في ما يَلِي تَرْجَمَةُ مَقالَةٍ صَدَرَتْ في مِنَصَّةِ "ethic" الإِسْبانِيَّة، وَحَرَّرَها الفَيْلَسوفُ الكورِيُّ الجَنوبِيُّ - الأَلمانِيُّ بِيونْغ تشول هان في أَحْدَثِ كِتاباتِه، وَعُنْوانُهُ "عَنْ اللَّه" (بايْدوس، 2025).
مِنْ مَنْظورٍ بُنْيَوِيّ، تُعَدُّ خَسارَةُ الصَّمْتِ أَحَدَ الأَسْبابِ الرَّئيسِيَّةِ لِأَزْمَةِ الدّين. إِنَّ عَصْرَنا يَتَّسِمُ بِطُغْيانِ الضَّجيج. وَكانَ في وُسْعِ فْريدْريك نيتْشَه أَنْ يَقولَ بِأَنَّ "الضَّجيجَ قَدْ قَتَلَ اللَّه"، إِذْ سَبَقَ لَهُ أَنْ حَمَّلَ تَنامِيَ الضَّجيجِ مَسْؤولِيَّةَ أَزْمَةِ الفِكْر. فَعَبْقَرِيَّةُ اليَقَظَةِ الذِّهْنِيَّةِ مَشْروطَةٌ بِالصَّمْت: "خَيْرٌ أَنْ يَكونَ الإِنْسانُ أَصَمَّ عَنْ طَواعِيَة، مِنْ أَنْ يَصُمَّهُ الضَّجيج".
في الماضي كانَ يَكْفي أَنْ يَصْنَعَ الإِنْسانُ لِنَفْسِهِ سُمْعَةً طَيِّبَة؛ أَمّا اليَوْمَ فَلَمْ يَعُدْ ذَلِكَ مُجْدِيًا، لِأَنَّ السّوقَ اتَّسَعَتْ على نَحْوٍ مُفْرِط، بِحَيْثُ أَصْبَحَ لِزامًا أَنْ يَصْرُخَ المَرْءُ لِيُسْمَعَ صَوْتُه. والنَّتيجَةُ أَنَّ أَفْضَلَ الحَناجِرِ تُسْتَنْزَف، وَأَجْوَدَ السِّلَعِ تُعْرَضُ بِأَصْواتٍ مَبْحوحَة. وَهَكَذا لَمْ يَعُدْ بِالإِمْكانِ التَّعَرُّفُ إلى العَبْقَرِيِّ مِنْ دونِ صَخَبِ السّوقِ وَبُحَّتِه.
إِنَّها أَزْمِنَةٌ شِدادٌ على المُفَكِّر؛ إِذْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ اقْتِناصَ الصَّمْتِ المُتَخَلِّلِ بَيْنَ ضَجيجَيْن، وَأَنْ يَتَدَرَّبَ على التَّظاهُرِ بِالصَّمَمِ حَتّى يَغْدُوَ صَمَمًا فِعْلِيًّا. وَإِلى أَنْ يَتَحَقَّقَ لَهُ ذَلِك، يَبْقى مُعَرَّضًا لِخَطَرٍ وَشيك: المَوْتِ اخْتِناقًا بِنَفادِ الصَّبْرِ والصُّداع.
وَفي السِّياقِ الرّاهِن، غَدَتِ السّوقُ أَكْثَرَ امْتِدادًا وَحِدَّةً في صَخَبِها. إِنَّ العالَمَ بِأَسْرِهِ يَتَّجِهُ نَحْوَ التَّشَكُّلِ كَسوقٍ كَوْنِيَّةٍ ضاجَّة. لَقَدْ تَحَوَّلَ كُلُّ شَيْءٍ إلى سِلْعَة، وَلِذَلِكَ صارَ كُلُّ شَيْءٍ يُطالِبُ بِالِانْتِباهِ عَبْرَ الجَلَبَةِ والصُّراخ. بَل إِنَّ الحَياةَ ذاتَها اكْتَسَبَتْ هَيْئَةَ السّوقِ والسِّلْعَةِ مَعًا. وَأَضْحى الفَرْدُ رائِدَ أَعْمالٍ لِذاتِه، يُنْتِجُ نَفْسَهُ وَيَعْرِضُها مِنْ دونِ انْقِطاعٍ، إلى حَدِّ التَّماهي مَعَ تاجِرٍ يُرَوِّجُ لِبِضاعَتِه.
لا تَنْسَجِمُ الرَّأْسُمالِيَّةُ مَعَ الصَّمْت؛ فَكُلَّما ارْتَفَعَتِ الإِنْتاجِيَّةُ ازْدادَ الضَّجيج. الضَّجيجُ يُراكِمُ رَأْسَ الْمال، أَوْ لَعَلَّ رَأْسَ الْمالِ يُنْتِجُ الضَّجيجَ لِيُضاعِفَ ذاتَه. أَمّا الصَّمْتُ فَلا يُنْتَجُ وِفْقَ نَمَطِ السّوق. إِنَّ ضَغْطَ الأَداءِ والتَّحْسينِ في السِّياقِ النِّيوليبيرالِيّ، بِوَصْفِهِ ضَغْطًا داخِلِيًّا، يوهِنُ الذّاتَ بِإِخْضاعِها لِفائِضٍ مِنَ الضَّوْضاء. فَالضُّغوطُ الدّاخِلِيَّةُ تُحْدِثُ في النَّفْسِ جَلَبَةً أَشَدَّ مِنْ تِلكَ النّاجِمَةِ عَنِ الإِكْراهاتِ الخارِجِيَّة، وَتَحولُ دونَ بُلوغِ السَّكينَة.
وَتُشْبِهُ مُتَلازِمَةُ الاحْتِراقِ المِهْنِيِّ فُقْدانًا مُفاجِئًا لِلسَّمْعِ سَبَبُهُ الضَّجيجُ الدّاخِلِيّ؛ إِذْ يَفْقِدُ الإِنْسانُ القُدْرَةَ على الإِصْغاءِ إلى ذَلِكَ الصَّمْتِ الباطِنِيِّ الذي يُغَذِّي السَّعادَة. وَقَدْ عَبَّرَتْ سيمون فايل (Simone Weil) عَنْ هَذا المَعْنى بِقَوْلِها: "لا سَعادَةَ تُضاهي سَعادَةَ الصَّمْتِ الدّاخِلِيّ".
يُؤَدّي فَرْطُ التَّواصُلِ الرَّقَمِيِّ إلى تَقْويضِ الصَّمْت. فَالمَعْلومَة، مِنْ حَيْثُ هِيَ مَعْلومَة، تُنْتِجُ ضَجيجًا. لَقَدْ باتَ إِدْراكُنا لِلواقِعِ مُؤَطَّرًا بِمَنْظورٍ مَعْلوماتِيٍّ، بِحَيْثُ تَغْدو فُيوضُ المَعْلوماتِ والِاتِّصالِ غِطاءً ضَوْضائِيًّا شامِلًا لِلعالَم. إِنَّ المَعْلومَة، بِوَصْفِها شَكْلًا مِنْ أَشْكالِ الضَّجيج، تَسْتَنْزِفُ الِانْتِباهَ وَتُشَتِّتُه؛ في حينٍ أَنَّ الِانْتِباهَ التَّأَمُّلِيَّ وَحْدَهُ هُوَ القادِرُ على الوُلوجِ إلى فَضاءِ الصَّمْت.
إِنَّ الصَّخَبَ المَعْلوماتِيَّ والتَّواصُلِيَّ الذي يَقْتَحِمُ الذّاتَ أَشَدُّ تَدْميرًا مِنْ ضَجيجِ الآلاتِ في العَصْرِ الحَديث. فَالرّوحُ تَحْتاجُ إلى الصَّمْت؛ كَيْ تُنْتِجَ ما هُوَ مُغايِرٌ جَذْرِيًّا أَوْ لِكَيْ تَسْتَقْبِلَه. وَفي حَيِّزِ الإِبْداعِ يَسودُ الصَّمْتُ بِوَصْفِهِ شَرْطًا تَأْسيسِيًّا. أَمّا الحالَةُ التَّأَمُّلِيَّةُ لِلرّوحِ فَهِيَ حالَةُ تَعْليقٍ وَحَدِّيَّة، يَتَوَقَّفُ فيها ــ مُؤَقَّتًا ــ ما هُوَ مَأْلوفٌ أَوْ مُشَكَّلٌ سَلَفًا، بِما يُتيحُ إِمْكانَ انْبِثاقِ المُخْتَلِفِ كُلِّيًّا.
وَعلى هَذا الأَساس، يَضَعُ الشِّعْرُ اللُّغَةَ في وَضْعٍ تَأَمُّلِيّ، تَتَعَطَّلُ فيهِ وَظيفَتُها الإِخْبارِيَّةُ والتَّواصُلِيَّة، فَتَغْدو اللُّغَةُ في حالَةِ تَصالُحٍ مَعَ ذاتِها، مُتَأَمِّلَةً إِمْكاناتِها الدّاخِلِيَّة، الأَمْرَ الذي يَفْتَحُ أَمامَها آفاقًا جَديدَةً لِلِاسْتِعْمال. أَمّا إِذَا اسْتُنْزِفَتِ اللُّغَةُ في أَداءِ وَظيفَتِها الإِعْلامِيَّةِ والتَّواصُلِيَّة، فَإِنَّهُ يَتَعَذَّرُ تَجْديدُ الشِّعْرِ واللُّغَة.
كَذَلِك، يُتيحُ الصَّمْتُ التَّأَمُّلِيُّ لِلفِكْرِ أَنْ يَنْعَطِفَ على ذاتِهِ وَأَنْ يُعيدَ تَشْكيلَ أَنْماطِه. وَمِنْ هَذِهِ الزّاوِيَةِ تَغْدو الفَلْسَفَةُ قَريبَةً مِنَ الشِّعْر. وَلا تَكونُ الرّوحُ قابِلَةً لِاسْتِقْبالِ ما هُوَ مُغايِرٌ على نَحْوٍ جَذْرِيٍّ إِلّا إِذا تَجَرَّدَتْ وارْتَدَّتْ إلى الصَّمْتِ بِوَصْفِهِ لَحْظَةَ انْبِعاث. فَالِانْتِباهُ يَقْتَضي تَعْليقَ الفِكْر، وَتَرْكَهُ في حالَةِ اسْتِعْدادٍ وانْفِتاحٍ فارِغ، مِنْ دونِ بَحْثٍ مُسْبَق، بَلْ في تَرَقُّبٍ يُتيحُ لِلمَوْضوعِ أَنْ يَتَجَلّى في حَقيقَتِه.
إِنَّ الصَّمْتَ وَحْدَهُ يُقارِبُ الرّوحَ مِنَ الإِبْداع، في حينٍ أَنَّ التَّواصُلَ الصّاخِبَ يَسُدُّ كُلَّ مَنْفَذٍ إِلَيْه. وَمِنْ دونِ الصَّمْتِ يَسْتَمِرُّ الْمَأْلوفُ وَيَتَكَرَّس. الصَّمْتُ شَرْطُ وِلادَةِ الجَديد. وَمِنْ ثَمَّ فَإِنَّ انْحِسارَهُ لا يُفْضي إلى أَزْمَةٍ دينِيَّةٍ فَحَسْب، بَل يُفْضي إلى أَزْمَةٍ روحِيَّةٍ تَتَمَثَّلُ في أَزْمَةِ الفِكْرِ وَأَزْمَةِ الشِّعْر.
(خاص "عروبة 22")

