اخْتَزَلَتِ الدّونِيَّةُ مُمْكِناتِ التَّفْكيرِ الحُرِّ بِاتِّباعِ مَشْهَدِيَّةِ العَيْشِ الرّاهِنِ مِن دونِ وَعْيٍ بِإِمْكانِ التَّجاوُز، أَوْ إِمْكانِ التَّشْخيصِ المُعايِنِ لِلواقِعِ بِما هُوَ ظاهِرَةٌ قابِلَةٌ لِلفَهْمِ وَالتَّعْديل.
خطورة الدونية أنها قابلة لإعادة الإنتاج في ذهنية الخاضعين
وَالدّونِيَّةُ الثَّقافِيَّةُ لَمْ تَعُدْ شُعورًا فَرْدِيًّا يُمْكِنُ تَلافيهِ أَوِ اعْتِبارُهُ اسْتِثْناءً يَزولُ مِن تِلْقاءِ ذاتِه، بَل هِيَ بنْيَةٌ اجْتِماعِيَّةٌ شامِلَةٌ أَنْتَجَتْها آلِيّاتُ الفِعْلِ الثَّقافِيِّ وَالتَّرْبَوِيِّ في بِلادِنا. فَالإِعْلامُ مَثَلًا لَهُ دَوْرٌ مُؤَثِّرٌ في تَكْوينِ شَخْصِيَّةِ الفَرْدِ عِنْدَنا بِما هُوَ تَمْثيلٌ حَيَوِيٌّ لِلذّاتِ النّاقِصَة. هذِهِ الذّاتُ الَّتي يَشوبُها العَوَزُ الدّائِمُ إِلى تَحْصيلِ ما لَيْسَ في حَوْزَتِها مِن سِلَع، أَوْ إِلى ما لا تَمْلِكُهُ مِن أَشْياءِ الآخَرِ المادِّيَّةِ وَالمَعْنَوِيَّة، وُصولًا إِلى الانْحِطاطِ الثَّقافِيِّ المُطْلَق، في التَّرْويجِ لِلتَّحَدُّثِ بِلُغَةِ الآخَرِ وَالالتِحاقِ بِه. إِنَّها دَعْوَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ عَلَى الشّاشات، تَعْكِسُ ما يَدورُ في المُؤَسَّساتِ التَّرْبَوِيَّةِ وَالمَعاهِدِ العِلْمِيَّةِ وَالشَّرِكاتِ التِّجارِيَّةِ وَغَيْرِها، لِلتَّقْليدِ الضَّرورِيِّ لِلآخَرِ وَمُحاكاتِه، مِن دونِ التَّفْكيرِ لِلَحْظَةٍ بِشُروطِ التَّمَثُّلِ الحُضورِيِّ لِلذّاتِ في واقِعِها. حَتّى أَنَّ الخِطابَ السِّياسِيَّ صارَ مَبْنِيًّا عَلَى خِطابِ الارْتِهانِ وَالتَّبْريرِ العادِيِّ لِأَنْ يَكونَ الإِنْسانُ تابِعًا لِحِلْفٍ خارِجِيٍّ أَوْ دَوْلَةٍ كُبْرى أَوْ مِحْوَرٍ عَسْكَرِيٍّ اسْتراتيجِيّ، مِن دونِ التَّنَبُّهِ إِلى مُقَوِّماتِ العَيْشِ الحُرِّ في وَطَنٍ عَلى أَساسٍ مِنَ الاشْتِغالِ الدّائِمِ عَلى تَرْسيخِ قِيَمِ الحُرِّيَّةِ وَالعَدالَةِ وَالكَرامَة.
لَكِنْ في الحَقيقَة، إِنَّ الدّونِيَّةَ لَيْسَتْ ضَعْفًا ماهَوِيًّا في التَّفْكير، بَل هِيَ نَتيجَةٌ لِهَيْمَنَةٍ رَمْزِيَّةٍ كُبْرى لِحَضارَةِ المُهَيْمِن، وَخُطورَةُ هذِهِ الدّونِيَّةِ أَنَّها قابِلَةٌ لِإِعادَةِ الإِنْتاجِ الدّائِمِ في ذِهْنِيَّةِ الخاضِعين، لِذا لا بُدَّ مِنَ الاشْتِغالِ الفَلْسَفِيِّ النَّقْدِيِّ داخِلَ البيئَةِ الثَّقافِيَّةِ الرّاهِنَة، بِحَيْثُ يَبْدَأ النَّظَرُ في الأُفُقِ بَدَلَ التَّمَرُّغِ بِالوَحْل، أَي يُغادِرُ التَّفْكيرُ إِلى حالِ اسْتِئْنافِ السَّيْرِ الحُرِّ في طَريقِ الفَهْم. فَالمَسْأَلَةُ لا تَكونُ إِمّا في الخُضوعِ لِلهَيْمَنَةِ المُطْلَقَةِ لِلأَجْنَبِيِّ أَوْ في ادِّعاءِ التَّحَرُّرِ الكامِلِ بِالخِطاباتِ فَحَسْب، بَل إِنَّ الوَعْيَ بِالفِعْلِ يَقومُ عَلى إِدْراكِ شُروطِ العَمَلِ الثَّقافِيِّ الَّذي مِن شَأْنِهِ إِبْدالُ ثَقافَةِ الاحْتِرابِ الدّائِمِ بِثَقافَةِ تَعْزيزِ السَّلامِ داخِلَ المُجْتَمَع.
النضال يكون في عدم تحويل الفجوة الراهنة إلى هوية دائمة
إِنَّ الأَمْنَ الحَضارِيَّ لا يُؤَسِّسُهُ خِطابُ إِنْكارِ الهَيْمَنَة، بَلِ الوَعْيُ بِعَناصِرِ الواقِعِ وَتَقْريرُ البَدْءِ مِن لَحْظَةِ الحَدَثِ في تَجاوُزِ الأَزْمَة، وَهذا يَضْمَنُ عَدَمَ تَحْويلِ حالِ الهَيْمَنَةِ إِلى قَدَرٍ حَتْمِيٍّ لا يُمْكِنُ الخُروجُ مِنْه.
عَلَيْنا اليَوْمَ إِعادَةُ التَّفْكيرِ بِما وَضَعَهُ الفاعِلونَ بِالسِّياسَةِ وَالمَصيرِ عَلَى الهامِش. لَقَدْ هَمَّشوا العَمَلَ الثَّقافِيَّ بِحُجَّةِ التَّخَلُّصِ مِنَ الزَّمَنِ الإِيدْيولوجِيّ، وَالخُروجِ مِن طُروحاتِ الحَداثَةِ الصُّلْبَةِ الفاشِلَةِ إِلى طُروحاتِ الحَداثَةِ السّائِلَةِ بِمَشْهَدِيَّتِها الرّاهِنَة، فَصارَ مَثَلًا مَفْهومُ الصِّراعِ العَرَبِيِّ - الصُّهْيونِيِّ داخِلًا ضِمْنَ مَفْهومٍ "حَديثٍ" يُسَمّى "حَلَّ النِّزاعات". غَيْرَ أَنَّ هذَا الواقِعَ الَّذي نَعيشُهُ لَمْ نَبْلُغْهُ نَتيجَةَ الانْفِتاحِ الحُرِّ عَلى روحِ العَصْر، بَل بِالتَّفَلُّتِ القَصْدِيِّ مِنَ الوَعْيِ المَعْرِفِيِّ بِروحِ العَصْر، وَهذَا ما أَفْقَدَنا اللُّغَةَ الرَّصينَةَ القادِرَةَ عَلى بَعْثِ الحِسِّ الإيثيقِيِّ (Ethics) وَالحافِزِ الإِبْداعِيِّ في السَّعْيِ إِلى تَكْثيرِ الاشْتِغالِ بِالثَّقافَةِ في سَبيلِ تَفْكيكِ مَظاهِرِ العُنْفِ وَالخُضوع، وَلَيْسَ المُراكَمَةَ الكَمِّيَّةَ لِلمَعْلوماتِ فَقَطْ مِن دونِ حِسٍّ بِالمَسْؤولِيَّةِ الأَخْلاقِيَّةِ وَالجَمالِيَّةِ تُجاهَ المُجْتَمَعاتِ وَاسْتِمْرارِها في العَيْشِ الكَريم.
إِذًا لا يُمْكِنُ أَنْ نَتَخَلَّصَ مِنَ الدّونِيَّةِ الثَّقافِيَّةِ بِالتَّنازُلِ عَنِ الكَيْنونَةِ النِّضالِيَّةِ لِلعَيْشِ الحُرّ، تِلْكَ الَّتي لا تُنْكِرُ الفَجْوَةَ الواقِعِيَّةَ الرّاهِنَة، وَتَرْكُدُ إِمّا في نَشْوَةِ الرَّفْضِ الدّائِمِ لِلواقِعِ أَوْ في الرِّضى السُّكونِيِّ بِقَدَرِيَّتِه. فَالنِّضالُ الجِدِّيُّ اليَوْمَ يَكونُ في عَدَمِ تَحْويلِ الفَجْوَةِ إِلى هُوِيَّةٍ دائِمَة، تُرَسِّخُ مَفاهيمَ الاسْتِعْمارِ وَالهَيْمَنَةِ بِالكَلامِ عَنِ المُفاضَلَةِ بَيْنَ الجَنوبِ وَالشَّمالِ أَوْ دُوَلِ العالَمِ الثّالِثِ وَالعالَمِ الأَوَّلِ أَوِ الغَرْبِ وَالشَّرْق... إِلَخ.
الفعل الواعي يتمّ بإعادة بناء المؤسسات التربوية والتنموية والاجتماعية وفق خطط استشرافية للمستقبل
عَلَيْنا أَنْ نَتَعَدّى الصُّراخَ وَالعَويلَ إِلى بِناءِ شُروطِ وَعْيٍ جَديدٍ في زَمَنٍ تَتَضَخَّمُ فِيهِ الهَيْمَنَةُ وَتَتَوَسَّعُ طُموحاتُ الجِيوسِياسَةِ عَلى حِسابِ الإِنْسانِ الكائِنِ السِّياسِيِّ نَفْسِه، حَتّى يُصْبِحَ الوَعْيُ بِالفِعْلِ هُوَ الشَّكْلُ المُمْكِنُ لِلمُقاوَمَة. المُقاوَمَةُ التَّحَرُّرِيَّةُ هِيَ الضَّرورَةُ الحَتْمِيَّةُ لِمُواجَهَةِ الاسْتِعْصاءِ القِيَمِيِّ الأَخْلاقِيِّ الَّذي حَلَّ في إِدارَةِ العالَم، لِذا لا يُمْكِنُ تَقْزيمُ الفِعْلِ المُقاوِمِ إِلى فُوَّهاتِ بَنادِقَ عَبَثِيَّةٍ تَخْدِمُ مَشاريعَ لَيْسَتْ بِمُسْتَوى تَجْديدِ الوَعْيِ البَشَرِيِّ الكَوْنِيّ. فَالمُقاوَمَةُ ثَقافَةُ تَغْييرٍ لا يُمْكِنُها أَنْ تَكونَ صالِحَةً لِإِنْسانٍ دونَ آخَر، لِذا يَحْتاجُها كُلُّ واحِدٍ في كُلِّ أَرْض، وَهذَا ما يَضَعُنا أَمامَ مَسْؤولِيَّةٍ تاريخِيَّةٍ في تَحَمُّلِ عَناءِ ابْتِداءِ التَّفْكيرِ مِن جَديدٍ بِالأَسْئِلَةِ الوُجودِيَّةِ الكُبْرى الَّتي تَجْعَلُ الإِقامَةَ في أَيِّ بَلَدٍ انْتِماءً لِلإِنْسانِيَّة.
هذَا الفِعْلُ الواعي لِإِحْداثِ التَّفَوُّقِ الثَّقافِيِّ لا يَتِمُّ بِإِنْكارِ الواقِع، بَل بِعِنايَةِ الاشْتِغالِ عَلَيْهِ مِن داخِلِه، وَإِعادَةِ بِناءِ المُؤَسَّساتِ التَّرْبَوِيَّةِ وَالتَّنْمَوِيَّةِ وَالاجْتِماعِيَّةِ كافَّة، وِفْقَ خُطَطٍ اسْتِشْرافِيَّةٍ لِلمُسْتَقْبَل.
المُسْتَقْبَلُ زَمَنٌ لا يُمْكِنُ تَأْجيلُه، حَتّى نُنْجِزَ التَّفَوُّقَ وَنُغادِرَ الدّونِيَّةَ بِجَدارَة، فَالتَّفَوُّقُ لا يُقاسُ بِما نَمْلِك، بَل بِما نُحْدِثُهُ مِن تَحَوُّلٍ في شُروطِ وُجودِنا.
(خاص "عروبة 22")

