وجهات نظر

عَنِ النَّكْبَة.. وَما بَعْدَ الحَرْبِ على إيران!

تَحْتَ صَدْمَةِ هَزيمَةِ الجُيوشِ العَرَبِيَّةِ في حَرْبِ فِلَسْطينِ (1948) جَرَتْ مُراجَعاتٌ واسِعَةٌ لِأَسْبابِها، تَطَرَّقَتْ لِأَوْجُهِ الخَلَلِ في بُنْيَةِ المُجْتَمَعاتِ العَرَبِيَّةِ بِالفَحْصِ وَالتَّشْريح، وَانْتَقَدَتِ الفِكْرَ العَرَبِيَّ على نَحْوٍ غَيْرِ مَسْبوق، نَشَأَتْ حَرَكاتٌ سِياسِيَّةٌ مِنْ فَوْقِ أَنْقاضِها، وَجَرَتْ تَغْييراتٌ جَوْهَرِيَّةٌ بِنُظُمِ الحُكْم.

عَنِ النَّكْبَة.. وَما بَعْدَ الحَرْبِ على إيران!

في أَوْضاعٍ عَرَبِيَّةٍ حَالِيًّا أَسْوَأَ مِمّا كانَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ ثَمانِيَةٍ وَسَبْعينَ عامًا فَإِنَّهُ لا يُمْكِنُ اسْتِبْعادُ الفَرَضِيَّةِ نَفْسِها، أَنْ يَعْقُبَ الحَرْبَ الأَميرْكِيَّةَ - الإِسْرائيلِيَّةَ على إيرانَ مَوْجَةٌ مِنَ المُراجَعاتِ العَميقَةِ في أَسْبابِ الضَّعْفِ البادِي في العالَمِ العَرَبِيِّ حَتّى بَدا أَنَّهُ على وَشْكِ أَنْ يَدْخُلَ حِقْبَةً تُهَيْمِنُ فيها إِسْرائيلُ وَحْدَها على مَقاديرِه!.

أَيُّ مُراجَعَةٍ على شَيْءٍ مِنَ الجِدِّيَّةِ لِما جَرى بَعْدَ النَّكْبَةِ تَكْتَشِفُ بِيُسْرٍ أَنَّ القَضِيَّةَ الفِلَسْطينِيَّةَ كانَتْ نُقْطَةَ المَرْكَز، التي جَرَتْ حَوْلَها التَّفاعُلاتُ الصّاخِبَةُ وَاصْطَدَمَتِ الإِراداتُ المُتَطاحِنَة. بَدَتِ القَضِيَّةُ الفِلَسْطينِيَّةُ مِحْوَرَ كُلِّ حَرَكَةٍ وَفِكْرَةٍ وَحِوارٍ يَنْظُرُ إلى المُسْتَقْبَل.

أعادت عملية 7 أكتوبر القضية الفلسطينية إلى الواجهة غير أنّها في غياب أيّ دعم عربي تعرّضت لانتكاسات حقيقية

كانَتْ ثَوْرَةُ 23 يولْيو/تَمّوز (1952) في مِصْرَ إِحْدى تَداعِياتِ ما بَعْدَ النَّكْبَة. بِخَطِّ يَدِهِ كَتَبَ الضّابِطُ الشّابُّ جَمال عَبْدِ النّاصِر على دَفْتَرِ يَوْمِيّاتِهِ الشَّخْصِيَّة، التي كَتَبَها تَحْتَ وَهَجِ النّيران: "فَقَدْنا ثِقَتَنا في قادَتِنا وَحُكّامِ البِلاد".

بَعْدَ عَوْدَتِهِ مِنْ مَيادينِ القِتالِ في فِلَسْطينِ باشَرَ إِعادَةَ بِناءِ تَنْظيمِ "الضُّبّاطِ الأَحْرارِ" وَتَشْكيلَ هَيْئَتِهِ التَّأْسيسِيَّةِ وَالتَّوَجُّهَ إلى إِطاحَةِ النِّظامِ كُلِّهِ بِمُقَوِّماتِهِ وَقُصورِهِ في "عابِدين" حَيْثُ المَلِك، وَ"الدّوبارَة" حَيْثُ السَّفارَةُ البَريطانِيَّة، وَ"لاظوغلي" حَيْثُ الحُكومَة.

بَعْدَ حَرْبِ "السُّوَيْسِ" (1956) خَرَجَتْ مِصْر، التي اسْتَقَلَّتْ حَديثًا، قُوَّةً إِقْليمِيَّةً عُظْمى توضَعُ في كُلِّ حِسابٍ وَباتَتْ عاصِمَتُها القاهِرَةُ إِحْدَى المَراكِزِ الدَّوْلِيَّةِ التي لا يُمْكِنُ تَجاهُلُ رَأْيِها.

في عَشْرَةِ أَعْوامٍ بَيْنَ النَّكْبَةِ وَالوَحْدَةِ المِصْرِيَّةِ - السّورِيَّة (1958) تَغَيَّرَ المَشْهَدُ كُلِّيًّا مِنَ اليَأْسِ وَالإِحْباطِ إلى الصُّعودِ وَالقُدْرَةِ على التَّحَدّي.

لِلْأَدْوارِ تَكاليفُها، فَلا يوجَدُ دَوْرٌ مَجّانِيٌّ في التّاريخ. مِنَ السُّوَيْسِ حَيْثُ تَأْميمُ قَناتِها وَخَوْضُ حَرْبٍ غَيْرِ مُتَكافِئَةٍ مَعَ الإِمْبَراطورِيَّتَيْنِ البَريطانِيَّةِ وَالفَرَنْسِيَّةِ بِالإِضافَةِ إلى إِسْرائيل، إلى دِمَشْقَ حَيْثُ أَوَّلُ وَآخِرُ مَشْروعٍ وَحْدَوِيٍّ عَرَبِيٍّ لَمْ تَغِبِ القَضِيَّةُ الفِلَسْطينِيَّةُ عَنْ حَرَكَةِ الأَحْداثِ الكُبْرى. كُلُّ شَيْءٍ ارْتَبَطَ بِها على نَحْوٍ وَثيق، كَأَنَّهُ اسْتِطْرادٌ لِصِراعاتِها في مَيادينَ أُخْرى.

أَعادَتْ عَمَلِيَّةُ السّابِعِ مِنْ أُكْتوبَر/تِشْرينِ الأَوَّل (2023) القَضِيَّةَ الفِلَسْطينِيَّةَ إلى الواجِهَةِ بَعْدَما جَرى الظَّنُّ أَنَّها طَوَتْ كُلَّ صَفَحاتِها. تَبَدَّتْ هَزيمَةٌ اسْتراتيجِيَّةٌ وَاسْتِخْباراتِيَّةٌ لِلِاحْتِلال، غَيْرَ أَنَّها في غِيابِ أَيِّ دَعْمٍ عَرَبِيٍّ يُعْتَدُّ بِهِ تَعَرَّضَتْ لِانْتِكاساتٍ حَقيقِيَّةٍ وَصَلَتْ إلى ذُرْوَتِها في حَرْبَيِ الإِبادَةِ وَالتَّجْويعِ على قِطاعِ غَزَّةَ المُحاصَر.

لَمْ يَكُنِ انْحِيازُ المِصْرِيّين، وَالشّارِعِ العَرَبِيِّ عُمومًا، إلى الجانِبِ الإيرانِيِّ في الحَرْبِ تَخَلِّيًا عَنِ الخَليج، بِقَدْرِ ما كانَ تَعْبيرًا عَنْ إِدْراكٍ عَميقٍ أَنَّهُ إِذا انْكَسَرَتْ إيرانُ فَإِنَّ المِنْطَقَةَ كُلَّها سَوْفَ يُعادُ تَرْسيمُ خَرائِطِها وَتَقْسيمُ دُوَلِها خُضوعًا لِما يُعْرَفُ بِالشَّرْقِ الأَوْسَطِ الجَديد، الذي تُهَيْمِنُ عَلَيْهِ إِسْرائيلُ وَحْدَها. إِنَّهُ الحِسُّ التّاريخِيُّ قَبْلَ وَبَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ حَيْثُ القَضِيَّةُ الفِلَسْطينِيَّةُ بوصْلَةُ الضَّميرِ العام.

"سَنَسْتَمِرُّ في إِحْكامِ الحِصارِ البَحْرِيِّ على الشَّواطِئِ الإيرانِيَّةِ حَتّى يُوافِقوا على اتِّفاقٍ يَسْتَجيبُ لِمَخاوِفِنا مِنِ امْتِلاكِهِمْ سِلاحًا نَوَوِيًّا... وَإِلّا فَإِنَّهُ سَيُسْتَخْدَمُ ضِدَّ إِسْرائيلَ وَأوروبّا وَرُبَّما نَحْنُ أَيْضًا". كانَ ذَلِكَ تَلْخيصًا مُباشِرًا لِاسْتراتيجِيَّةِ الرَّئيسِ الأَميرْكِيِّ دونالْد ترامب" في إِدارَةِ الحَرْب.

مِفْتاحُ المَوْقِفِ كُلِّهِ عُنْوانُهُ الرَّئيسِيّ، وَرُبَّما الوَحيدُ "إِسْرائيل". يَطْلُبُ اتِّفاقَ إِذْعانٍ مِنْ دونِ أَنْ يُحَقِّقَ نَصْرًا عَسْكَرِيًّا يُخَوِّلُهُ فَرْضَ شُروطِه.

الرِّهانُ الآنَ على "حِصارٍ طَويلِ الأَمَدِ" لِإِنْهاكِ وَإِضْعافِ وَتَجْويعِ إيرانَ المُنْهَكَةِ اقْتِصادِيًّا بَعْدَما أَخْفَقَتِ العَمَلِيّاتُ العَسْكَرِيَّةُ في إِجْبارِها على التَّسْليمِ بِما تَطْلُبُهُ الإِدارَةُ الأَميرْكِيَّةُ بِالأَصالَةِ عَنْ نَفْسِها، أَوْ بِالنِّيابَةِ عَنْ إِسْرائيل. بِصِياغَةٍ أُخْرَى أَكْثَرَ وُضوحًا: إِنَّها حَرْبُ إِسْرائيلَ، وأَيُّ كَلامٍ آخَرَ تَدْليسٌ على الحَقيقَةِ.

في مثل هذه الأوضاع المضطربة تفاوضيًا يتبدى بعض ما قد يتفاقم في جبهتي لبنان والخليج

بِخِبْرَةِ الحِصارِ الطَّويل، فَإِنَّ طَهْرانَ على الرَّغْمِ مِنْ مَصاعِبِها الاقْتِصادِيَّةِ قادِرَةٌ على الصُّمودِ أَمامَ الحِصارِ المُشَدَّد. لِهذَا السَّبَبِ – بِالذّات - بَدَأَتِ الإِدارَةُ الأَميرْكِيَّةُ تَتَحَدَّثُ عَنْ ضَرَباتٍ عَسْكَرِيَّةٍ مُحْتَمَلَة، تَسْتَهْدِفُ أَهْدافًا بِعَيْنِها لَكِنَّها مَحْدودَةٌ تَجَنُّبًا لِلِاعْتِراضاتِ المُتَزايِدَةِ في الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ على الحَرْبِ وَتَكاليفِها وَتَداعِياتِها على مُسْتَوَياتِ المَعيشَة.

بِتَعْبيرِ وَزيرِ الحَرْبِ الأَميرْكِيِّ بيت هيغْسيث فَإِنَّ "الحِصارَ البَحْرِيَّ رِسالَةٌ إلى العالَمِ بِأَنَّنا مَنْ يَتَحَكَّمُ في مَضِيقِ هُرْمُز"!

كانَتْ تِلْكَ مُغالَطَةً مَكْشوفَة، إِذْ إِنَّ الحِصارَ يُحْكِمُ تَمامًا مِنَ الجانِبَيْنِ إِغْلاقَ المَضيقِ الاسْتراتيجِيّ.

بِصورَةٍ أَوْ بِأُخْرى، تَبْدو الإِدارَةُ الأَميرْكِيَّةُ على دَرَجَةٍ عالِيَةٍ مِنَ التَّخَبُّط، وَالتَّصْريحاتِ المُتَضارِبَة، التي عَرَّضَتْها لِلْإِذْلالِ بِتَعْبيرِ المُسْتَشارِ الأَلْمانِيِّ فْريدْريش ميرْتْس. في مِثْلِ هذِهِ الأَوْضاعِ المُضْطَرِبَةِ تَفاوُضِيًّا يَتَبَدّى بَعْضُ ما قَدْ يَتَفاقَمُ غَدًا في جَبْهَتَيْ لُبْنانَ وَالخَليج.

لُبْنانُ على رَأْسِ المِدْفَعِ وَمَصيرُهُ مُعَلَّقٌ على تَفاعُلاتٍ صاخِبَة، فَالتَّهْدِئَةُ مُسْتَبْعَدَةٌ على المَدى المَنْظورِ وَالإِذْعانُ يَصْعُبُ أَنْ يَتَقَبَّلَهُ اللُّبْنانِيّون.

كانَتْ دَعْوَةُ الرَّئيسِ الأَميرْكِيِّ دونالْد ترامب إلى لِقاءٍ في البَيْتِ الأَبْيَضِ يَضُمُّ الرَّئيسَ اللُّبْنانِيَّ جوزاف عَوْن وَرَئيسَ الوُزَراءِ الإِسْرائيلِيَّ بِنْيامين نِتِنْياهو أَقْرَبَ إلى كُتْلَةِ لَهَبٍ تُقْذَفُ في المُجْتَمَعِ اللُّبْنانِيّ، تَدْفَعُهُ على الرَّغْمِ مِنْ إِرادَتِهِ إلى الِاحْتِرابِ الأَهْلِيّ، كَأَنَّهُ لَمْ يَذُقْ مَرارَتَهُ على مَدى خَمْسَةَ عَشَرَ عامًا.

مصر وتركيا تتحسّبان لما قد يحدث غدًا إذا انكسرت إيران

الخَليجُ بِدَوْرِهِ مُرَشَّحٌ لِانْقِساماتٍ فادِحَةٍ تَشُقُّ صُفوفَهُ بِأَثَرِ تَداعِياتِ الحَرْب، أَخْطَرُها انْسِحابُ الإِماراتِ مِنْ مُنَظَّمَةِ "أوبِك" وَ"أوبِك بْلَس"، وَالذي قَدْ تَلْحَقُهُ انْسِحاباتٌ أُخْرى غَيْرُ مُسْتَبْعَدَةٍ مِنْ مَجْلِسِ التَّعاوُنِ الخَليجِيِّ وَالتَّعاوُنِ الإِسْلامِيِّ وَالجامِعَةِ العَرَبِيَّة.

إِذا ما مَضى هذَا السّينارْيو إلى آخِرِه، فَإِنَّ التَّمَدُّدَ الإِسْرائيلِيَّ في الخَليجِ على حِسابِ الدَّوْرِ السُّعودِيِّ التَّقْليدِيِّ يُنْذِرُ بِصِداماتٍ وَصِراعاتٍ وَخَرائِطَ جِيوسِياسِيَّةٍ جَديدَة.

في الحِسابِ الأَخير، القَضِيَّةُ تَتَجاوَزُ إيرانَ وَالمَوْقِفَ مِنْها إلى مُسْتَقْبَلِ الإِقْليمِ كُلِّه، مِصْرُ وَتُرْكْيا تَتَحَسَّبانِ لِما قَدْ يَحْدُثُ غَدًا إِذا انْكَسَرَتْ إيران، أَمّا إِذا صَمَدَتْ على ما تُشيرُ الحَقائِقُ على الأَرْضِ فَإِنَّ العالَمَ العَرَبِيَّ يَحْتاجُ إلى مُقارَباتٍ أُخْرى يَرُدُّ بِها اعْتِبارَ القَضِيَّةِ الفِلَسْطينِيَّة، وَإِلّا فَإِنَّها الحِقْبَةُ الإِسْرائيلِيَّةُ لا مَحالَة.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن