حَرِصْنا بِدايَةً على تَأّمُّلِ تِلْكَ المُقارَباتِ مُنْذُ انْطِلاقِ طوفانِ الأَقْصى، وَمَوْجاتِ الحَرْبِ المُتَعاقِبَةِ التي تَفَجَّرَتْ بَعْدَها وَحَتّى اليَوْم، أَيْ على مَدى أَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ وَنِصْف. وَعَلَيْهِ رَصَدْنا أَرْبَعَةَ أَنْواعٍ مِنَ المُقارَباتِ التَّحْليلِيَّة، وَذَلِكَ كَما يَلي:
أَوَّلًا: المُقارَبَةُ المَعْلوماتِيَّةُ المَحْض؛ وَأَقْصِدُ بِها المُقارَبَةَ التي تَضُخُّ قَدْرًا كَبيرًا مِنَ المَعْلوماتِ المُتَنَوِّعَةِ مِنَ السَّيْلِ المَعْلوماتِيِّ الذي تُوَفِّرُهُ التِّقْنِيّاتُ الرَّقْمِيَّةُ المُخْتَلِفَة. وَمِنْ ثَمَّ تُحدِثُ، بِقَصْدٍ أَوْ بِغَيْرِ قَصْد، إِغْراقَ المُتَلَقّي في "تْسونامِي" مَعْلوماتِيٍّ لا يَخْضَعُ لِضَبْطٍ مَنْهَجِيٍّ أَوْ تَفْسيرِيٍّ يُسْهِمُ في تَنْظيمِ المَعْلوماتِ والإِحْصائِيّاتِ والخَرائِطِ والأَشْكالِ التي تَنْقُلُ المُتابِعَ مِنْ كَوْنِهِ مُسْتَهْلِكًا لِلمَعْلوماتِ إلى مُتَفاعِلٍ مَعَها بِالفَهْمِ والإِدْراكِ واتِّخاذِ مَوْقِفٍ حِيالَها.
العقل العربي الراهن يلجأ إلى "الاختزالات الذهنية السريعة" على حساب "الأطروحات المعرفية والعقلية العميقة"
ثانِيًا: المُقارَبَةُ التَّحْليلِيَّةُ اللَّحْظِيَّة؛ تَتَعاطى هَذِهِ المُقارَبَةُ مع الأَحْداثِ والمَواقِفِ وَأَطْرافِها وَكَأَنَّها مُنْبَتَّةُ الصِّلَةِ بِما قَبْلَها مِنْ جِهَة، كَذَلِكَ مِنْ دونِ تَوَقُّعِ النَّتائِجِ المُتَرَتِّبَةِ عَلَيْها مِنْ جِهَةٍ أُخْرى. وَهِيَ حالَةٌ يَصِفُها البَعْضُ بِالتَّحْليلاتِ "سَريعَةِ الصَّلاحِيَّةِ" التي تُنْسى بِمُجَرَّدِ حُدوثِ حَدَثٍ جَديدٍ أَوِ اتِّخاذِ مَوْقِفٍ مُغايِرٍ مِنْ قِبَلِ الأَطْرافِ المُخْتَلِفين. ما يُصَعِّبُ، وَرُبَّما يَسْتَحيلُ، على المُتابِعِ أَنْ يَرْبِطَ بَيْنَ الأَحْداثِ والمَواقِفِ على الرَّغْمِ مِنَ الِارْتِباطِ الوَثيقِ بَيْنَها، إِذْ إِنَّ الحَدَثَ والمَوْقِفَ هُما مُجَرَّدُ "خَبَرٍ عاجِل".
ثالِثًا: المُقارَبَةُ التَّحْليلِيَّةُ المَصْلَحِيَّة؛ تَفْرِضُ هَذِهِ المُقارَبَةُ على صاحِبِها أَنْ يَكونَ مُدافِعًا (Apologist) عَنْ وِجْهَةِ نَظَرِهِ - بِالمُطْلَق - والتَّحَيُّزَ لِوِجْهَةِ نَظَرِ الفَريقِ المَحْسوبِ عَلَيْهِ والذي يُواليه: تَيّار، حِزْب، جَماعَة، طائِفَة، دَوْلَة... إِلخ، مَهْما كانت تشيرً حَقائِقُ الحَدَث، أَوِ المَوْقِفِ مَوْضوعُ التَّحْليل، إلى حَقائِقَ مُغايِرَة. لِذا يَجْتَهِدُ المُحَلِّلُ بِالتَّحايُلِ على الحَقائِق، وَإِعادَةِ تَوْظيفِ المَعْلوماتِ بِما يَتَناسَبُ مع مَصْلَحَةِ فَريقِه. وَفي الأَخير، تَكونُ المُقارَبَةُ فاسِدَة.
رابِعًا: المُقارَبَةُ التَّحْليلِيَّةُ الِاسْتِشْرافِيَّة؛ وَنَقْصِدُ بِها المُقارَبَةَ التي تَكونُ أَزْمِنَةُ الحَدَثِ/المَوْقِفِ الثَّلاثَةُ حاضِرَة: الماضي، الحاضِر، المُسْتَقْبَل؛ لَدى المُحَلِّل. كَما تَتَوَفَّرُ فيها القُدْرَةُ على الرَّبْطِ بَيْنَ أَبْعادِ وَمُسْتَوَياتِ الحَدَثِ/المَوْقِف، ما يُمَكِّنُ مِنْ إِبْداعِ مُقارَبَةٍ صَحيحَةٍ وَمَوْضوعِيَّة، قَدْرَ الإِمْكان، شامِلَةٍ وَمُرَكَّبَة، تُفَسِّرُ الحاضِرَ في ضَوْءِ اسْتِدْعاءِ التّاريخ (المَسارِ الذي أَدّى إلى الحاضِر)، واسْتِشْرافِ المُسْتَقْبَل (مَساراتِ المُسْتَقْبَلِ المُتَوَقَّعَة) في ضَوْءِ سينارْيُواتٍ مُحْكَمَة.
الوفرة المعلوماتية تؤدي إلى "ضجيج معرفي" يُشوّش على إدراك المواطنين
مُلاحَظَتانِ رَئِيسِيَّتانِ يَحْمِلُهُما الرَّصْدُ التَّصْنيفِيُّ السّابِقُ لِلمُقارَباتِ التَّحْليلِيَّةِ لِلأَحْداثِ والمَواقِفِ المُحْتَدِمَةِ في الإِقْليمِ والعالَم:
المُلاحَظَةُ الأولى: غَلَبَةُ المُقارَباتِ التَّحْليلِيَّةِ الثَّلاث: المَعْلوماتِيَّةِ المَحْض، واللَّحْظِيَّة، والمَصْلَحِيَّة، والنُّدْرَة - النِّسْبِيَّة - لِلمُقارَبَةِ الِاسْتِشْرافِيَّة. ما يَعْكِسُ - لا أُبالِغُ إِنْ قُلْتُ - أَزْمَةَ العَقْلِ العَرَبِيِّ الرّاهِن. فالمُقارَباتُ تَعْكِسُ، إِجْمالًا، كَيْفَ أَنَّ العَقْلَ العَرَبِيَّ الرّاهِنَ لَمْ يَعُدْ يُعْنى كَثيرًا بِالِاسْتِجابَةِ لِلتَّعْقيدِ الذي يَعيشُهُ عالَمُ/إِقْليمُ اليَوْم، بِقَدْرِ ما يَلْجَأُ لِما يُسَمّى "بِالِاخْتِزالاتِ الذِّهْنِيَّةِ السَّريعَةِ" على حِسابِ "الأَطْروحاتِ المَعْرِفِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ العَميقَة". وَيُؤَشِّرُ ذَلِكَ إلى ما آلَ إِلَيْهِ العَقْلُ العَرَبِيُّ مَعْرِفِيًّا وَعَقْلِيًّا وَمَنْهَجِيًّا. فَطُرُقُ تَناوُلِ الأَحْداثِ والمَواقِفِ وَتَقْييمِ الأَطْرافِ الفاعِلَةِ فيها لا تَكْشِفُ فَقَطْ عَنْ مُسْتَوى المَعْرِفَة، بَل تُوَضِّحُ كَيْفَ يُفَكِّرُ العَقْلُ العَرَبِيّ؟ وَما هِيَ طَبيعَةُ العَمَلِيّاتِ الذِّهْنِيَّةِ التي تَحْكُمُ المُقارَباتِ التَّحْليلِيَّة؟.
المُلاحَظَةُ الثّانِيَة: اسْتِسْلامُ العَقْلِ العَرَبِيِّ - بِدَرَجَةٍ أَوْ بِأُخْرى، وَلِسَبَبٍ أَوْ لِآخَرَ - لِأَنْماطٍ مِنَ التَّفْكيرِ لا تُنْتِجُ إِلّا تَحْليلاتٍ مُبْتَسَرَةً وَشائِهَةً تَتَراوَحُ ما بَيْن: الِاخْتِصارات (Heuristics) المَعْلوماتِيَّة (المُقارَبَةِ المَعْلوماتِيَّةِ المَحْض) والتَّبْسيطِيَّة (المُقارَبَةِ التَّحْليلِيَّةِ اللَّحْظِيَّة)، والتَّحَيُّزَات (Biases - المُقارَبَةِ التَّحْليلِيَّةِ المَصْلَحِيَّة)، وَفي المُقابِلِ، تَتَجاهَلُ، تُنْكِرُ، قيمَةَ الِاسْتِشْراف. الأَمْرُ الذي يَدْفَعُنا إلى البَحْثِ عَنِ السِّياقِ المُجْتَمَعِيّ (Societal Context) الذي أَوْصَلَنا إلى هَذا الِاسْتِسْلام.
تجديد البنى المعنية بتشكيل الوعي يُسهم في بلورة عقل استشرافي وتركيبي وموضوعي وتحليلي وإدراكي
إِنَّ تَراجُعَ المُقارَبَةِ التَّحْليلِيَّةِ الِاسْتِشْرافِيَّةِ مِنْ جانِب، واسْتِسْلامَ العَقْلِ العَرَبِيِّ لِلِاخْتِصار، والتَّبْسيط، والِانْحِيازِ مِنْ جانِبٍ آخَر، يُوَجِّهُ إِصْبَعَ الِاتِّهامِ إلى تَقاعُسِ البُنى المَنوطِ بِها بَلْوَرَةُ الوَعْيِ وَإِخْفاقِها في تَشْكيلِ البُنْيَةِ العَقْلِيَّةِ "البُرْهانِيَّة"؛ إِذا ما اسْتَعَرْنا تَعْبيرَ المُفَكِّرِ الرّاحِلِ "محمد عابِد الجابري". وَيَفْتَحُ بابَ النِّقاشِ على مِصْراعَيْهِ حَوْلَ مُراجَعَةِ السِّياقِ المُجْتَمَعِيِّ العَرَبِيِّ وَما يَشوبُهُ مِنِ اخْتِلالاتٍ فادِحَةٍ تُؤَثِّرُ سَلبًا على عَقْلِهِ فيما يَتَعَلَّق: بِالبنْيَةِ المَعْرِفِيَّةِ وَكَيْفَ تَتَشَكَّلُ وَما مَصادِرُها وَتَراكُمُها، وَكَيْفَ تَتَحَرَّرُ المَعْرِفَةُ لِضَمانِ اسْتِقْلالِها وَمَوْضوعِيَّتِها قَدْرَ الإِمْكان، بِمَعْنًى آخَرَ مُراجَعَةِ العَلاقَةِ الرّاهِنَةِ بَيْنَ المَعْرِفَةِ والسُّلْطَةِ بِحَسَبِ "فوكو". والِانْتِباهُ إلى أَنَّ هُناكَ فَرْقًا بَيْنَ المَعْلومَةِ والمَعْرِفَةِ والتَّعَقُّل، إِذْ إِنَّ الوَفْرَةَ المَعْلوماتِيَّةَ تُؤَدّي إلى "ضَجيجٍ مَعْرِفِيٍّ" يُشَوِّشُ على إِدْراكِ المُواطِنينَ/الجُمْهور. كَما أَنَّ غِيابَ التَّعَقُّل، أَوْ بِمَعْنًى أَدَقَّ تَغْييبَه، يَفْتَحُ المَجالَ أَمامَ الفَهْلَوَة، والِانْطِباعِيَّة، والتَّزْييف، والتَّوَهُّمِ المَعْرِفِيّ، والتَّحَيُّزِ المَعْرِفِيّ... إِلخ، أَوْ ما باتَ يُعْرَفُ بِثَقافَةِ وَإِعْلامِ "ما بَعْدَ الحَقيقَةِPost-Truth " (عَرَّفْنا القارِئَ العَرَبِيَّ بِهَذا المُصْطَلَحِ مُبَكِّرًا في 2017) حَيْثُ العَجَلَةُ والتَّسْطيحُ والخِداع.
وًبَعْدُ، هُناكَ ضَرورَةٌ قُصْوى لِلتَّصَدّي لِأَنْماطِ التَّفْكيرِ الغالِبَةِ التي تُؤَدّي إلى عَقْلٍ عَرَبِيٍّ اخْتِزالِيٍّ وَتَبْسيطِيٍّ وانْحِيازِيّ. وَلَنْ يَتَأَتّى هَذا إِلّا إِذا جَدَّدْنا البُنى المَعْنِيَّةَ بِتَشْكيلِ الوَعْيِ الذي يُسْهِمُ في بَلْوَرَةِ عَقْلٍ اسْتِشْرافِيٍّ وَتَرْكيبِيٍّ وَمَوْضوعِيٍّ وَتَحْليلِيٍّ وَإِدْراكِيٍّ تَراكُمِيٍّ لِلتّارِيخِ بِأَبْعادِهِ الثَّلاثَة، في عالَمٍ يَتَّسِمُ بِالِاضْطِرابِ والتَّعْقيدِ وَعَدَمِ اليَقين. إِنَّ مُهِمَّةَ التَّجْديدِ لَيْسَتْ رَفاهِيَّةً، بَل مُهِمَّةٌ تاريخِيَّةٌ واسْتراتيجِيَّةٌ وَمَصيرِيَّة.
(خاص "عروبة 22")

