مراجعات

تَفْكيكُ الأُسْطورَةِ المُؤَسِّسَة: قِراءَةٌ سِياسِيَّةٌ في كِتابِ "داوُدَ وَسُلَيْمان"!

يُعَدُّ كِتابُ "داوُدَ وَسُلَيْمان: بَحْثًا عَنِ المُلوكِ المُقَدَّسينَ وَجُذورِ التُّراثِ الغَرْبِيّ" (David and Solomon: In Search of the Holy Kings and the Roots of the Western Tradition) مَحَطَّةً مَرْكَزِيَّةً في الدِّراساتِ التَّوْراتِيَّةِ الحَديثَة، وَهُوَ العَمَلُ الذي أَنْجَزَهُ عالِما الآثارِ الإِسْرائِيلِيّانِ إِسْرائيل فينْكِلشْتايْن (Israel Finkelstein) وَنيل آشِرْ سيلبِرْمان (Neil Asher Silberman).

تَفْكيكُ الأُسْطورَةِ المُؤَسِّسَة: قِراءَةٌ سِياسِيَّةٌ في كِتابِ

أَثَارَ الكِتابُ مُنْذُ صُدورِهِ نِقاشًا واسِعًا حَوْلَ طَبيعَةِ العَلاقَةِ بَيْنَ الرِّوايَةِ التَّوْراتِيَّةِ والنَّتائِجِ الأَثَرِيَّةِ المُتَراكِمَةِ خِلالَ العُقودِ الأَخيرَةِ في فِلَسْطينِ التّاريخِيَّة.

يَنْطَلِقُ المُؤَلِّفانِ مِنْ سُؤالٍ مَنْهَجِيٍّ حاسِم: كَيْفَ يُمْكِنُ قِراءَةُ النُّصوصِ الدّينِيَّةِ المُؤَسِّسَةِ في ضَوْءِ الحَفْرِيّاتِ والأَدِلَّةِ المادِّيَّة؟.

هَذا السُّؤالُ يُوَجِّهُ مُقارَبَتَهُما لِشَخْصِيَّتَيْ داوُدَ وَسُلَيْمان، اللَّتَيْنِ تَحْتَلّانِ مَوْقِعًا مِحْوَرِيًّا في السَّرْدِيَّةِ التَّوْراتِيَّةِ بِاعْتِبارِهِما رَمْزَيْ "العَصْرِ الذَّهَبِيِّ" لِلمَمْلَكَةِ المُوَحَّدَة.

يطرح الكتاب تصوّرًا مُتماسكًا حول زمن كتابة السردية التوراتية

وَيَعْتَمِدُ العَمَلُ على أَرْشيفٍ واسِعٍ مِنَ التَّنْقيباتِ الأَثَرِيَّةِ في القُدْسِ والمُرْتَفَعاتِ الوُسْطى وَمَواقِعَ شَمالِيَّةٍ وَجَنوبِيَّة، مَعَ تَحْليلِ طَبَقاتِ الاسْتِيطانِ وَأَنماطِ العُمْرانِ والتَّحْصينات.

حَجْمُ المَمْلَكَة... بَيْنَ السَّرْدِ الإِمْبَراطورِيِّ والواقِعِ الأَثَرِيّ

أولى القَضايا التي يَتَوَقَّفُ عِنْدَها الكِتابُ تَتَّصِلُ بِحَجْمِ الكِيانِ السِّياسِيِّ المَنْسوبِ إلى داوُدَ وَسُلَيْمانَ في القَرْنِ العاشِرِ قَبْلَ الميلاد. السَّرْدِيَّةُ التَّوْراتِيَّةُ تَتَحَدَّثُ عَنْ مَمْلَكَةٍ مُمْتَدَّةٍ ذاتِ نُفوذٍ واسِع، إِلّا أَنَّ القِراءَةَ الأَرْكِيولوجِيَّةَ التي يُقَدِّمُها المُؤَلِّفانِ تَقودُ إلى تَصَوُّرٍ مُخْتَلِفٍ لِحَجْمِ السُّلْطَةِ المَرْكَزِيَّةِ في تِلْكَ المَرْحَلَة. فالمُعْطَياتُ المادِّيَّةُ المُتاحَةُ مِنْ ذَلِكَ القَرْنِ لا تُشيرُ إلى وُجودِ بُنْيَةٍ إِمْبَراطورِيَّةٍ كُبْرى ذاتِ شَبَكَةٍ إِدارِيَّةٍ مُعَقَّدَةٍ وَمُنْشَآتٍ مِعْمارِيَّةٍ ضَخْمَةٍ على النَّحْوِ الذي تَصِفُهُ النُّصوص. هَذا التَّبايُنُ بَيْنَ النَّصِّ والأَدِلَّةِ المادِّيَّةِ يُشَكِّلُ مِحْوَرًا تَحْليلِيًّا أَساسِيًّا في الكِتاب.

القُدْسُ في القَرْنِ العاشِرِ قَبْلَ الميلاد... إِعادَةُ تَعْريفِ العاصِمَة

في سِياقٍ مُتَّصِل، تَتَناوَلُ الدِّراسَةُ صورَةَ القُدْسِ في زَمَنِ داوُدَ وَسُلَيْمان. تُقَدِّمُ الحَفْرِيّاتُ في مِنْطَقَةِ "مَدينَةِ داوُد" والمَناطِقِ المُجاوِرَةِ صورَةً لِتَجَمُّعٍ سُكّانِيٍّ مَحْدودٍ نِسْبِيًّا، بِطابِعٍ قَبَلِيٍّ وَجَبَلِيّ. هَذِهِ القِراءَةُ تَضَعُ المَدينَةَ ضِمْنَ إِطارِ مَرْكَزٍ مَحَلِّيٍّ ناشِئ، أَكْثَرَ مِنْ كَوْنِها عاصِمَةً مُتَرامِيَةَ الأَطْرافِ ذاتَ قُصورٍ فَخْمَةٍ وَأَسْوارٍ هائِلَة.

مِنْ خِلالِ تَحْليلِ طَبَقاتِ البِناءِ والتَّسَلْسُلِ الزَّمَنِيِّ لِلفَخّارِ والمُنْشَآتِ الدِّفاعِيَّة، يَرْسُمُ المُؤَلِّفانِ مَلامِحَ مَدينَةٍ صَغيرَةٍ أَخَذَتْ تَنْمو تَدْريجِيًّا عَبْرَ القُرونِ اللّاحِقَة.

مِنَ القائِدِ القَبَلِيِّ إلى المَلِكِ النَّموذَج

أَمّا على مُسْتَوى الشَّخْصِيّاتِ التّاريخِيَّة، فَيُعيدُ الكِتابُ صِياغَةَ صورَةِ داوُدَ في ضَوْءِ المُعْطَياتِ المُتاحَة. يُقَدَّمُ داوُدُ قائِدًا مَحَلِّيًّا تَمَكَّنَ مِنْ بَسْطِ نُفوذِهِ على المُرْتَفَعاتِ وَتَأْسيسِ نُواةِ كِيانٍ سِياسِيّ، في بِيئَةٍ إِقْليمِيَّةٍ مُضْطَرِبَة.

هَذِهِ القِراءَةُ تُخْرِجُ الشَّخْصِيَّةَ مِنْ إِطارِ المَلِكِ الإِمْبَراطورِيِّ ذي السُّلْطَةِ العابِرَةِ لِلأَقاليم، وَتَضَعُها في سِياقِ زَعامَةٍ قَبَلِيَّةٍ تَطَوَّرَتْ لاحِقًا في الذّاكِرَةِ الدّينِيَّةِ إلى نَموذَجٍ مَلَكِيٍّ مِثَالِيّ.

سُلَيْمانُ وَبِناءُ الذّاكِرَةِ المَلَكِيَّة

سُلَيْمان، مِنْ جانِبِه، يُظَهَّرُ في الكِتابِ بِاعْتِبارِهِ شَخْصِيَّةً ارْتَبَطَتْ في المِخْيالِ التَّوْراتِيِّ بِصورَةِ الثَّرْوَةِ الفائِقَةِ والحِكْمَةِ العالَمِيَّةِ والعَلاقاتِ الدَّوْلِيَّةِ الواسِعَة. يُعالِجُ المُؤَلِّفانِ هَذِهِ الصّورَةَ عَبْرَ تَحْليلٍ نَقْدِيٍّ لِلنُّصوص، وَيَرْبِطانِ تَضْخيمَها بِمَراحِلِ تَدْوينٍ لاحِقَة.

في هَذا الإِطار، تُفْهَمُ قِصَصُ القُصورِ العَظيمَةِ والمَشارِيعِ العُمْرانِيَّةِ الكُبْرى ضِمْنَ عَمَلِيَّةٍ أَدَبِيَّةٍ وَتاريخِيَّةٍ هَدَفَتْ إلى إِنْتاجِ نَموذَجٍ مَلَكِيٍّ مُكْتَمِلِ الصِّفات، يَسْتَجيبُ لِحاجاتٍ سِياسِيَّةٍ وَدينِيَّةٍ في زَمَنٍ مُخْتَلِفٍ عَنْ زَمَنِ الأَحْداثِ المُفْتَرَضَة.

لَحْظَةُ التَّدْوين... حينَ يُعادُ تَشْكيلُ الماضي

يَطْرَحُ الكِتابُ تَصَوُّرًا مُتَماسِكًا حَوْلَ زَمَنِ كِتابَةِ السَّرْدِيَّةِ التَّوْراتِيَّةِ الخاصَّةِ بِداوُدَ وَسُلَيْمان. وِفْقًا لِهَذِهِ الرُّؤْيَة، فَإِنَّ القِسْمَ الأَكْبَرَ مِنْ هَذِهِ الرِّواياتِ دُوِّنَ أَوْ أُعيدَ تَحْريرُهُ في القَرْنِ السّابِعِ قَبْلَ الميلاد، خِلالَ مَرْحَلَةِ صُعودِ مَمْلَكَةِ يَهوذا في الجَنوب، خاصَّةً في سِياقِ الإِصْلاحاتِ الدّينِيَّةِ والسِّياسِيَّةِ المَنْسوبَةِ إلى المَلِكِ يوشِيا.

في هَذا المُناخ، أَصْبَحَتِ الحاجَةُ مُلِحَّةً إلى بِناءِ ذاكِرَةٍ تاريخِيَّةٍ جامِعَة، تَمْنَحُ الشَّرْعِيَّةَ لِمَشْروعٍ سِياسِيٍّ يَسْعى إلى تَوْحيدِ الأَرْضِ والعِبادَةِ تَحْتَ سُلطَةٍ مَرْكَزِيَّةٍ واحِدَة. ضِمْنَ هَذا المَنْظور، تَتَحَوَّلُ قِصَّةُ المَمْلَكَةِ المُوَحَّدَةِ إلى عُنْصُرٍ تَأْسيسِيٍّ في صِناعَةِ الهُوِيَّةِ الوَطَنِيَّة.

السَّرْدِيَّةُ تُقَدِّمُ ماضِيًا مَجيدًا يُسْتَدْعى لِتَثْبيتِ الحاضِرِ وَتَوْجيهِه. داوُدُ يُصْبِحُ المِثالَ الأَعْلى لِلمَلِكِ الذي يُوَحِّدُ القَبائِل، وَسُلَيْمانُ يُجَسِّدُ صورَةَ الحاكِمِ الحَكيمِ الذي يُشَيِّدُ الهَيْكَلَ وَيُقيمُ عِلاقاتٍ مَعَ القُوى الإِقْليمِيَّة. هَذِهِ النَّماذِجُ تُؤَدّي وَظيفَةً مِعْيارِيَّة، تُسْهِمُ في رَسْمِ صورَةِ المَلِكِ المِثالِيِّ الذي يُفْتَرَضُ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ حُكّامُ المَرْحَلَةِ اللّاحِقَة.

الأُسْطورَةُ والهُوِيَّة... مِنَ التّاريخِ إلى الشَّرْعِيَّة

أَهَمِّيَّةُ الكِتابِ تَتَجاوَزُ حُدودَ الجَدَلِ حَوْلَ تَفاصيلِ القَرْنِ العاشِرِ قَبْلَ الميلاد. العَمَلُ يُقَدِّمُ نَموذَجًا مَنْهَجِيًّا لِلتَّعامُلِ مَعَ النُّصوصِ المُقَدَّسَةِ بِاعْتِبارِها وَثائِقَ تاريخِيَّةً وَأَدَبِيَّةً تَشَكَّلَتْ عَبْرَ طَبَقاتٍ زَمَنِيَّةٍ مُتَعَدِّدَة. لا يَنْفي المُؤَلِّفانِ وُجودَ داوُدَ وَسُلَيْمانَ كَشَخْصِيَّتَيْنِ تارِيخِيَّتَيْنِ مُحْتَمَلَتَيْن، وَإِنَّما يُعيدانِ تَحْديدَ نِطاقِ تَأْثيرِهِما وَحَجْمِ كِيانِهِما السِّياسِيِّ في ضَوْءِ الأَدِلَّةِ المُتاحَة. هَذا التَّحَوُّلُ في القِراءَةِ يَفْتَحُ أُفُقًا أَوْسَعَ لِفَهْمِ كَيْفيةِ تَشَكُّلِ الأَساطيرِ المُؤَسِّسَةِ لِلتُّراثِ الغَرْبِيِّ والدِّياناتِ الإِبْراهيمِيَّة.

محاولة جادة لإعادة كتابة تاريخ المنطقة انطلاقًا من معطيات الحفريات ومن وعي نقدي بطبيعة السرديات الكبرى

في ضَوْءِ ذَلِك، يَغْدو الكِتابُ مُساهَمَةً مِحْوَرِيَّةً في دِراساتِ التّارِيخِ القَديمِ لِلشَّرْقِ الأَدْنى. إِنَّهُ يَدْعو إلى قِراءَةٍ مُتَوازِنَةٍ تُنْصِتُ إلى النَّصِّ وَتَفْحَصُ الأَرْضَ في آنٍ واحِد، وَتُدْرِكُ أَنَّ الذّاكِرَةَ الجَماعِيَّةَ تَتَكَوَّنُ عَبْرَ تَفاعُلٍ مُعَقَّدٍ بَيْنَ الواقِعِ المادِّيِّ والتَّأْويلِ الدّينِيِّ والسِّياسِيّ. وَبِهَذا المَعْنى، يُمَثِّلُ هَذا العَمَلُ مُحاوَلَةً جادَّةً لِإِعادَةِ كِتابَةِ فَصْلٍ مُبَكِّرٍ مِنْ تارِيخِ المِنْطَقَة، انْطِلاقًا مِنْ مُعْطَياتِ الحَفْرِيّات، وَمِنْ وَعْيٍ نَقْدِيٍّ بِطَبيعَةِ السَّرْدِيّاتِ الكُبْرى التي صاغَتِ الوَعْيَ الدّينِيَّ والثَّقافِيَّ في العالَمِ الغَرْبِي.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن