تقدير موقف

النِّظامُ الإقليمِيُّ الخَليجِيُّ الذي نَعْرِفُ انْتَهى!

انْهارَ النِّظامُ الإِقْليمِيُّ الخَليجِيُّ الذي نَعْرِفُهُ مُنْذُ نِصْفِ قَرْن. تَجَمَّدَ المَجْلِسُ الذي أُنْشِئَ عامَ 1981 - فِعْلِيًّا وَعَمَلِيًّا وانْ لَمْ يَكُنْ رَسْمِيًّا - كَإِطارِ أَمْنٍ إِقْليمِيٍّ ضِمْنَ الاسْتراتِيجِيَّةِ الأَميرْكِيَّةِ وَلَحِقَ مَصيرُهُ بِمَصيرِ المَجالِسِ العَرَبِيَّةِ الفَرْعِيَّةِ التي انْتَهَتْ وَتَجَمَّدَتْ مِنْ دونِ قَرارِ حَلٍّ رَسْمِيٍّ مِثْلَ مَجْلِسِ التَّعاوُنِ المَغارِبِيِّ وَإِعْلانِ دِمَشْق. بِعِبارَةٍ أَوْضَحَ سَمَحَ حَدَثٌ مُزَلْزِلٌ مِثْلُ حَرْبِ إيرانَ الحالِيَّةِ بِانْفِجارِ الخِلافاتِ والصِّراعاتِ التي كانَتْ تَغْلي في مِرْجَلٍ طالَ إِحْكامُ غِطائِهِ سَنَوات.

النِّظامُ الإقليمِيُّ الخَليجِيُّ الذي نَعْرِفُ انْتَهى!

حَدَثَ الطَّلاقُ العَلَنِيُّ لِانْفِصالٍ سِرِّيٍّ في المَصالِحِ والمَطامِح، وَتَدَرَّجَتْ عَمَلِيَّةُ إِشْهارِهِ الجُزْئِيِّ عَبْرَ ثَلاثِ مَحَطّات: الأولى أَزْمَةُ عَزْلِ قَطَرَ 2017 - 2021. المَحَطَّةُ الثَّانِيَةُ قِيامُ سِلاحِ الجَوِّ السُّعودِيِّ بِقَصْفِ ميليشْياتٍ يَمَنِيَّةٍ تابِعَةٍ لِأَبو ظَبي في حَضْرَمَوْتَ والمَهْرَةِ وَدَفْعِ قُوّاتِ الإِماراتِ لِلِانْسِحابِ مِنَ اليَمَنِ في ديسَمْبِر/كانونِ الأَوَّلِ 2025. وَأَخيرًا جاءَتْ خُطْوَةُ الإِماراتِ بِالِانْسِحابِ مِنْ "أوبِك" وَ"أوبِك بْلَس" بِتَنْسيقٍ كامِلٍ مع الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ، وهو ما من شأنه الإِضْرارُ بِوَزْنِ السُّعودِيَّةِ الدَّوْلِيِّ وَنَزْعِ عَصا قِيادَةِ سوقِ النَّفْطِ العالَمِيَّةِ مِنَ الرِّياض.

قَدَّمَتِ الزَّلازِلُ الجِيوسِياسِيَّة، مُنْذُ قِيامِ الثَّوْرَةِ الإِسْلامِيَّةِ الإيرانِيَّةِ والحَرْبِ العِراقِيَّةِ - الإيرانِيَّةِ وَحُروبِ غَزْوِ ثُمَّ تَحْريرِ الكُوَيْتِ والرَّبيعِ العَرَبِيّ، البيئَةَ السِّياسِيَّةَ لِحالَةِ نُزولِ المَجْلِسِ مِنْ سَماواتِ الأَمَلِ في وَحْدَةٍ خَليجِيَّةٍ إلى أَرْضِ الصِّراعِ على القِيادَةِ السِّياسِيَّةِ والِاقْتِصادِيَّة.

لَكِنْ عامِلَيْنِ رَئِيسِيَّيْنِ مَثَّلَ تَفاعُلُهُما مع هَذِهِ الأَحْداثِ الكُبْرى المُحَرِّكاتِ النَّفّاثَةَ لِلِانْتِقالِ إلى بيئَةٍ صِراعِيَّة:

العامِلُ الأَوَّلُ هُوَ انْتِقالُ الحُكْمِ في غَيْرِ بَلَدٍ خَليجِيٍّ إلى نُخْبَةٍ جَديدَةٍ بَعْدَ رَحيلِ جيلِ آبائِهِمُ الذينَ كانوا على إِدْراكٍ أَكْبَرَ لِجُغْرافْيا وَتاريخِ المِنْطَقَةِ والحَساسِيّاتِ السِّياسِيَّةِ والقَبَلِيَّةِ والمَذْهَبِيَّة، وَعلى إِدْراكٍ أَكْبَرَ أَيْضًا لِضَرورَةِ الحِرْصِ على إِدارَةِ التَّنافُسِ مع الضَّفَّةِ الفارِسِيَّة. النُّخْبَةُ الجَديدَةُ بَدا بَعْضُها شَديدَ الطُّموحِ قَليلَ الحَساسِيَّةِ لِقَواعِدِ اللَّعِبِ المُسْتَقِرَّةِ بَيْنَ الجيران. هَذِهِ النُّخْبَةُ بِاسْمِ الحَداثَةِ كانَتْ تُعْطي اهْتِمامًا أَكْبَرَ لِلِاسْتِماعِ إلى الغَرْبِ أَكْثَرَ مِمّا تُعْطي اهْتِمامًا لِلحِكْمَةِ التي تَرَكَها الآباء. اعْتَبَرَتْ أَجْزاءٌ مِنْ هَذِهِ النُّخْبَةِ وَلَيْسَ كُلُّها أَنَّ الميزاتِ الجِيوسِياسِيَّةَ وَتاريخَ التَّأْثيرِ في المِنْطَقَةِ والحَجْمَ الدّيموغْرافِيَّ وَمَساحَةَ الدَّوْلَةِ لا تَصْمُدُ أَمامَ الوَفْرَةِ المالِيَّةِ والتِّكْنولوجْيا المُسْتَوْرَدَةِ والإِعْلامِ العابِرِ لِلْحُدودِ والطُّموحِ المُبالَغِ فيهِ لانْتِزاعِ دَوْرِ القِيادَةِ مِنْ دُوَلٍ عَريقَة.

مثّلَت "اتفاقات أبراهام" مشروعًا استراتيجيًا مُفارقًا لتاريخ الصراع العربي - الإسرائيلي

العامِلُ الثّاني مُرْتَبِطٌ أَشَدَّ الِارْتِباطِ بِاغْتِرابِ جُزْءٍ مِنَ النُّخْبَةِ الحاكِمَةِ الخَليجِيَّةِ الجَديدَة، وَهُوَ إِدْخالُها العامِلَ الخارِجِيَّ الغَرْبِيَّ بِفَداحَةٍ في شُؤونِ المِنْطَقَةِ لِيُصْبِحَ عُنْصُرًا رَئيسِيًّا فيما جَرى، مِنِ اسْتِبْدالِ البيئَةِ التَّقْليدِيَّةِ المُسْتَوْعِبَةِ لِلْمُشْتَرَكاتِ الخَليجِيَّةِ والنّازِعَةِ لِلتَّراضي والتَّسْوِياتِ الوَسَطِيَّةِ والْتِزامِ سُلوكِ التَّحَفُّظِ وَعَدَمِ التَّصْعيدِ وَتَفادي أُسْلوبِ المُغامَرَةِ والصَّدَمات، بِبيئَةٍ صِراعِيَّةٍ تُشْعِلُ المُنافَسَةَ وَتَسْعى لِتَغْييرِ مَوازينِ القُوى في الخَليجِ والجَزيرَةِ العَرَبِيَّةِ بِوَسائِلَ خَشِنَةٍ مُسْتَعينَةً بِالعامِلِ الأَجْنَبِيّ.

مَثَّلَ التَّوْقيعُ على "اتِّفاقاتِ أَبْراهام" المَنْظورَ الِاسْتراتيجِيَّ الأَخْطَرَ الذي يُلَخِّصُ وَيَدْمِجُ العامِلَيْنِ المَذْكورَيْنِ مَعًا. إِنَّ أَيَّ تَحْليلٍ "ماكْرو" لِلْمِنْطَقَةِ الخَليجِيَّةِ وَحَتّى العَرَبِيَّةِ كَكُلٍّ لا يَتَعامَلُ مع هَذِهِ الِاتِّفاقاتِ بِاعْتِبارِ أَنَّها مَثَّلَتْ مُتَغَيِّرًا اسْتراتيجِيًّا أَصْبَحَتِ المِنْطَقَةُ بَعْدَهُ لَيْسَ كَما كانَتْ قَبْلَه، يَفْقِدُ كَثيرًا مِنْ قُدْرَتِهِ على فَهْمِ حَدَثِ الطَّلاقِ الخَليجِيِّ الأَخير. بِعِبارَةٍ أُخْرى، مَثَّلَتْ "اتِّفاقاتُ أَبْراهام" مَشْروعًا اسْتراتيجِيًّا مُفارِقًا لِتاريخِ العَلاقاتِ الخَليجِيَّةِ والعَرَبِيَّةِ وَتاريخِ الصِّراعِ العَرَبِيِّ - الإِسْرائيلِيِّ حَتّى بِما فيهِ تاريخُ التَّنازُلاتِ الذي بَدَأَ بِاتِّفاقاتِ "كامْب ديفيد".

يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ يَتَكَشَّفُ أَنَّ هَذِهِ الِاتِّفاقاتِ تَتَجاوَزُ حَتّى كَوْنَها إِنْشاءً لِبُنْيَةِ أَمْنٍ إِقْليمِيٍّ جَديدَةٍ بَيْنَ إِسْرائيلَ و"الإِبْراهيمِيّينَ" العَرَبِ تَخْتَرِقُ الأَمْنَ القَوْمِيَّ العَرَبِيَّ لِتَصِلَ إلى مُسْتَوى الِانْضِمامِ الكامِلِ إلى الغَرْبِ وَإِسْرائيلَ والِانْسِلاخِ التّامِّ مِنَ الهُوِيَّةِ العَرَبِيَّةِ والخَليجِيَّةِ بِالمَعْنى الِاسْتراتيجِيِّ والحَضارِيّ.

الطُّموحُ لَدى بَعْضِ نُخْبَةِ حُكْمٍ جَديدَةٍ وَصَلَ إلى حَدِّ الِاعْتِقادِ الجازِمِ بِأَنَّ هَذِهِ هِيَ لَحْظَتُها في التّاريخِ لِتَوَلّي قِيادَةِ الخَليجِ والحُلولِ مَحَلَّ الدُّوَلِ الإِقْليمِيَّةِ الكُبْرى وَباتَ النَّموذَجُ المُلْهِمُ لِهَذِهِ النُّخْبَةِ هُوَ النَّموذَجُ القائِمُ على اسْتِخْدامِ العُنْفِ واسْتِخْدامِ الأَقَلِّياتِ وَدَعْمِ الميليشْياتِ والسَّيْطَرَةِ على المَوانِئِ والعُقَدِ المِلاحِيَّةِ والبَقاءِ في حالِ حَرْبٍ دائِمَةٍ مع مُحيطِه. والطَّريقُ إلى ذَلِكَ كانَ الِاصْطِفافَ التّامَّ مع أَميرْكا وَإِسْرائيلَ، وَهُوَ اصْطِفافٌ عَبَّرَ عَنْ نَفْسِهِ مع الأَخيرَةِ في مُسْتَوى تَحالُفٍ عَسْكَرِيٍّ غَيْرِ مَسْبوقٍ إِبّانَ الحَرْبِ الحالِيَّةِ مع إيران، أَمّا الِاصْطِفافُ مع واشِنْطُن فَكانَ قَرارَ الِانْسِحابِ مِنْ "أوبِك" وَ"أوبِك بْلَس" الذي مَثَّلَ طَوْقَ نَجاةٍ لِترامب مِنْ مَخاطِرِ الِارْتِفاعِ المُسْتَمِرِّ في أَسْعارِ النَّفْطِ الذي يُهَدِّدُ شَعْبِيَّتَهُ وَفُرَصَ حِزْبِهِ في الفَوْزِ في الِانْتِخاباتِ القادِمَة.

قد نشهد صيغًا للتعاون الأمني والسياسي تضمّ 3 أو 4 دول خليجية

إِذا كانَ النِّظامُ القَديمُ قَدْ تَوَقَّفَ فِعْلِيًّا فَإِنَّ صورَةَ النِّظامِ الإِقْليمِيِّ الخَليجِيِّ الجَديدِ الذي سَيَحُلُّ مَحَلَّهُ سَتُحَدِّدُها بِشَكْلٍ رَئيسِيٍّ نَتائِجُ وَتَسْوِيَةُ الحَرْبِ الحالِيَّةِ بَيْنَ إيرانَ وَكُلٍّ مِنَ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ وَإِسْرائيلَ بَعْدَ 28 فِبْرايِر/شُباطَ الماضي. سَتُتيحُ تَسْوِيَةٌ مُتَوازِنَةٌ الفُرَصَ لِنِظامٍ خَليجِيٍّ جُزْئِيٍّ مُتَحَفِّظٍ على "الِاتِّفاقاتِ الإِبْراهيمِيَّة" يَعْزلُ مَنْ وَضَعوا مَوْطِئَ قَدَمٍ لِإِسْرائِيلَ في قَلْبِ الخَليجِ وَيَحْرمُ نِتِنْياهو مِنْ إِعادَةِ تَشْكيلِ الشَّرْقِ الأَوْسَطِ بِطَريقَةٍ تُخْضِعُ الجَميعَ، العَرَبَ والفُرْسَ والأَتْراك، وَيَمْنَعُ وَضْعًا بِتَعْبيراتِ سْموتْرِيتْش تَكونُ إِسْرائيلُ فيه هِيَ القُوَّةَ الوَحيدَةَ المُهَيْمِنَةَ على المِنْطَقَة. وسََتَتَشجَّعُ دُوَلٌ أُخْرى في الخَليجِ على السَّيْرِ حَذْوَ سِياسَةٍ خارِجِيَّةٍ تَرْفُضُ القَواعِدَ الأَجْنَبِيَّةَ وَهَيْمَنَةً غَرْبِيَّةً على تَرْتيباتِ المِلاحَةِ والأَمْنِ الإِقْليمِيِّ وَهُنا قَدْ نَشْهَدُ صِيَغًا لِلتَّعاوُنِ الأَمْنِيِّ والسِّياسِيِّ تَضُمُّ 3 أَوْ 4 دُوَلٍ خَليجِيَّةٍ وَلَيْسَ الـ6.

عَزْلُ "الإِبْراهيمِيّينَ" سَيَسْمَحُ بِصِيَغٍ فَعّالَةٍ تَحْتَرِمُ السِّيادَةَ الوَطَنِيَّةَ الجُغْرافِيَّةَ وَخِبْراتِ تاريخِ الخَليجِ وَمُقْتَضَياتِ التَّعايُشِ مع الجيران. أما إِذا تَحَقَّقَ السّينارْيو العَكْسِيُّ لِلطَّريقَةِ التي تَنْتَهي بِها الحَرْبُ وَهِيَ انْتِصارٌ أَميرْكِيٌّ وَإِسْرائيلِيٌّ وَ"إِبْراهيمِيٌّ" ساحِق، وَهُوَ السّينارْيو الأَقَلُّ تَرْجيحًا، فَإِنَّ النِّظامَ الإِقْليمِيَّ الخَليجِيَّ سَيَكونُ - إِلّا ما رَحِمَ رَبّي - نِظامًا فَرْعِيًّا لِلشَّرْقِ الأَوْسَطِ الإِسْرائيلِيّ!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن