تقدير موقف

لا أَحَدَ يُصَدِّقُ "السَّيِّدَ الرَّئيس"!

قَدْ لا يَسْتَحِقُّ ما جَرى مِنْ إِطْلاقِ نارٍ (خارِجَ) قاعَةِ حَفْلِ عَشاءِ مُراسِلي البَيْتِ الأَبْيَضِ قَبْلَ أُسْبوع، ما جَرى مِنْ جَلَبَةٍ إِعْلاميةٍ وَسِياسِيَّةٍ تَقاطَعَتْ مَعَ ما يَجْري (داخِلَ) مَضيقِ هُرْمُز، وَيَدْفَعُ ثَمَنَهُ العالَمُ أَجْمَع. وَلَكِنَّهُ دونالد جي ترامب، "بَطَلُ الشّاشَة"، واللّاعِبُ الماهِرُ "لِلثَّلاثِ وَرَقات".

لا أَحَدَ يُصَدِّقُ

عَشِيَّةَ الحَدَث، وَعَلى صَفْحَتِها الرَّسْمِيَّة، نَشَرَتْ وَكالَةُ "رويْتِرْز" لِلأَنْباءِ عَدَدًا مِّنَ الصُّوَرِ الفوتوغْرافِيَّةِ لِما جَرى مِنْ هَرْجٍ وَمَرْجٍ داخِلَ قاعَةِ العَشاءِ الرِّئاسِيّ. لا شَيْءَ لافِتٌ في المَشاهِدِ المُتَوَقَّعَةِ في مِثْلِ هَكَذا لَحَظات. اللّافِت، والذي قَدْ يَسْتَدْعي المُلاحَظَة، هُوَ ما كَتَبَهُ المُتابِعونَ "الأَميرْكِيّونَ" تَعْليقًا على هَذِهِ الصُّوَر: "Lights… Cameras… ACTION!!!"، لَمْ تَكُنْ تِلْكَ العِبارَةُ مُجَرَّدَ تَعْليقٍ كَتَبَهُ أَحَدُهُم، بَلْ كانَتْ عُنْوانًا لِّلأَغْلَبِيَّةِ السّاحِقَةِ مِنَ التَّعْليقات... لا أَحَدَ يُصَدِّقُ "السَّيِّدَ الرَّئيس".

بِالمُناسَبَة، التَّعْليقاتُ "غَيْرُ المُصَدِّقَةِ" لِلرِّوايَةِ الرَّسْمِيَّةِ لِما جَرى يَوْمَها، لَمْ تَقْتَصِرْ على عامَّةِ النّاس، بَلْ طالَتْ نُخَبًا وَّسِياسِيّينَ وَأَصْحابَ رَأْي. بَعْدَ سِتِّ سَاعاتٍ فَقَطْ مِّنَ الحَدَث، كَتَبَتِ النّائِبَةُ Jasmine Crockett: "رُبَّما كانَ الأَمْرُ يَتَعَلَّقُ بِقَوانينِ السِّلاح، أَوْ بِضَعْفِ تَمْويلِ خِدْماتِ الصِّحَّةِ العَقْلِيَّة، وَلَكِنْ رُبَّما كانَ أَيْضًا مُجَرَّدَ كِذْبَةٍ... لا أَحَدَ يَعْلَم".

قَدْ يَكونُ مِنَ المُبالَغَةِ اللّامَنْطِقِيَّةِ اعْتِبارُ ما جَرى "تَمْثيلِيَّةً" مُّعَدَّةً سَلَفًا، لِصَرْفِ الأَنْظارِ عَمّا يَبْدو غَرَقًا أَميرْكِيًّا في مياهِ الخَليج، أَوْ لِمُحاوَلَةِ تَرْميمِ شَعْبِيَّةٍ تَدَهْوَرَتْ وَنَحْنُ على أَبْوابِ انْتِخاباتٍ بَرْلَمانِيَّةٍ يَنْتَظِرُها الجَميع، وَلَكِنَّ هَذا لا يَنْفي حَقيقَةَ أَنَّ الرَّئيسَ الذي لا يَتَوَقَّفُ عَنِ الكَلامِ فَقَدَ واقِعِيًّا مِصْداقِيَّتَه.

كسمسار قديم ما زال يمارس مهنته طوَّر من "تقنية الكذب"

عِنْدَ انْتِهاءِ وِلايَتِهِ الأولى (يَنايِر/كانونُ الثّاني 2021)، التي كانَتْ أَقَلَّ صَخَبًا، وَأَكْثَرَ مَعْقولِيَّةً (بِالقِياسِ لِما صِرْنا إِلَيْه) نَشَرَت "واشِنْطُن بوسْت" تَقْريرًا إحْصائِيًّا صادِمًا عَنْ أَكاذيبِ الرَّئيسِ وادِّعاءاتِهِ الباطِلَةِ خِلالَ فَتْرَةِ وِلايَتِهِ (2017-2021). خَلَصَ التَّقْريرُ - وَفي أَرْقامِهِ ما يَكْفي مِنْ دَلالَة - إلى أَنَّ دونالد ترامب "الرَّئيس" كَذَبَ أَوِ ادَّعى ادِّعاءاتٍ باطِلَةً خِلالَ السَّنَواتِ الأَرْبَعِ التي قَضاها في البَيْتِ الأَبْيَضِ ما يَزيدُ على ثَلاثينَ أَلْفَ مَرَّة (تَحْديدًا 30,573 مَرَّة).

بِمُناسَبَةِ "الأَرْقام"، يَقولُ ترامب وَيُفاخِرُ بِأَنَّهُ السَّبَبُ في وَقْفِ إِطْلاقِ النّارِ في غَزَّةَ وَلُبْنان، وَتَقولُ الأَرْقامُ إِنَّ عَدَدَ الشُّهَداءِ اللُّبْنانِيّينَ تَجاوَزَ الـ300 خِلالَ أُسْبوعَيْنِ فَقَطْ مِّنْ وَقْفِ إِطْلاقِ النّارِ "الترامبي" المُفْتَرَض، أَمّا في القِطاعِ المُحاصَرِ فَقَدْ تَجاوَزَ الرَّقْمُ الـ900.

أَيًّا كانَتْ أَرْقامُ الأَكاذيب، وَضَحاياها، فَالبادي أَنَّ الرَّئيس، كَسَمْسارٍ قَديمٍ ما زالَ يُمارِسُ مِهْنَتَه، طَوَّرَ مِنْ "تِقْنِيَّةِ الكَذِبِ" المُعْتَمَدَةِ في السَّنَةِ الأولى مِنَ الوِلايَةِ الثَّانِيَة. دَعْكَ مِنَ الأَكاذيبِ المُباشِرَة، وَهِيَ كَثيرَة. إِذْ رُبَّما لَمْ يَعُدِ الأَهَمُّ هُوَ إِحْصاءُ عَدَدِ الِادِّعاءاتِ الكاذِبَةِ أَوْ غَيْرِ الدَّقيقَة، بَلْ رُبَّما فيما يُمْكِنُ لِدارِسي الإِعْلامِ والرَّأْيِ العامِّ مُلاحَظَتُهُ مِنْ نَسَقٍ دِعائِيٍّ مُّتَماسِكٍ يَتَمَثَّلُ في إِغْراقِ المُتَلَقّي (الجُمْهورُ العام، والسِّياسِيّونَ عَبْرَ العالَم) بِتَصْريحاتٍ على مَدارِ السّاعَةِ تَعْتَمِدُ نَسَقًا لُغَوِيًّا مُّتَماسِكًا؛ "لا يَصِفُ الواقِع، بَلْ يَصْنَعُه"، أَوْ بِالأَحْرى يَصْنَعُ لَهُ صورَةً ذِهْنِيَّة، يَجْري غَرْسُها في الأَذْهان، بِلُغَةٍ "قاطِعَة"، مُطْلَقَة، لا يَتْرُكُ ما فيها مِنْ قَطْعٍ وَّمُبالَغَةٍ مَجالًا لِلتَّفْكير.

في أُكْتوبَر/تِشْرينِ الأَوَّلِ 2024 وَتَسْويقًا لِّمُخَطَّطِهِ "الاِسْتِثْمارِيِّ/الاِسْتِعْمارِيِّ" في غَزَّة، لَمْ يَتَرَدَّدِ الرَّئيسُ في الادّعاءِ بِأَنَّهُ زارَ القِطاع: "I’ve been there" وَهُوَ الأَمْرُ الذي نَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَحْدُثْ أَبَدًا.

يَعْرِفُ المُتَخَصِّصونَ أَنَّ اخْتِلاقَ "التَّجْرِبَةِ الشَّخْصِيَّة"، بِادِّعاءِ زِيارَةِ غَزَّة، لَيْسَ تَفْصيلًا عابِرًا، بَلْ مُحاوَلَةٌ لِاحْتِكارِ الشَّهادَة: "أَنا رَأَيْت"، وَبِالتّالي "أَنا أَعْرِف". في عالَمِ السِّياسَة، الشَّهادَةُ الشَّخْصِيَّةُ تَمْنَحُ القَوْلَ سُلْطَةً لا تَمْنَحُها البَياناتُ المُجَرَّدَة.

في يونْيو/حُزَيْرانَ 2025، عِنْدَما ضَرَبَتِ القاذِفاتُ الأَميرْكِيَّةُ مَواقِعَ نَوَوِيَّةً إيرانِيَّة، لَمْ يَكْتَفِ الرَّئيسُ بِالحَديثِ عَنْ نَجاحِ الضَّرْبَةِ أَوْ بِوَصْفِ مَدى الضَّرَرِ الذي أَصابَ تِلْكَ المَواقِع، بَلْ قالَ إِنَّها قَدْ مُحِيَتْ تَمامًا (obliterated) التَّعْبيرُ هُنا لا يَنْقُلُ واقِعًا بِقَدْرِ ما يُعيدُ صِياغَتَه. هُوَ لا يَصِفُ نَتيجَة، بَلْ يَصْنَعُها لُغَوِيًّا. لا تَنْسَ أَنَّهُ ذَهَبَ إلى الحَرْبِ مَرَّةً أُخْرى بِحُجَّةِ القَضاءِ على القُدُراتِ النَّوَوِيَّةِ ذاتِها التي كانَ قَدْ قالَ إِنَّها "مُحِيَت".

ما يَجْمَعُ هَذِهِ الأَمْثِلَة، وَغَيْرَها كَثيرٌ جِدًّا (عَنِ الحُروبِ "التي أَنْهَيْتُها"، وَأَزْمَةِ سَدِّ النَّهْضَة... إِلَخ) لَيْسَ الكَذِبَ بِوَصْفِهِ فِعْلًا مُّنْفَصِلًا، بَلِ المُبالَغَةَ بِوَصْفِها نِظامًا لُغَوِيًّا مُتَكامِلًا. نِظامٌ يَقومُ على أَرْبَعَةِ أَعْمِدَة: الإِغْراق؛ بِحَيْثُ لا وَقْتَ لِلْمُراجَعَة. والمُبالَغَةُ؛ التي لا تَتْرُكُ مَجالًا لِلْعَقْلانِيَّة. والأَلْفاظُ السّوقِيَّةُ الجارِحَة، التي لا تَسْمَحُ بِحُكْمِ طَبيعَتِها بِنِقاشٍ أَوْ مَنْطِق. وَقَبْلَ ذَلِكَ وَبَعْدَه؛ الشَّخْصَنَة؛ حَيْثُ "الأَنا" لا تَتْرُكُ مَساحَةً لِّلآخَرين.

رُبَّما لِهَذا السَّبَبِ لَمْ تَعُدْ "عَدّاداتُ الأَكاذيبِ" كافِيَةً كَما كانَتْ في الماضي. المُشْكِلَةُ لَمْ تَعُدْ في عَدَدِ الِادِّعاءات، بَلْ في اللُّغَةِ التي تَجْعَلُ التَّحَقُّقَ نَفْسَهُ يَبْدو تَفْصيلًا ثانَوِيًّا. حينَ تُقالُ الجُمْلَةُ بِصيغَةٍ مُّطْلَقَة، فَإِنَّها لا تَطْلُبُ تَصْديقًا، بَلْ تَفْرِضُه.

هناك من يُصدّقه بل ويحاول أن يبيع لنا أكاذيبه

حِيَلُ السَّماسِرَة، كَما الحُواةِ لا تَنْتَهي. لا يَكْتَفي ترامب بِأَكاذيبِه، وادِّعاءاتِه، بَلْ يَلْجَأُ مَعَ فَريقِهِ إلى تِكْنيكٍ جَديدٍ لِلتَّضْليلِ الإِعْلامِيّ، يَعْرِفُهُ المُتَخَصِّصونَ بِاسْم "Slopaganda". راجِعوا مَنْشوراتِ "الرَّئيس"، والبَيْتِ الأَبْيَضِ على الـ"سّوشْيال ميدْيا"، بِدايَةً مِّنْ فيدْيو للرَّئيسِ يَرْتَدي "تاجًا مَّلَكِيًّا"، وَيَقودُ طائِرَةً تُلْقي "بِفَضَلاتٍ آدَمِيَّةٍ" على تَظاهُراتِ مُواطِنيهِ التي رَفَعَتْ لافِتات "No Kings"، وَلَيْسَ نِهايَةً بِمَنْشورٍ يَتَقَمَّصُ فيهِ صورَةَ السَّيِّدِ المَسيح (عَلَيْهِ السَّلام).

لَيْسَ مِنَ المُسْتَغْرَبِ إِذَنْ أَلّا تَقْتَصِرَ تَعْليقاتُ الأَميرْكِيّينَ على الصُّوَرِ التي نَشَرَتْها "رويْتِرْز"، والتي أَشَرْتُ إِلَيْها في بِدايَةِ هَذا المَقالِ على التَّشْكيكِ في مِصْداقِيَّةِ الرَّئيس. أَحَدُهُم، وَبِحِكْمَةٍ تُرْكِيَّةٍ قَديمَة، ذَهَبَ إلى أَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ لِيَخْتَصِرَ المَشْهَدَ في البَيْتِ الأَبْيَضِ: "إِذا تَمَكَّنَ المُهَرِّجُ مِنَ الوُصولِ إلى القَصْرِ، فَهَذا لا يَعْني أَنَّهُ سَيُصْبِحُ مَلِكًا. القَصْرُ هُوَ الذي سَيَتَحَوَّلُ إلى سيرْكٍ كَبِير (When a clown moves into a palace, he doesn't become king; the palace becomes a circus)".

وَبَعْدُ،

فَلْيَكْذِبْ ترامب، كَعادَتِهِ كَما يَشاء، وَبِما يَشاء. فَمِثْلُ هَذا داءٌ لا دَواءَ لَه. لا يَعْنيني أَنْ يُكَذِّبَهُ الأَميرْكِيّون، كَما رَأَيْنا في كَمِّ التَّعْليقاتِ على صُوَرِ واقِعَةِ إِطْلاقِ النّار. كَما لا يَعْنيني أَنْ تُشَكِّكَ عُضْوَةُ الكونْغْرِس في قُوى الرَّئيسِ العَقْلِيَّة، كَما شَهِدْنا قَبْلَ أَيّام. ما يَعْنيني حَقًّا أَنَّ هُناكَ مَنْ العَرَبِ مَنْ يُصَدِّقُه، بَلْ وَيُحاوِلُ أَنْ يَبيعَ لَنا أَكاذيبَه!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن