بصمات

بَيْنَ العَقْلَيْنِ العَرَبيِّ والفارِسي... صِلاتٌ تَسْتَحِقُّ الإِحْياء!

غِيابُ التّارِيخ، أَوْ تِغْييبُه، يَجْعَلُنا نَنْظُرُ إلى الواقِعِ المُعاصِرِ بِمِزاجِ ما هُوَ حاصِلٌ بِاعْتِبارِهِ المَسارَ الطَّبيعِيَّ لِلتّاريخ، والذي لَمْ يَكُنْ هُناكَ أَيُّ مَفَرٍّ مِنْه، لَكِنَّ التّاريخَ وَدِراسَتَهُ يُثْبِتانِ في أَحْيانٍ كَثيرَةٍ أَنَّ المَساراتِ كانَتْ جِدَّ مُخْتَلِفَة، وَأَنَّ النَّتائِجَ التي نَظُنُّ أَنَّها حَتْمِيَّةٌ كانَتْ في الكَثيرِ مِنَ الأَحْيانِ احْتِمالًا ضِمْنَ احْتِمالاتٍ كَثيرَة، مِنْ هُنا يُمْكِنُ إِعادَةُ النَّظَرِ إلى مَسيرَةِ العَقْلِ الإيرانِيِّ وَعَلاقَتِهِ بِالعَقْلِ العَرَبِيِّ في إِطارِ المِظَلَّةِ الحَضارِيَّةِ الإِسْلامِيَّةِ التي عَكَسَتْ حِوارًا عِلْمِيًّا على مُخْتَلِفِ المُسْتَوَياتِ بِصورَةٍ قَدْ تُلْقي عَلَيْها المُعاصَرَةُ حِجابَها لِتَصْعَدَ سَرْدِيَّةٌ مُتَخَيَّلَةٌ لا يَسْتَفيدُ مِنْها إِلّا أَعْداءُ شُعوبِ المِنْطَقَةِ مِمَّنْ يُرَوِّجونَ لِمَشاريعَ اسْتِعْمارِيَّةٍ صَريحَة.

بَيْنَ العَقْلَيْنِ العَرَبيِّ والفارِسي... صِلاتٌ تَسْتَحِقُّ الإِحْياء!

لا يَعْرِفُ الكَثيرونَ أَنَّ التَّلاقِيَ بَيْنَ العَقْلَيْنِ العَرَبِيِّ والفارِسِيِّ هُوَ ما أَنْتَجَ حَضارَةَ المُسْلِمينَ التي قادَتِ العالَمَ لِقُرون، في ذَلِكَ الوَقْتِ حَصَلَ التَّلاقُحُ بَيْنَ العَقْلَيْن، فالعَقْلُ العَرَبِيُّ تَمَيَّزَ بِالحُرِّيَّةِ الفِكْرِيَّةِ والمَيْلِ إلى الدِّراساتِ اللُّغَوِيَّةِ والفِقْهِيَّة، والعَقْلُ الفارِسِيُّ مالَ إلى الجَوانِبِ الإِدارِيَّةِ والفَلْسَفِيَّة، وَمِنْ هُنا حَصَلَ التَّلاقُحُ والتَّبادُلُ المُثْمِرُ الذي أَدّى في النِّهايَةِ إلى إِنْتاجِ حَضارَةٍ عالَمِيَّةٍ تَتَحَدَّثُ بِالعَرَبِيَّة، وَيُنْتِجُ الجَميعُ فيها تَحْتَ مِظَلَّةِ العَرَبِيَّةِ كَلُغَةِ إِنْتاجٍ حَضارِيّ، وَلَمْ يُصبِحْ هُنا مِنْ مَعْنًى لِفِكْرَةِ العُقولِ العَرَبِيَّةِ أَوِ الْفارِسِيَّةِ بِسَبَبِ الهِجْراتِ والتَّمازُجِ بَيْنَ شُعوبِ المِنْطَقَةِ التي انْصَهَرَتْ بِشَكْلٍ يَصْعُبُ في الكَثيرِ مِنَ الأَحْيانِ فَصْلُه، فَبَعْضُ العُلَماءِ الذينَ وُلِدوا في بِلادِ فارِسَ كانوا مِنْ أُصولٍ عَرَبِيَّةٍ صِرْفَة.

حضارة المسلمين قامت على الامتزاج بين العقلين العربي والفارسي

وَفي بِلادِ إيرانَ وَنَتيجَةً لِهَذا الِاحْتِكاكِ والِانْصِهارِ والتَّلاقي الحَضارِيِّ بَيْنَ العَرَبِ والفُرْسِ وَغَيْرِهِما مِنَ العِرْقِيّات، خَرَجَتْ إلى النّورِ الكَثيرُ مِنْ إِنْجازاتِ الحَضارَةِ الإِسْلامِيَّة، فَسيبَوَيْهِ انْتَصَرَ لِلنَّحْوِ العَرَبِيّ، وابْنُ سينا وَصَلَ بِالفَلْسَفَةِ المَشّائِيَّةِ العَرَبِيَّةِ إلى الذُّرْوَة، والرّازِيُّ الحَكيمُ قَدَّمَ لِلبَشَرِيَّةِ "الْحاوي" سِفْرَهُ الخالِدَ في الطِّبّ، والطَّبَرِيُّ حَفِظَ تاريخَ المُسْلِمينَ في سِفْرِهِ الْجَليل، والبيرونِيُّ قَدَّمَ مَوْسوعَةً عِلْمِيَّةً فَرْدِيَّةً مُنْتَصِرًا فيها لِلعَرَبِيَّةِ على لُغَتِهِ الأُمِّ الْفارِسِيَّة، والزَّمَخْشَرِيُّ أَنْجَزَ أَحَدَ أَعْظَمِ كُتُبِ التَّفْسيرِ القُرْآنِيِّ بِمَنْهَجٍ اعْتِزالِيّ، وَهُوَ أَحَدُ أَعْظَمِ عُلَماءِ البَلاغَةِ والبَيانِ العَرَبِيّ، وَغَيْرُهُمْ الكَثير.

لِذا عِنْدَما نَنْظُرُ إلى التّاريخِ سَنَجِدُ أَنَّ إيرانَ التي كانَتْ سُنِّيَّةً في غالِبِيَّتِها في فَتَراتٍ كَثيرَةٍ شَكَّلَتِ الأَرْضَ التي تَطَوَّرَتْ عَلَيْها المَذاهِبُ الفِقْهِيَّةُ السُّنِّيَّة، فَمَثَلًا هُناكَ طَريقَةُ الخُراسانِيّينَ في مُواجَهَةِ طَريقَةِ العِراقِيِّينَ في المَذْهَبِ الشَّافِعِيّ، وَتَمَرْكُزُ المَذْهَبِ الحَنَفِيِّ في شَرْقِيِّ إيرانَ وَوَسَطِ آسْيا بِالأَساس، بَل إِنَّ المَذْهَبَ الأَشْعَرِيَّ كانَ مَرْكَزُهُ الأَوَّلُ هُوَ مَدينَةَ نَيْسابور، وَمِنْها خَرَجَتْ حَرَكَةُ الإِحْياءِ السُّنِّيِّ ضِدَّ انْتِشارِ الدَّعْوَةِ الإِسْماعيلِيَّةِ الشّيعِيَّةِ التي كادَتْ أَنْ تُسَيْطِرَ على الْعالَمِ الإِسْلامِيِّ في القَرْنِ الرّابِعِ الْهِجْرِيِّ / العاشِرِ الْميلادِيّ، فالوَزيرُ السَّلْجوقِيُّ نِظامُ المُلْكِ عَمِلَ على تَأْسيسِ الْمَدارِسِ النِّظامِيَّةِ وَتَكْريسِها لِأَبْناءِ المَذْهَبِ الأَشْعَرِيِّ في إِطارِ المُواجَهَةِ مَعَ الإِسْماعيلِيَّةِ وَكانَتْ نُقْطَةُ الانْطِلاقِ في مَشْروعِهِ مِنْ إيران.

الشعب الإيراني ثار في آخر 25 عامًا على نظامه الحاكم بأكثر مما ثار أيّ شعب آخر في المنطقة

يُمْكِنُ لَنا القَوْلُ إِنَّ حَضارَةَ المُسْلِمينَ قامَتْ على الامْتِزاجِ الكَبيرِ بَيْنَ العَقْلَيْنِ العَرَبِيِّ والْفارِسِيّ، مَعَ التَّسْليمِ بِوُجودِ إِضافاتٍ أَساسِيَّةٍ مِنَ الْيونانِيَّةِ والحَضاراتِ الأَقْدَم، لَكِنَّ العَرَبَ والإيرانِيِّينَ لَعِبوا الدَّوْرَ الأَكْبَرَ في بِناءِ هَذِهِ الحَضارَة، وَلا يُمْكِنُ تَصَوُّرُ الفَصْلِ بَيْنَهُمْ في أَيِّ صِراعاتٍ تُريدُ إِعادَةَ كِتابَةِ التّاريخِ في ضَوْءِ الْواقِعِ المُعاش، فالتّاريخُ يَرْفُضُ عَبْرَ وَقائِعَ ثابِتَةٍ الحَديثَ عَنْ عَداءٍ أَبَدِيٍّ بَيْنَ العَرَبِ والفُرْس، بَل إِنَّ في الكَثيرِ مِنَ الأَحْيانِ كانَ التَّمازُجُ الحَضارِيُّ هُوَ الأَساسَ الذي أَدّى إلى نَهْضَةٍ كانَتِ الذُّرْوَةَ في العُصورِ التي أُطْلِقَ عَلَيْها العُصورُ الوُسْطى.

الْمُدْهِشُ أَنَّ مُعْظَمَ الدُّوَلِ التي حَوَّلَتِ الإيرانِيّينَ إلى التَّشَيُّعِ كانَتْ دُوَلًا تُرْكُمانِيَّةَ الأَصْل، فالحَديثُ عَنْ عَداءٍ راسِخٍ بَيْنَ الفُرْسِ والعَرَبِ هُوَ مَحْضُ اخْتِزالٍ لِتاريخٍ طَوِيلٍ وَمُعَقَّد، نَعَمِ ارْتَكَبَ النِّظامُ الإيرانِيُّ الحالِيُّ جَرائِمَ حَرْبٍ في حَقِّ عَدَدٍ مِنْ شُعوبِ المِنْطَقَةِ العَرَبِيَّة، لَكِنَّ هَذا لا يَنْسَحِبُ على الشَّعْبِ الإيرانِيِّ ذاتِهِ الذي ثارَ في آخِرِ 25 عامًا على نِظامِهِ الحاكِمِ بِأَكْثَرَ مِمّا ثارَ أَيُّ شَعْبٍ آخَرَ في المِنْطَقَة.

على الإيرانيين أن يُبدوا حُسن النية لتجاوز ما ارتكبه نظام الملالي من جرائم تركت حمولة سيّئة لدى الشعوب العربية

وَمِنْ هُنا أَهَمِّيَّةُ الِاسْتِنادِ إلى التّاريخ، فالإيرانِيّونَ شُرَكاءُ في صِناعَةِ حَضارَةٍ وَثَقافَةٍ لا نَزالُ نَعْتَزُّ بِها كَمُشْتَرَكٍ إِنْسانِيّ، فَإِذا كُنّا نَتَحَدَّثُ عَنْ مُسْتَقْبَلِ المِنْطَقَةِ العَرَبِيَّةِ فَلا مَناصَ مِنَ الحَديثِ عَنْ روحِ المُشارَكَةِ بَيْنَ العَرَبِ وَإيرانَ وَتُرْكْيا، فالشَّعْبُ الإيرانِيُّ سَيَظَلُّ حاضِرًا وَجارًا بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ بَقاءِ النِّظامِ مِنْ عَدَمِه، وَلا يُمْكِنُ كَما تَرْغَبُ إِسْرائيلُ وَأَميرْكا حَذْفُ شَعْبٍ بِحَجْمِ الشَّعْبِ الإيرانِيّ.

بَل إِنَّ التَّفاعُلَ الحَضارِيَّ بَيْنَ العَرَبِ والإيرانِيِّينَ يَجِبُ أَنْ يُسْتَأْنَفَ على قاعِدَةٍ مِنَ الِاحْتِرامِ المُتَبادَل، فَهَذا هُوَ دَرْسُ التّاريخِ الذي تُعَزِّزُهُ الجُغْرافْيا، وَلا مُسْتَقْبَلَ لِمَنْ لا يَتَعَلَّمُ الدَّرْسَ أَوْ يُعانِدُه، هَذا أَيْضًا يَنْطَبِقُ على الإيرانِيّينَ الذينَ يَجِبُ أَنْ يُبْدوا الكَثيرَ مِنْ حُسْنِ النِّيَّةِ لِتَجاوُزِ ما ارْتَكَبَهُ نِظامُ المَلالي مِنْ جَرائِمَ تَرَكَتْ حَمولَةً سَيِّئَةً لَدى العَديدِ مِنَ الشُّعوبِ العَرَبِيَّة.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن