المُسْتَمِرِّ في بيئَةٍ إِقْليمِيَّةٍ مُعادِيَة، حَتّى لَوْ أَدّى ذَلِكَ إلى خَوْضِ حُروبٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَمُتَزامِنَة. كَما أَنَّ تَشْبيهَ إِسْرائيلَ بِـ"إِسْبَرِطَةَ العُظْمى"، يَعْكِسُ رُؤْيَةً لِلعالَمِ تَقومُ على مَرْكَزِيَّةِ القُوَّةِ العَسْكَرِيَّةِ الرّادِعَةِ مِنْ ناحِيَة، والدَّفْعُ نَحْوَ التَّغْييرِ الخَرائِطِيِّ مِنْ خِلالِ إِعْمالِ التَّفْكيكِ الدّائِم - مِنْ خِلالِ ما أَطْلَقْنا عَلَيْهِ مُبَكِّرًا "فيروسَ التَّفْكيك" - لِصالِحِ "الانْفِرادِ الإِسْبَرِطِيِّ" في الإِقْليمِ مِنْ ناحِيَةٍ أُخْرى.
وَلِهَذا حَرِصَ الإِسْبَرِْطِيّونَ الجُدُدُ على إِبْقاءِ المِنْطَقَةِ في حالَةِ "بَرْميلِ الْبارود" (powder – keg)؛ حَسَبَ التَّعْبيرِ الذي سادَ لِوَصْفِ إِقْليمِ البَلْقانِ مَطْلَعَ القَرْنِ العِشْرينَ قُبَيْلَ الحَرْبِ العالَمِيَّةِ الأولى، تِلْكَ الحَرْبِ التي شَكَّلَتْ نُقْطَةَ تَحَوُّلٍ تاريخِيَّةٍ فَكَّكَتِ الإِمْبَراطورِيّاتِ القَديمَةَ السُّلْطَوِيَّةَ والمُسْتَبِدَّةَ لِصالِحِ الدُّوَلِ الرَّأْسِمالِيَّةِ الصِّناعِيَّةِ القَوْمِيَّة. وَإذا تَجاوَزْنا التَّفْسيراتِ الدّينِيَّةَ أَوِ المَذْهَبِيَّةَ أَوِ الإِثْنِيَّةَ أَوِ الثَّقافِيَّةَ التي تُغَطّي - بِوَعْيٍ أَوْ بِغَيْرِ وَعْي - على طَبيعَةِ الصِّراع، فَسَوْفَ يَتَّضِحُ أَنَّ الكِيانَ الذي اسْتُزْرِعَ قَسْرًا في قَلْبِ الإِقْليمِ كانَ جُزْءًا مِنْ مَنْظومَةٍ جِيوسِياسِيَّةٍ أَوْسَع، هَدَفَتْ إلى ضَمانِ التَّقْسيمِ - التَّقاسُم؛ وَأَنَّهُ باتَ يَتَمَثَّلُ نَموذَجَ الدَّوْلَةِ الإِسْبَرِطِيَّة، تَقودُهُ نُخْبَةٌ سِياسِيَّةٌ يُمْكِنُ وَصْفُها "بِالإِسْبَرِطِيّينَ الجُدُد" بِدَعْمٍ مِنَ القُوَّةِ الأوليجارْكِيَّةِ الجَديدَة (القِلَّةِ الثَّرْوِيَّةِ الجَديدَة، الأَميرْكِيَّةِ بِالأَساس، والمُحافِظَةِ سِياسِيًّا وَدينِيًّا، وَقاعِدَتُها الاقْتِصادِيَّةُ تَتَشَكَّلُ مِنْ قُوًى رَقْمِيَّة، وَما بَعْدَ صِناعِيَّة، وَمالِيَّةٍ، وَعَقارِيَّة) مِنْ أَجْل: "تَشَظّي - تَناهُب" المِنْطَقَة.
التحدي الحقيقي أمام شعوب المنطقة ودولها هو في التضامن من أجل بناء رؤية إقليمية مُتحرّرة
وَفي هَذا السِّياق، لا تَبْدو الحُروبُ والصِّراعاتُ التي يَشْهَدُها الشَّرْقُ الأَوْسَطُ مُجَرَّدَ أَحْداثٍ عابِرَة، بَل جُزْءًا مِنْ عَمَلِيَّةٍ أَوْسَعَ لِإِعادَةِ رَسْمِ خَرائِطِ النُّفوذِ في المِنْطَقَة. وَبِذَلِكَ فَإِنَّ اسْتِدْعاءَ نَموذَجِ "إِسْبَرِطَةَ العُظْمى" لا يَكْشِفُ فَقَطْ عَنْ تَصَوُّرٍ أَمْنِيٍّ قائِمٍ على القُوَّةِ والرَّدْع، بَل يُعَبِّرُ عَنْ رُؤْيَةٍ أَعْمَقَ تَرى أَنَّ بَقاءَ الدَّوْلَةِ الصُّهْيونِيَّةِ مَرْهونٌ بِتَفْكيكِ الإِقْليم.
وَفي مُواجَهَةِ هَذا المَنْطِقِ الإِسْبَرِطِيِّ التَّفْكيكِيّ، يَبْقى التَّحَدِّي الحَقيقِيُّ أَمامَ شُعوبِ المِنْطَقَةِ وَدُوَلِها هُوَ في التَّضامُنِ مِنْ أَجْلِ بِناءِ رُؤْيَةٍ إِقْليمِيَّةٍ مُتَحَرِّرَةٍ مِنَ الِاسْتِئْثارِ والِاسْتِتْباع.
(خاص "عروبة 22")

