ما يجري في منطقتنا حالياً، بما يحمله من مخاطر كبيرة، يثبت أن ما جرى في فلسطين مع اندلاع الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، وإقامة إسرائيل عام 1948 لم يكن حدثاً محلياً، وإنما كان زلزالاً تاريخياً ضرب قلب المنطقة كلها، فذلك الزلزال لم يحدث تشققات جغرافية وسياسية في هذه المنطقة الحيوية من العالم وحسب، وإنما أطلق سلسلة طويلة من الارتدادات التي أصابت آثارها منطقة الشرق الأوسط كلها، والعالم حتى يومنا هذا. ونتيجة لفشل المجتمع الدولي، وعلى رأسه منظمة الأمم المتحدة في إيجاد حل عادل لهذا الصراع وهذه الهجمة الاستعمارية الصهيونية، راح هذا الصراع يتصاعد وتتسع حدوده.
وشكلت القضية الفلسطينية، اختباراً حقيقياً لقوة ومصداقية القانون الدولي، فبعد إقامة الدولة اليهودية على أنقاض الوطن الفلسطيني، صدرت عن الأمم المتحدة عشرات القرارات المتعلقة بالقضية الفلسطينية، مثل قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194، الذي يحدد مبادئ الوصول إلى تسوية نهائية، وإعادة لاجئي فلسطين إلى ديارهم، لكن إسرائيل رفضت القرار، كما رفضت عشرات القرارات المشابهة، مثل قرار مجلس الأمن الدولي 242 لعام 1967 الذي دعا إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها في تلك الحرب، وكذلك قرار مجلس الأمن 338 الذي دعا إلى وقف إطلاق النار وتطبيق القرار 242. غير أن كثيراً من هذه القرارات ظل حبيس النصوص الدبلوماسية، إذ لم يتم تنفيذها بصورة كاملة على أرض الواقع.
وهنا يبرز أحد أهم أوجه الأزمة في النظام الدولي المعاصر، وهو عجز المؤسسات الدولية، التي يفترض أن تكون لها سيادة قانونية، تمكنها من فرض قراراتها عندما يتعلق الأمر بصراعات، تتشابك فيها المصالح الكبرى، لكن مع الأسف وجدت الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية نفسها، عاجزة في الكثير من الحالات أمام حدود قدرتها السياسية والقانونية، خصوصاً في ظل التوازنات الدولية داخل مجلس الأمن الدولي، حيث تتداخل اعتبارات السياسة مع مبادئ القانون الدولي، وتلعب القوة في العلاقات الدولية، ما جعل الصراع يتجاوز طبيعته الأصلية، ليصبح محوراً لصراعات أوسع.
ومع مرور الزمن دخلت قوى إقليمية جديدة، ما جعل أي مواجهة محتملة، تأخذ أبعاداً دولية تتجاوز حدود المنطقة، كما هي الحال في الوضع القائم مع الحرب الإيرانية الحالية، التي تجاوزت حدودها أطراف الحرب، وباتت ارتداداتها تظهر بوضوح في الإقليم كله، وبالتالي على أمن واستقرار العالم أجمع، وباتت نيرانها تطال دولاً عربية في منطقة الخليج، ما يهدد الصراع أمنها وسلامة مواطنيها.
أما التأثير الأكثر وضوحاً لهذه الارتدادات، فيظهر في الاقتصاد العالمي. فالشرق الأوسط يمثل أحد أهم المراكز الحيوية لإنتاج وتصدير الطاقة في العالم، وأي توتر عسكري فيه، ينعكس مباشرة على الأسواق العالمية. وقد ظهر ذلك بوضوح خلال أزمة النفط 1973 التي تلت حرب أكتوبر، حين أدى التوتر السياسي في المنطقة إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط، محدثاً صدمة اقتصادية عالمية، لا سيما أن منطقة الشرق الأوسط ذات أهمية قصوى، خصوصاً بالنسبة للطاقة، باعتبارها مصدراً مهماً للنفط، أو كونها تحتوي على أهم الممرات البحرية التي تعتبر شرياناً أساسياً للتجارة العالمية، ولذلك فإن النظر إلى القضية الفلسطينية، بوصفها زلزالاً له ارتداداته وتداعياته الكثيرة يساعد على فهم الكثير من الصراعات التي يشهدها الشرق الأوسط.
فالحروب والتحالفات والتوترات التي نشهدها اليوم، ليست أحداثاً منفصلة، بل حلقات متصلة في سلسلة طويلة من الارتدادات التي بدأت قبل أكثر من سبعة عقود. وما دام النظام الدولي عاجزاً عن إيجاد حل عادل ومستدام للقضية الفلسطينية، فإن هذه الهزات ستستمر وتتلاحق لأن حلاً كهذا ليس مصلحة فلسطينية وعربية، وإنما مصلحة وضرورة للأمن والسلام العالميين أيضاً.
(الخليج الإماراتية)

