أصبحت الحرب في مرحلة الذروة. أما متى تتوقف أو تنتهي، وهل تفضي إلى مفاوضات قريباً، فهذه مجرد توقّعات رأى العالم كيف أنها تتغير من يوم إلى آخر. يرفض الرئيس الأميركي وقف إطلاق النار لكنه لا يمانع مفاوضات تحت القصف، بدليل أنه مهتمٌّ بـ"الرسائل" التي تنقلها دولٌ وسيطة بينه وبين طهران. تشترط إيران للتفاوض أن تتوقف الهجمات عليها أولاً، وأن يكون هناك "تعهّد" مسبق بعدم استئنافها وبدفع "تعويضات" عن خسائرها.
وتأمل إسرائيل أن تستمر الحرب حتى تحقيق "أهدافها" التي تولّى "مجتمع الاستخبارات الأميركي"، قبل أيام، الترويج بأنها "مختلفة عن الأهداف الأميركية"، كونها تسعى إلى "تغيير النظام". فهل دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو مختلفان - فعلاً - على هذا الهدف؟ أم أنهما يكرّران تمثيليات "الخلاف" (المتفق عليه بينهما)، كما حصل في ادعاء ترامب أنه "فوجئ" بقصف إسرائيل حقل بارس للغاز الإيراني، ثم في إعلانه أن نتنياهو استجاب لطلبه بعدم استهداف البنى التحتية للطاقة الإيرانية.
عشية هذه الواقعة أشهر ترامب غضباً مستطيراً واستعداداً لقطيعة تاريخية مع دول حلف شمال الأطلسي ودول أخرى، بعدما رفضت طلبه إرسال سفن حربية لحماية ناقلات النفط والإمدادات التجارية لدى مرورها في مضيق هرمز. كان ترامب ولا يزال يسعى إلى اجتذاب هذه الدول إلى حربه، كي يتمكّن من "كسر" قرار إيران إغلاق مضيق هرمز والتسبّب بأزمة الطاقة. لكن الدول تمنّعت، فهي لم تُستشر أصلاً في شأن هذه الحرب، ولم يكن هناك تنسيق مسبق معها، ولم تتقبّل تكرار تجربة الذهاب إلى حرب العراق بمعزل عن الأمم المتحدة. لذا جاء توقيت القصف الإسرائيلي لحقل بارس بمثابة تصعيد متعمّد لأزمة الطاقة، ثم جاء الردّ الإيراني جنونياً باستهدافه حقول غاز يتقاسمها مع قطر.
بعد هذه التطورات أعلنت الدول المتمنّعة استعداداً للمساهمة في تأمين الملاحة في مضيق هرمز، شرط أن يتّسق مع قرار مجلس الأمن 2817، وأن يكون هناك "وقف شامل وفوري للهجمات على البنية التحتية المدنية، بما في ذلك منشآت النفط والغاز". أي أنها بدت مستجيبة لضغوط ترامب (ونتنياهو) لكن بشروطها، وليس واضحاً ما إذا كان موقفها سيغيّر واقع أزمة الطاقة التي أجبرت ترامب وفريقه على درس سيناريوات إنهاء الحرب، لكن دائماً بموازاة سيناريوات دفع التصعيد إلى أقصاه كما في احتمال احتلال جزيرة خرج "في أي وقت"، وفقاً لتوصية ليندسي غراهام الذي قال إن مَن يسيطر على هذه الجزيرة "يسيطر على مصير الحرب". وتبدو مهلة الـ48 ساعة التي حددها ترامب لإيران كي تفتح مضيق هرمز هي الإنذار الأخير قبل بدء السيطرة على الجزيرة. وقد ردّ الجيش الإيراني بأنه "سيستهدف كل البنى التحتية للطاقة وتكنولوجيا المعلومات وتحلية المياه التابعة للولايات المتحدة" في المنطقة.
هذا الاستهداف يقصد طبعاً دول الخليج التي أكدت بصيغ عدة عزمها على رفع مستوى ردّها على الهجمات الإيرانية، وكان أكثرها وضوحاً ما أعلنه وزير الخارجية السعودي عن "حق المملكة في الردّ العسكري" مع "تفضيلها الحلول الديبلوماسية، شرط الوقف الفوري للهجمات الإيرانية". وفيما عكس غضب دول الخليج إدراكاً بأن المعادلة الأمنية قبل استهداف منشآت النفط لم تعد كافية، فإن واشنطن اعتمدت "الدفاع عن الحلفاء في المنطقة" هدفاً خامساً للحرب على إيران، إذ أدخلت على المقترحات المتداولة حالياً لأي اتفاق تفاوضي فكرة "توقيع إيران مع دول المنطقة معاهدات للحد من التسلّح تتضمن سقفاً للصواريخ لا يتجاوز ألف صاروخ".
افتتح الإنذار الترامبي الجديد بداية الأسبوع الرابع للحرب، فيما عاودت إسرائيل قصف منشأة نطنز للتذكير بأن الملف النووي لا يزال أساسياً، وردّت إيران بقصف ديمونة وعراد (حيث المنشآت النووية الإسرائيلية) للتذكير بأن ملفها الصاروخي لا تزال فيه مفاجآت.
وبالتزامن مع هذا التصعيد كُشفت الشروط الأميركية الستة للمفاوضات (وقف البرنامج الصاروخي لمدة خمس سنوات، تفكيك المفاعلات النووية الثلاثة ووقف نهائي لتخصيب اليورانيوم، رقابة صارمة على البرنامج النووي، معاهدات مع دول المنطقة، ووقف تمويل الوكلاء...). هذه الشروط كفيلة بتكرار المفاوضات المصممة للفشل والتمهيد للحرب، لكن الشروط المسبقة تبدو أيضاً صعبة، فرغم أن واشنطن تعطي أولوية لفتح مضيق هرمز كشرط لقبول التفاوض، لا تزال ترفض التعامل مع شرطَيْ طهران وقف الهجمات وتعهّد عدم استئنافها (قبل التفاوض). وإذ وصف ترامب المسألة بأنها "غير مقبولة"، وفقاً للتسريبات، فإن "مصادر إكسيوس" قالت إن "ما يسمّونه تعويضات نحن نسمّيه إعادة أموال مجمدة" وهذه يمكن التفاوض عليها.
وفي انتظار أن يساهم التصعيد في إنضاج التوجه إلى المفاوضات، يواصل ترامب التفاخر بأن "الحرب انتهت" وبأنه "حقق أهدافه"، ويتأكد أكثر فأكثر أن نتنياهو هو "الرابح الأكبر" في هذه الحرب، أما مجتبى خامنئي فأكد في رسالته بمناسبة عيد النوروز أن إيران وجّهت "ضربة قاصمة للعدو".
(النهار اللبنانية)

