لَمْ تَعُدِ الضُّغوطُ المالِيَّةُ التي تواجِهُ الأُسَرَ في عَدَدٍ مِنَ البُلْدانِ العَرَبِيَّةِ ظاهِرَةً مُؤَقَّتَةً يُمْكِنُ تَفْسيرُها بِمَوْجَةِ تَضَخُّمٍ عابِرَة. في الكَثيرِ مِنَ الِاقْتِصاداتِ العَرَبِيَّةِ أَصْبَحَ التَّباعُدُ بَيْنَ الدَّخْلِ وَتَكْلِفَةِ المَعيشَةِ سِمَةً شِبْهَ دائِمَة. في الأَغْلَب، تَنْمو الأُجورُ بِبُطْء، أَوْ تَتَراجَعُ قيمَتُها الحَقيقِيَّةُ مَعَ ارْتِفاعِ الأَسْعار، بَيْنَما تَرْتَفِعُ تَكْلِفَةُ السِّلَعِ والخِدْماتِ الأَساسِيَّةِ بِوَتيرَةٍ أَسْرَع. وَيَظْهَرُ هَذا الخَلَلُ بِوُضوحٍ في أَرْبَعَةِ بُنودٍ رَئيسِيَّةٍ تُشَكِّلُ أَساسَ ميزانِيَّةِ الأُسْرَة: الغِذاء، والسَّكَن، والتَّعْليم، والصِّحَّة.
يَبْدَأُ الضَّغْطُ عادَةً مِنْ بَنْدِ الطَّعام. في عَدَدٍ مِنَ البُلْدانِ العَرَبِيَّةِ مُتَوَسِّطَةِ الدَّخْل، مِثْلَ جُمْهورِيَّةِ مِصْرَ العَرَبِيَّةِ والمَمْلَكَةِ المَغْرِبِيَّةِ والمَمْلَكَةِ الأُرْدُنِيَّةِ الهاشِمِيَّة، تُشيرُ دِراساتُ إِنْفاقِ الأُسَرِ إلى أَنَّ الغِذاءَ قَدْ يَسْتَهْلِكُ ما بَيْنَ 30 وَ40 في المِئَةِ مِنَ الميزانِيَّةِ المَنْزِلِيَّة. وَبِالمُقارَنَة، لا تَتَجاوَزُ هَذِهِ النِّسْبَةُ في الِاتِّحادِ الأوروبِّيِّ نَحْوَ 12 في المِئَة. هَذا الْفارِقُ يَجْعَلُ أَثَرَ تَضَخُّمِ الْغِذاءِ في المِنْطَقَةِ أَكْثَرَ حِدَّةً.
في ظلّ التوازن الهش بين الدخل والنفقات يصبح الاقتراض وسيلة شائعة لسد الفجوة
يُشيرُ "البَنْكُ الدَّوْلِيُّ" إلى أَنَّ تَضَخُّمَ أَسْعارِ الغِذاءِ في عَدَدٍ مِنَ اقْتِصاداتِ الشَّرْقِ الأَوْسَطِ وَشَمالِ أَفْريقْيا بَلَغَ مُسْتَوَياتٍ مُرْتَفِعَةً خِلالَ السَّنَواتِ الأَخيرَة، إِذْ وَصَلَ مُتَوَسِّطُهُ إلى نَحْوِ 29 في المِئَةِ في بَعْضِ البُلْدانِ عامَ 2022.
وَلا يَقِلُّ السَّكَنُ ضَغْطًا عَنِ الغِذاء. في المُدُنِ العَرَبِيَّةِ الكُبْرى، يَسْتَهْلِكُ الإيجارُ أَوْ قِسْطُ الإِسْكانِ في الأَغْلَبِ نَحْوُ ثُلُثِ دَخْلِ الأُسْرَةِ أَوْ أَكْثَر، وَهُوَ مُسْتَوًى يُعَدُّ عِبْئًا مالِيًّا مُرْتَفِعًا. وَيَرْتَبِطُ ذَلِكَ بِعَوامِلَ عِدَّة، مِنْ بَيْنِها النُّمُوُّ الحَضَرِيُّ السَّريع، وارْتِفاعُ أَسْعارِ الأَراضي، وَنَقْصُ مَشاريعِ الإِسْكانِ المُيَسَّر، إِضافَةً إلى تَرَكُّزِ فُرَصِ العَمَلِ والخِدْماتِ في المُدُنِ الكُبْرى. وَلِذَلِكَ تَجِدُ أُسَرٌ كَثيرَةٌ نَفْسَها مُضْطَرَّةً إلى السَّكَنِ قَريبًا مِنَ العَمَلِ والمَدارِس، حَتّى لَوْ كانَ ذَلِكَ على حِسابِ جُزْءٍ كَبيرٍ مِنْ دَخْلِها.
في ظِلِّ هَذا التَّوازُنِ الهَشِّ بَيْنَ الدَّخْلِ والنَّفَقات، يُصْبِحُ الِاقْتِراضُ وَسيلَةً شائِعَةً لِسَدِّ الفَجْوَة. باتَتِ القُروضُ الشَّخْصِيَّةُ وَبِطاقاتُ الِائْتِمانِ وَتَقْسيطُ السِّلَعِ الِاسْتِهْلاكِيَّةِ أَدَواتٍ مُتَزايِدَةَ الحُضورِ في إِدارَةِ ميزانِيّاتِ الأُسَر. في المَغْرِب، مَثَلًا، تُشيرُ بَياناتُ "البَنْكِ الدَّوْلِيِّ" إلى أَنَّ دُيونَ الأُسَرِ بَلَغَتْ نَحْوَ 31 في المِئَةِ مِنَ النّاتِجِ المَحَلِّيِّ الإِجْمالِيّ. لَيْسَتِ المُشْكِلَةُ في القُروضِ بِحَدِّ ذاتِها، بَلْ في اسْتِخْدامِها لِتَمْويلِ الِاسْتِهْلاكِ اليَوْمِيِّ بَدَلًا مِنَ الِاسْتِثْمارِ أَوْ زِيادَةِ الدَّخْل. وَمَعَ مُرورِ الوَقْتِ تَتَحَوَّلُ الأَقْساطُ الشَّهْرِيَّةُ إلى عِبْءٍ إِضافِيٍّ يَضْغَطُ على الْميزانِيَّةِ المَنْزِلِيَّة.
تفسير الأزمة من زاوية النفقات يبقى ناقصًا إذا تجاهلنا طبيعة الدخل
تَزْدادُ الضُّغوطُ الْمالِيَّةُ عِنْدَما نَنْتَقِلُ إلى قِطاعَيِ الصِّحَّةِ والتَّعْليم. في عَدَدٍ مِنَ البُلْدانِ العَرَبِيَّةِ تَتَحَمَّلُ الأُسَرُ جُزْءًا كَبيرًا مِنْ تَكْلِفَةِ هَذِهِ الخِدْمات. وَتُشيرُ بَياناتُ البَنْكِ الدَّوْلِيِّ إلى أَنَّ المُواطِنينَ في الشَّرْقِ الأَوْسَطِ وَشَمالِ أَفْريقْيا يَدْفَعونَ نَحْوَ 40 في المِئَةِ مِنَ الإِنْفاقِ الصِّحِّيِّ مُباشَرَةً مِنْ جُيوبِهِم، مُقارَنَةً بِنَحْوِ 14 في المِئَةِ فَقَطْ في بُلْدانِ مُنَظَّمَةِ التَّعاوُنِ الِاقْتِصادِيِّ والتَّنْمِيَة. وَهَذا يَعْني أَنَّ المَرَضَ قَدْ يَتَحَوَّلُ بِسُهولَةٍ إلى أَزْمَةٍ مالِيَّةٍ لِلأُسْرَة. أَمّا في التَّعْليمِ فَقَدْ أَصْبَحَتِ الرُّسومُ المَدْرَسِيَّةُ والدُّروسُ الخُصُوصِيَّةُ بَنْدًا مُتَزايِدَ الثِّقْلِ في ميزانِياتِ الأُسَر، وَلا سِيَّما لَدى الطَّبَقَةِ الوُسْطى التي تَسْعى إلى تَأْمينِ تَعْليمٍ أَفْضَلَ لِأَبْنائِها.
في ظُروفٍ كَهَذِهِ يُصْبِحُ الِادِّخارُ مُهِمَّةً صَعْبَة. لَيْسَ الِادِّخارُ مُجَرَّدَ قَرارٍ فَرْدِيّ، بَلْ هُوَ كَذَلِكَ نَتيجَةٌ مُباشِرَةٌ لِلْفائِضِ المُتَبَقّي بَعْدَ تَغْطِيَةِ النَّفَقاتِ الأَساسِيَّة. إِذا كانَتْ هَذِهِ النَّفَقاتُ تَلْتَهِمُ مُعْظَمَ الدَّخْل، فَلَنْ يَبْقى الكَثيرُ لِلِادِّخار. أَمّا الشُّمولُ الْمالِيُّ في المِنْطَقَةِ فَلا يَزالُ أَقَلَّ مِنَ المُتَوَسِّطِ العالَمِيّ. وَوِفْقَ بَياناتِ "غْلوبال فايندِكْس" يَمْتَلِكُ نَحْوَ 53 في المِئَةِ فَقَطْ مِنَ الْبالِغينَ في الشَّرْقِ الأَوْسَطِ وَشَمالِ أَفْريقْيا حِسابًا مالِيًّا رَسْمِيًّا، ما يَعْني أَنَّ شَريحَةً واسِعَةً مِنَ السُّكّانِ لا تَزالُ خارِجَ النِّظامِ الْمالِيِّ المُنَظَّم.
لَكِنَّ تَفْسيرَ الأَزْمَةِ مِنْ زاوِيَةِ النَّفَقاتِ وَحْدَها يَبْقى ناقِصًا إِذا تَجاهَلْنا طَبيعَةَ الدَّخْلِ نَفْسِه. فَبِحَسَبِ "مُنَظَّمَةِ العَمَلِ الدَّوْلِيَّة" لا تَزالُ مُعَدَّلاتُ البَطالَةِ في البُلْدانِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ بَيْنِ الأَعْلى عالَمِيًّا، كَما يَعْمَلُ جُزْءٌ كَبِيرٌ مِنَ القُوى الْعامِلَةِ في القِطاعِ غَيْرِ الرَّسْمِيِّ مِنْ دونِ حِمايَةٍ اجْتِماعِيَّةٍ كافِيَة. وَفي بيئَةٍ كَهَذِهِ يُصْبِحُ دَخْلُ الأُسْرَةِ أَقَلَّ اسْتِقْرارًا، حَتّى لَوْ بَدا كافِيًا في بَعْضِ الفَتَرات.
التحدي الحقيقي أمام الاقتصادات العربية يتمثّل في ضمان انعكاس النموّ على مستوى معيشة الأُسَر
لا يَعْني ذَلِكَ كُلُّهُ أَنَّ الأُسَرَ عاجِزَةٌ عَنْ تَحْسينِ إِدارَتِها الْمالِيَّة. قَدْ تُساعِدُ بَعْضُ الإِجْراءاتِ العَمَلِيَّةِ على تَقْليلِ الهَشاشَةِ الْمالِيَّة، مِثْلَ إِعْدادِ ميزانِيَّةٍ شَهْرِيَّةٍ واضِحَة، والحَدِّ مِنَ الدُّيونِ مُرْتَفِعَةِ الفَوائِدِ قَدْرَ الإِمْكان، وَمُحاوَلَةِ تَكْوينِ صُنْدوقِ طَوارِئ وَلَوْ بِمَبالِغَ صَغيرَة. لَكِنَّ الأَمْنَ الْمالِيَّ لِلأُسْرَةِ لا يَعْتَمِدُ على حُسْنِ التَّدْبيرِ الفَرْدِيِّ وَحْدَه. كُلَّما كانَتِ الخِدْماتُ الْعامَّةُ مِثْلَ التَّعْليمِ والصِّحَّةِ والنَّقْلِ أَكْثَرَ كَفاءَةً وَأَقَلَّ تَكْلِفَة، تَراجَعَتِ النَّفَقاتُ التي تَتَحَمَّلُها الأُسْرَةُ مُباشَرَة. وَتُشيرُ تَقاريرُ "اليونيسف" إلى أَنَّ الإِنْفاقَ الحُكومِيَّ على الصِّحَّةِ والتَّعْليمِ والحِمايَةِ الِاجْتِماعِيَّةِ في المِنْطَقَةِ العَرَبِيَّةِ يَبْلُغُ في المُتَوَسِّطِ نَحْوَ ثَمانِيَةٍ في المِئَةِ مِنَ النّاتِجِ المَحَلِّيِّ الإِجْمالِيّ، مُقارَنَةً بِمُتَوَسِّطٍ عالَمِيٍّ يُقارِبُ 20 في المِئَة.
في النِّهايَة، تَعْكِسُ الضُّغوطُ الْمالِيَّةُ التي تواجِهُها الأُسَرُ العَرَبِيَّةُ خَلَلًا أَوْسَعَ في العَلاقَةِ بَيْنَ الِاقْتِصادِ وَحَياةِ النّاسِ اليَوْمِيَّة. عِنْدَما تَرْتَفِعُ تَكاليفُ الْحَياةِ بِوَتيرَةٍ أَسْرَعَ مِنْ نُمُوِّ الدَّخْل، يُصْبِحُ العَجْزُ الْمالِيُّ احْتِمالًا دائِمًا حَتّى لَدى الأُسَرِ التي تَعْمَلُ وَتَكْسِب. وَلِذَلِكَ لا يَقْتَصِرُ التَّحَدّي الحَقيقِيُّ أَمامَ الِاقْتِصاداتِ العَرَبِيَّةِ على تَحْقيقِ النُّمُوِّ الِاقْتِصادِيّ، بَلْ يَتَمَثَّلُ أَيْضًا في ضَمانِ انْعِكاسِ هَذا النُّمُوِّ على مُسْتَوى مَعيشَةِ الأُسَر. اسْتِقْرارُ الِاقْتِصادِ يَبْدَأُ في النِّهايَةِ مِنِ اسْتِقْرارِ البَيْت.
(خاص "عروبة 22")

