التَّداعِياتُ الِاقتِصادِيَّةُ لِلحَرْبِ على المِنْطَقَةِ العَرَبِيَّة: جَبَلُ الجَليدِ المَخْفِي!

على الرَّغْمِ مِنْ أَنينِ المُواطِنينَ في مُعْظَمِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ مِنَ التَّداعِياتِ الِاقْتِصادِيَّةِ لِلحَرْبِ الأَميرْكِيَّةِ - الإِسْرائيلِيَّةِ على إيران، فَإِنَّ التَّأْثيراتِ الِاقْتِصادِيَّةَ مُتَوَسِّطَةَ وَبَعيدَةَ الأَمَدِ بِمَثابَةِ جَبَلِ الجَليدِ المَخْفِيِّ الذي لا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ حَجْمِهِ بِالضَّبْط. وَعلى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ المِنْطَقَةَ مَرَّتْ بِأَزْماتٍ مُتَعَدِّدَةٍ خِلالَ العُقودِ الْماضِيَة، فَهَذِهِ هِيَ الأَزْمَةُ الأولى التي تَشْهَدُ انْقِطاعًا لِإِنْتاجِ النَّفْطِ بِمُعَدَّلٍ كَبيرٍ مُنْذُ حَرْبِ ناقِلاتِ النَّفْطِ بَيْنَ إيرانَ والعِراقِ خِلالَ الثَّمانينِيّاتِ والتي امْتَدَّتْ إلى النّاقِلاتِ الخَليجِيَّةِ آنَذاكَ وَلا سِيَّما الكُوَيْتِيَّة.

التَّداعِياتُ الِاقتِصادِيَّةُ لِلحَرْبِ على المِنْطَقَةِ العَرَبِيَّة: جَبَلُ الجَليدِ المَخْفِي!

خَفَّضَتْ دُوَلُ الخَليجِ والعِراقُ إِنْتاجَها بِنَحْوِ عَشَرَةِ مَلايينَ بَرْميلٍ يَوْمِيًّا وَهُوَ ما يُمَثِّلُ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ صادِراتِ الْعالَمِ العَرَبِيِّ مِنَ النَّفْطِ إلى جانِبِ تَوَقُّفِ تَصْديرِ الْغازِ المُسال. وَسَيَكونُ لِهَذِهِ الحَرْبِ تَداعِياتٌ كَبيرَةٌ على اقْتِصاداتِ المِنْطَقَةِ كُلِّها وَلَيْسَ دُوَلَ الخَليجِ فَقَط، وَلَكِنْ سَيَرْتَبِطُ شَكْلُ وَحَجْمُ التَّداعِياتِ بِمُدَّةِ الأَزْمَةِ وَتَطَوُّراتِها.

إِذا طالَتِ الأَزْمَةُ واسْتَمَرَّتْ إيرانُ في مَنْعِ خُروجِ النَّفْطِ والغازِ مِنْ مَضيقِ هُرْمُزَ فَهَذا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَزيدَ مِنِ ارْتِفاعِ أَسْعارِهِما، الأَمْرُ الذي سَتَتَضَرَّرُ مِنْهُ الدُّوَلُ العَرَبِيَّةُ غَيْرُ النَّفْطِيَّة، وَفي الوَقْتِ نَفْسِهِ فَإِنَّ الدُّوَلَ الخَليجِيَّةَ سَتَتَضَرَّرُ بدرجاتٍ مُتَفاوِتَةٍ نَظَرًا لِتَراجُعِ إِنْتاجِها، كَما سَتَتَأَثَّرُ وارِداتُها مِنَ الطَّعامِ والمُسْتَلْزَماتِ الأَساسِيَّةِ القادِمَةِ مِنَ الخارِجِ وَسَيَتِمُّ جَلْبُ أَغْلَبِها عَبْرَ البَرِّ بِتَكْلُفَةٍ أَكْبَر.

قد تُضطر دول خليجية للسّحب من استثماراتها الخارجية وتقليل العمالة الأجنبية ممّا سيؤثّر على الدول العربية غير النفطية

لَقَدْ نَجَحَتْ دُوَلُ الخَليجِ حَتّى الآنَ في تَجَنُّبِ حُدوثِ نَقْصٍ حادٍّ بِالسِّلَعِ أَوْ تأَثُّرٍ كَبيرٍ لِلخِدْماتِ الأَساسِيَّةِ بِفَضْلِ اسْتِثْمارِها لِسَنَواتٍ في البُنْيَةِ الأَساسِيَّةِ والحَوْكَمَةِ والتَّخْزين.

وَلَكِنْ إِذا اسْتَمَرَّ هَذَا الوَضْعُ لِفَتْرَةٍ طَويلَةٍ قَدْ تُضْطَرُّ دُوَلٌ خَليجِيَّةٌ لِلسَّحْبِ مِنْ اسْتِثْماراتِها الخارِجِيَّةِ وَتَقْليلِ العَمالَةِ الأجْنَبِيَّةِ أَوْ خَفْضِ أُجورِها مِمّا سَيُؤَثِّرُ على الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ غَيْرِ النَّفْطِيَّةِ التي قَدْ تُعاني بِدَوْرِها مِنْ ضُغوطٍ على عُمُلاتِها وَميزانِيّاتِها بِسَبَبِ تَراجُعِ السِّياحَةِ وَتَحْويلاتِ المُغْتَرِبينَ وَخُروجِ الِاسْتِثْماراتِ الأَجْنَبِيَّة، وَهَذِهِ الدُّوَلُ غَيْرُ النَّفْطِيَّةِ كانَتْ تَعْتَمِدُ خِلالَ الأَزْماتِ السّابِقَةِ على دَعْمِ الدُّوَلِ الخَليجِيَّةِ المَشْغولَةِ حالِيًّا بِالحَرْب، وَإِنْ كانَ يُمْكِنُ أَنْ تَشْهَدَ مِصْرُ تَحْديدًا تَدَفُّقًا لِبَعْضِ الِاسْتِثْماراتِ مِنْ دُوَلٍ عَرَبِيَّةٍ أُخْرى.

وَلَقَدْ أَلمَحَ الأَميرْكِيّونَ إلى أَنَّ أَسْطولَهُمْ قَدْ يُرافِقُ السُّفُنَ الْمَدَنِيَّةَ الْعابِرَةَ لِمَضيقِ هُرْمُزَ لِحِمايَتِها مِنَ الِاسْتِهْدافِ الإيرانِيّ، وَهَذَا أَمْرٌ حَدَثَ في حَرْبِ النّاقِلاتِ مِنْ قِبَلِ الِاتِّحادِ السّوفياتِيِّ والوِلاياتِ المُتَّحِدَة، وَلَكِنَّ إيرانَ الآنَ أَكْثَرُ اسْتِعْدادًا لِهَذا السّينارْيو وَقَدْ تَلْجَأُ لِاسْتِخْدامِ غَوّاصاتِها الْقَزَمِيَّةِ لِتَلْغيمِ المَضيق، إضافةً إلى إِدْخالِ الْحوثِيّينَ في الْحَرْب.

وَإِذا تَمَكَّنَتِ البَحْرِيّاتُ الغَرْبِيَّةُ مِنْ مَنْعِ الهَجَماتِ على السُّفُنِ الْمَدَنِيَّة، وَهُوَ ما قَدْ يَسْتَغْرِقُ بَعْضَ الوَقْت، فَإِنَّ المِلاحَةَ قَدْ تَعُود، وَلَكِنْ مَعَ زِيادَةٍ كَبيرَةٍ في أَسْعارِ التَّأْمين، وَبِالتّالي اسْتِمْرارُ ارْتِفاعِ أَسْعارِ السِّلَع.

حتى لو انتهت الحرب فستبقى آثارها الاقتصادية

وَهُناكَ سينارْيو آخَرُ هُوَ تَمَكُّنُ الأَميرْكِيّينَ مِنْ إِسْقاطِ النِّظامِ الإيرانِيِّ وَهُوَ ما قَدْ يَعْني تَنْفيذَ هَجماتٍ أَميرْكِيَّةٍ وَإِسْرائيلِيَّةٍ شَديدَةِ العُنْفِ وَحَرْبٍ طَويلَةٍ لِتَشْجيعِ التَّمَرُّداتِ بَيْنَ الأَقَلِّيّات، وَقَدْ تَرُدُّ طَهْرانُ بِما يُمْكِنُ وَصْفُهُ بِخِيارِ "شَمْشون" عَبْرَ شَنِّ هَجماتٍ أَوْسَعَ على مُنْشَآتِ النَّفْطِ في المِنْطَقَةِ والْمَرافِقِ الحَيَوِيَّةِ مِثْلَ مَحَطّاتِ تَحْلِيَةِ الْمِياه، وَقَدْ تَحْدُثُ تَوَغُّلاتٌ إيرانِيَّةٌ في مَناطِقَ مِثْلَ كُرْدِسْتانَ الْعِراق، وَحَتّى لَوْ تَوَقَّفَتِ الهَجَماتُ الإيرانِيَّةُ فَإِنَّ هَدَفَ إِسْقاطِ النِّظامِ لا يَبْدو سَهْلًا كَما كانَ يَظُنُّ الأَميرْكِيّون، وَقَدْ يُؤَدّي إلى تَفَكُّكِ الدَّوْلَةِ الإيرانِيَّةِ وَما قَدْ يَتَرَتَّبُ على ذَلِكَ مِنْ مُقاوَمَةٍ وَهِجْراتٍ وَمُشْكِلاتٍ في دُوَلِ الجِوارِ وَمِنْها الدُّوَلُ العَرَبِيَّة، مِمّا قَدْ يَخْلُقُ أزْمَةً أقلّ وطأةً وَلَكِنْ أطْوَلَ زَمَنِيًّا وأَصْعَبَ في التَّوَقُّع.

وَحَتّى سينارْيو التَّوَصُّلِ إلى وَقْفٍ سَريعٍ لِإِطْلاقِ نارٍ يُعْلِنُ فيهِ دونالد ترامب الِانْتِصارَ بِإِضْعافِهِ لِلقُدُراتِ العَسْكَرِيَّةِ الإيرانِيَّة، وَتُعْلِنُ فيها طَهْرانُ الِانْتِصارَ بِالصُّمودِ والنَّجاةِ مِنْ واحِدَةٍ مِنْ أَكْبَرِ عَمَلِيّاتِ القَصْفِ في التّاريخ، فَإِنَّهُ لَيْسَ سينارْيو وَرْدِيًّا على الرَّغْمِ مِنْ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ سابقَيْه، لِأَنَّ وقفًا لِلحَرْبِ مِنْ دونِ مُعالَجَةِ عَوامِلِ نُشوبِها، وَمِنْ دونِ ضَماناتٍ لِمَنْعِ تَكْرارِها مِنْ قِبَلِ أَميرْكا وَإِسْرائيلَ أَوْ إِنْهاءِ الدَّوْرِ السَّلْبِيِّ لِإيرانَ في الدُّوَلِ العَرَبِيَّة، قَدْ يَعْني إِبْقاءَ التَّوَتُّرِ قائِمًا في المِنْطَقَة، وَهُوَ ما يَعوقُ خِطَطَ دُوَلِها لِلتَّنْمِيَةِ وَتَنْويعِ الْمَوارِدِ عَبْرَ قِطاعاتٍ حَسّاسَةٍ لِلأَمْنِ مِثْلَ السِّياحَةِ والسَّفَرِ والمَوانِئِ وَمَراكِزِ المالِ والأَعْمال، وَهِيَ مَجالاتٌ رَكَّزَتْ عَلَيْها دُوَلُ الخَليجِ وَمِصْرُ والأُرْدُن خِلالَ السَّنَواتِ الْماضِيَة.

قد تعود إيران إلى المنطقة بروح انتقامية وقد تسعى إسرائيل لبناء إمبراطوريّتها التوراتية المزعومة

لا يَبْدو أَنَّ هُناكَ احْتِمالًا قَريبًا لِحَلٍّ اقْتِصادِيٍّ شافٍ لِتَداعِياتِ الأَزْمَة، وَبِالتّالي هُناكَ حاجَةٌ عَرَبِيَّةٌ لِلتَّكَيُّفِ الِاقْتِصادِيِّ مَعَها، لِأَنَّهُ حَتّى لَوْ انْتَهَتِ الحَرْبُ فَسَتَبْقَى آثارُها الِاقْتِصادِيَّة، وَلِذا يَجِبُ التَّعَلُّمُ مِنَ التَّجْرِبَتَيْنِ الرّوسِيَّةِ والأوكْرانِيَّةِ في تَحْويلِ المَجْهودِ الحَرْبِيِّ إلى فُرْصَةٍ اقْتِصادِيَّةٍ جُزْئيةٍ عَبْرَ الِاسْتِثْمارِ في الأَنْشِطَةِ التي تَخْدُمُهُ وتقلّل الِاسْتيراد.

على سَبيلِ الْمِثال، في مُواجَهَةِ سَيْلِ الطّائِراتِ المُسَيَّرَةِ الإيرانِيَّةِ الرَّخيصَة، يُمْكِنُ لِلدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ بِناءُ صِناعاتٍ لِذَخائِرَ زَهيدَةِ الثَّمَنِ لِإِسْقاطِها بَدَلًا مِنَ الصَّواريخِ الأَميرْكِيَّةِ الْباهِظَة، وَذَلِكَ عَبْرَ تَعاوُنٍ عَرَبِيٍّ مُشْتَرَكٍ مَعَ نَقْلِ هَذِهِ التِّكْنولوجْيا مِنْ دُوَلٍ مِثْلَ أوكْرانْيا والصّينِ وَباكِسْتانَ وَتُرْكيا وكورْيا الجَنوبِيَّة.

هذه الحرب يجب أن تكون دافعًا لتعاون سياسي وعسكري واقتصادي عربي

يُمْكِنُ أَيْضًا لِلدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ التَّرْكيزُ على بِناءِ مُعِدّاتِ الطّاقَةِ الشَّمْسِيَّةِ لِلتَّحَوُّطِ مِنْ احْتِمالِ اسْتِهْدافِ مَحَطّاتِ الكَهْرَبَاء. وَلِمُواجَهَةِ نَقْصِ بَعْضِ السِّلَعِ الْمُسْتَوْرَدَةِ وارْتِفاعِ أَسْعارِها، يَجِبُ التَّحَوُّلُ إلى تَصْنيعِها وَبِناءِ سَلاسِلِ تَوْريدٍ عَرَبِيَّة.

إِنَّ هَذِهِ الحَرْبَ يَجِبُ أَنْ تَكونَ دافِعًا لِتَعاوُنٍ سِياسِيٍّ وَعَسْكَرِيٍّ واقْتِصادِيٍّ عَرَبِيٍّ واسِعِ النِّطاق، لِأَنَّها أَثْبَتَتْ أَنَّ تَداعِياتِ الأَزْماتِ تَطالُ الْجَميع، كَما أَنَّ الِاعْتِمادَ على مَنْظوماتٍ أَمْنِيَّةٍ خارِجِيَّةٍ يَجْعَلُ العَرَبَ رَهينَةً لِمُغامَراتٍ غَيْرِ مَحْسوبَة.

والأَهَمُّ أَنَّهُ إِذا خَرَجَتْ إيرانُ بِقَدْرٍ مِنَ النَّجاحِ مِنْ هَذِهِ الحَرْبِ فَقَدْ تَعودُ إلى المِنْطَقَةِ بِروحٍ انْتِقامِيَّةٍ وَمُحاوَلَةٍ لِإِعادَةِ تَقْوِيَةِ مِحْوَرِها بِتَدَخُّلٍ أَكْثَرَ سُفورًا في شُؤونِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ بِقِيادَةِ مُرْشِدٍ أَكْثَرَ تَشَدُّدًا وَشَبابًا.

وَإِذا خَرَجَتْ إِسْرائيلُ بِنَصْرٍ مُدَوٍّ وَسَهْل، فَإِنَّها قَدْ تَسْتَهْدِفُ دُوَلًا عَرَبِيَّةً وَإِسْلامِيَّةً أُخْرى وَقَدْ تَسْعى لِبِناءِ إِمْبْراطورِيَّتِها التَّوْراتِيَّةِ المَزْعومَة، وَهُوَ حُلْمٌ يُؤَيِّدُهُ بَعْضُ المَسْؤولينَ الأَميرْكِيّينَ مِنَ المَسيحِيّينَ الصَّهايِنَة!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن