تَتَّسِمُ الْمورينْغا بِسُرْعَةِ نُمُوِّها وَقُدْرَتِها الْعالِيَةِ على التَّكَيُّفِ مَعَ الظُّروفِ المُناخِيَّةِ القاسِيَةِ وَتَحَمُّلِ الْجَفافِ والْمُلوحَةِ الْعالِيَةِ سَواءً في مِياهِ الرّيِّ أَوْ التُّرْبَة، إِضافَةً إلى قيمَتِها الغِذائِيَّةِ والاقْتِصادِيَّةِ الكَبيرَةِ حَيْثُ تَحْتَوي على تَرْكيبَةٍ غَنِيَّةٍ مِنَ العَناصِرِ الغِذائِيَّةِ والمُرَكَّباتِ النَّشِطَةِ حَيَوِيًّا مِمّا يَجْعَلُها تَدْخُلُ في نِطاقٍ واسِعٍ مِنَ المُنْتَجاتِ ذاتِ القيمَةِ المُضافَةِ الْعالِيَة.
وَنَظَرًا لِتَعَدُّدِ اسْتِخْداماتِ الْمورينْغا يُطْلَقُ عَلَيْها أَحْيانًا اسْمُ "الشَّجَرَةِ الْمُعْجِزَة"، وَلِذا فَهِيَ تُمَثِّلُ فُرْصَةً مُهِمَّةً لِلتَّوَسُّعِ الزِّراعِيِّ في الْعَديدِ مِنَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ خاصَّةً في ظِلِّ الِاتِّجاهِ العالَمِيِّ نَحْوَ المُنْتَجاتِ الطَّبيعِيَّةِ والمُكَمِّلاتِ الْغِذائِيَّةِ النَّباتِيَّة.
يجب الاهتمام بالأبحاث العلمية لتصبح المورينغا جزءًا من استراتيجية زراعية عربية شاملة
وَتَتَمَيَّزُ الْمورينْغا بِخَصائِصَ عِدَّةٍ تَجْعَلُها مُناسِبَةً لِلزِّراعَةِ في البيئَةِ الصَّحْراوِيَّةِ والتي مِنْ أَهَمِّها تَحَمُّلُها لِدَرَجاتِ الْحَرارَةِ المُرْتَفِعَةِ والقُدْرَةُ على النُّمُوِّ في المَناطِقِ الْجافَّةِ التي يَقِلُّ مُعَدَّلُ الأَمْطارِ فيها عَنْ 250 مِلّيمِتْرًا سَنَوِيًّا، بِالإِضافَةِ إلى إِمْكَانِيَّةِ نُمُوِّها في الأَراضي الفَقيرَةِ الخُصوبَة، بَل تَجودُ زِراعَتُها في التُّرْبَةِ الرَّمْلِيَّة، حَيْثُ إِنَّ جُذورَها الطَّويلَةَ تُساعِدُها على امْتِصاصِ الْمِياهِ مِنْ أَعْماقِ التُّرْبَةِ مِمّا يَزيدُ مِنْ قُدْرَتِها على مُقاوَمَةِ الْجَفاف، وَتَحْتاجُ إلى كَمِيَّةِ مِياهٍ أَقَلَّ بِنِسْبَةٍ قَدْ تَصِلُ إلى ما بَيْنَ 30% وَ50% مِنْ احْتِياجاتِ الْمَحاصيلِ التَّقْليدِيَّةِ الأُخْرى، وَهَذا يَجْعَلُها مَحْصولًا مُناسِبًا لِاسْتِصْلاحِ الأَراضي الجَديدَةِ في الصَّحاري العَرَبِيَّة.
وَخِلالَ السَّنَواتِ القَليلَةِ الْماضِيَةِ زادَ الاهْتِمامُ بِالْمورينْغا عالَمِيًّا وَإِقْليمِيًّا لِما تَتَمَتَّعُ بِهِ مِنْ إِنْتاجِيَّةٍ عالِيَةٍ تَصِلُ إلى حَوالَيْ 27 طَنًّا لِلهِكْتارِ مِنَ الْأَوْراقِ الطّازَجَةِ التي تَتَمَتَّعُ بِقيمَةٍ غِذائِيَّةٍ عالِيَة، وَتَتَعَدَّدُ اسْتِخْداماتُها حَيْثُ تَحْتَوي على نِسْبَةٍ مُرْتَفِعَةٍ مِنَ البْروتينِ النَّباتِيِّ والفيتاميناتِ مِثْلِ فيتامينَ "A" و"C" والأَمْلاحِ المَعْدِنِيَّةِ مِثْلِ الحَديدِ والكَالْسيوم، وَتُسْتَخْدَمُ الأَوْراقُ في إِنْتاجِ المُكَمِّلاتِ الغِذائِيَّةِ والأَعْلافِ وَمُضادّاتِ الأَكْسَدَة.
وَهُناكَ أَيْضًا بُذورُ الْمورينْغا التي يُنْتَجُ مِنْها زُيوتٌ تَتَّسِمُ بِأَعْلى دَرَجاتِ الجَوْدَة، وَتَلْقى اهْتِمامًا كَبيرًا في الأَسْواقِ العالَمِيَّة، وَتُسْتَخْدَمُ في المُسْتَحْضَراتِ الطِّبِّيَّةِ وَمُسْتَحْضَراتِ التَّجْميلِ وَالْعُطور. كَما يُمْكِنُ تَرْبِيَةُ النَّحْلِ على شَجَرَةِ الْمورينْغا حَيْثُ يُعْطي عَسَلًا عالِيَ الْجَوْدَة.
وَتَشْهَدُ السّوقُ الْعالَمِيَّةُ نُمُوًّا مَلْحوظًا في الطَّلَبِ على مُنْتَجاتِ الْمورينْغا، خاصَّةً مَسْحوقَ الأَوْراقِ الْمُجَفَّفَةِ والكَبْسولاتِ الغِذائِيَّةِ وَزَيْتَ البُذور، وَلَقَدْ بَلَغَتْ قيمَةُ سوقِ الْمورينْغا الْعالَمِيَّةِ نَحْوَ 9.37 مِلْياراتِ دولارٍ في عامِ 2025.
وَيُمْكِنُ لِلدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ الدُّخولُ إلى هَذِهِ السُّّوقِ الواعِدَةِ بِقُوَّة، خاصَّةً إِذا قامَتْ بِإِنْشاءِ بُنْيَةٍ تَحْتِيَّةٍ وَمَصانِعَ حَديثَةٍ لِإِنْتاجِ مُسْتَخْلَصاتِ الْمورينْغا وَمُنْتَجاتِها الثّانَوِيَّة، مَعَ التَّوَسُّعِ بِزِراعَتِها مُسْتَفيدَةً مِنْ بيئَةِ المِنْطَقَةِ التي تُناسِبُها تَمامًا.
أكدت النتائج إمكانية أن تكون زراعة المورينغا نموذجًا عمليًا للزراعة الذكية في المناطق الجافة والصحراوية عالية الملوحة
وَيَجِبُ أَيْضًا الاهْتِمامُ بِالأَبْحاثِ العِلْمِيَّةِ المَحَلِّيَّةِ التي تُؤَدّي إلى زِيادَةِ الإِنْتاجِيَّةِ وَتَعْمَلُ على نَقْلِ التِّكْنولوجْيا الحَديثَةِ في مَجالاتِ التَّصْنيعِ والتَّعْبِئَةِ والتَّغْليفِ لِتِلْكَ المُنْتَجاتِ مَعَ الالتِزامِ بِمَعاييرِ الجَوْدَةِ العالَمِيَّة، مِمّا يَزيدُ مِنْ فُرَصِ التَّصْديرِ والتَّنافُسِيَّة، وَلِتُصْبِحَ الْمورينْغا جُزْءًا مِنِ اسْتراتيجِيَّةٍ زِراعِيَّةٍ عَرَبِيَّةٍ شامِلَةٍ تَعْتَمِدُ على المَحاصيلِ غَيْرِ التَّقْليدِيَّةِ قَليلَةِ الاسْتِهْلاكِ لِلْمِياهِ التي تُعْطي فُرْصَةً لِلتَّوَسُّعِ في الزِّراعَةِ الصَّحْراوِيَّة، وَتُعَزِّزُ الصِّناعاتِ الغِذائِيَّةَ والدَّوائِيَّةَ الْمَحَلِّيَّةَ في ظِلِّ الاتِّجاهِ العالَمِيِّ نَحْوَ المُنْتَجاتِ الطَّبيعِيَّةِ والمُكَمِّلاتِ الغِذائِيَّةِ النَّباتِيَّة.
وَقَدْ شَهِدَتْ دُوَلٌ عَرَبِيَّةٌ عِدَّةٌ اهْتِمامًا مُتَزايِدًا بِزِراعَةِ الْمورينْغا بِحَيْثُ أَدْخَلَتْها مِصْرُ في مَشْروعاتِ اسْتِصْلاحِ الأَراضي الصَّحْراوِيَّةِ لِإِنْتاجِ شايِ الْمورينْغا وَذَلِكَ في مُحافَظَةِ الْوادي الجَديد، كَجُزْءٍ مِنْ مُبادَراتِ تَنْمِيَةِ الزِّراعاتِ ذاتِ الْعائِدِ الِاقْتِصادِيّ. كَما يَتِمُّ اسْتِخْدامُ أَوْراقِ الْمورينْغا الطّازَجَةِ كَمَصْدَرٍ غِذائِيٍّ في مَشارِيعِ الإِنْتاجِ الحَيَوانِيِّ في السّودان، بَيْنَما اهْتَمَّتِ المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السُّعودِيَّةُ والإِماراتُ بِالْمورينْغا ضِمْنَ خُطَطِ تَنْويعِ المَحاصيلِ غَيْرِ التَّقْليدِيَّةِ في البيئاتِ الصَّحْراوِيَّة. وَتَمَّ أَيْضًا إِدْراجُ الْمورينْغا في بَرامِجِ التَّنْمِيَةِ الرّيفِيَّة، خاصَّةً الأَنْواعَ البَرِّيَّةَ مِنْها في كُلٍّ مِنَ اليَمَنِ والأُرْدُنِّ والمَغْرِب، حَيْثُ أَكَّدَتِ النَّتائِجُ التَّجْريبِيَّةُ والتَّطْبيقِيَّةُ لِزِراعَةِ الْمورينْغا إِمْكانِيَّةَ أَنْ تَكونَ مَحْصولًا اسْتراتيجِيًّا واعِدًا، وَنَموذَجًا عَمَلِيًّا لِلزِّراعَةِ الذَّكِيَّةِ في المَناطِقِ الْجافَّةِ والصَّحْراوِيَّةِ عالِيَةِ المُلوحَة.
وَمِنَ المُتَوَقَّعِ أَنْ تَشْهَدَ زِراعَةُ الْمورينْغا خَلْقَ فُرَصِ عَمَلٍ جَديدَةٍ خِلالَ مَراحِلِ الزِّراعَةِ والحَصاد، بِالإِضافَةِ إلى تَشْغيلِ الْعَمالَةِ في مَراحِلِ التَّجْفيفِ والطَّحْنِ والتَّعْبِئَةِ والتَّغْليف، وَذَلِكَ مِنْ خِلالِ مَشاريعَ صَغيرَةٍ وَمُتَوَسِّطَة، تُعَزِّزُ مِنْ خُطَطِ التَّنْمِيَةِ في المَناطِقِ الرّيفِيَّةِ والصَّحْراوِيَّة.
يمكن للدول العربية أن تصبح مُصدّرًا مُنافسًا في سوق المورينغا العالمية
وَعلى الرَّغْمِ مِنْ مُلاءَمَةِ الْمورينْغا كَمَحْصولٍ عالي القيمَةِ لِلمَناطِقِ التي لا تَجودُ فيها المَحاصيلُ التَّقْليدِيَّةُ التي تَحْتاجُ إلى تَكاليفِ اسْتِصْلاحٍ هائِلَةٍ وَظُروفٍ بيئِيَّةٍ وَنُظُمِ رِيٍّ حَديثَة، إِلّا أَنَّ التَّوَسُّعَ في زِراعَتِها ما زالَ بِحاجَةٍ إلى اسْتِثْماراتٍ كَبيرَةٍ لِدَعْمِ المُزارِعِينَ مِنْ خِلالِ البُحوثِ العِلْمِيَّةِ المُتَطَوِّرَة، وَكَذَلِكَ البَرامِجِ الإِرْشادِيَّةِ التي تُزَوِّدُ المُزارِعينَ بِالأَصْنافِ الجَديدَةِ وَنُظُمِ الزِّراعَةِ والرَّيِّ والحَصادِ الحَديثَةِ التي تُؤَدّي إلى زِيادَةِ الإِنْتاجِيَّة.
وَتُواجِهُ الصِّناعاتُ المُرْتَبِطَةُ بِالْمورينْغا في مِنْطَقَتِنا نَقْصًا كَبِيرًا في التِّكْنولوجْيا الخاصَّةِ بِالتَّصْنيعِ الزِّراعِيِّ والتَّعْبِئَةِ والتَّغْليف، بِالإِضافَةِ إلى الْحاجَةِ إلى تَنْظيمِ الأَسْواقِ وَسَلاسِلِ التَّوْريد. وَلِذا تَعْمَلُ العَديدُ مِنَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ على ضَخِّ اسْتِثْماراتٍ ضَخْمَةٍ لِلتَّوَسُّعِ في الزِّراعَةِ والتَّصْنيعِ لِلْمورينْغا وَمُنْتَجاتِها المُخْتَلِفَةِ مَعَ تَنامي الاهْتِمامِ البَحْثِيِّ بِالمَحْصولِ نَتيجَةً لِارْتِباطِهِ بِرُؤْيَةِ التَّنْمِيَةِ المُسْتَدامَةِ لِتِلْكَ الدُّوَل، خاصَّةً أَنَّ الطَّلَبَ العالَمِيَّ على الْمورينْغا وَمُنْتَجاتِها يَشْهَدُ نُمُوًّا مُسْتَمِرًّا، وَلا سِيَّما في أوروبّا والوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ وَآسْيا، مِمّا يُتيحُ فُرَصًا لِلدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ لِتُصْبِحَ مَُصَدِّرًا مُنافِسًا في سوقِ الْمورينْغا العالَمِيَّة.
(خاص "عروبة 22")

