في مقابلة لها مع صحيفة "الفاينانشيال تايمز" قبل أيام، اتهمت مسؤولة العلاقات الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس الولايات المتحدة بالدفع نحو "انقسام أوروبا" ببذر الشقاق بين دول الاتحاد الأوروبي ما بين مؤيد ومعارض لسياسات واشنطن. إنما الواقع أن أوروبا تواجه تحديات ذاتية تهدد مستقبلها الموحد حتى من قبل حكم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وصعود اليمين المتطرف في الغرب.
فلم تكد عملية تشكل الاتحاد الأوروبي تكتمل حتى بدأ الشقاق بين أعضائه على أسس اقتصادية وسياسية وغيرها. ورغم أن معاهدة "ماستريخت" لعام 1993 التي شكّلت الأساس القانوني للاتحاد الأوروبي ليحل محل السوق الأوروبية المشتركة ما زالت سارية إلا أن عدداً من الدول التي انضمت إلى الاتحاد فيما بعد غير متسقة تماماً مع قواعدها. بدأت العملية باجتماع ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وثلاث دول أخرى في روما عام 1957 لتشكيل السوق المشتركة، لتنضم إليها بقية دول أوروبا الغربية كلها تقريباً تباعاً حتى منتصف الثمانينات. ومع منتصف العقد التالي بلغ عدد الأعضاء خمسة عشر مع إعلان الاتحاد. واستمرت عملية تشكيل مؤسسات الاتحاد ومقره بروكسل ببلجيكا حتى إطلاق العملة الأوروبية الموحدة (اليورو) مطلع القرن الحالي.
ومن علامات الشقاق الأوليّ في الاتحاد أن كل الدول الأعضاء لم تشترك في العملة الموحدة، إذ ظلت دول مثل بريطانيا متمسكة بعملتها باعتبارها مسألة "سيادية". هذا فضلاً عن خلافات في السياسات بشأن كثير من القضايا من الدعم الزراعي إلى المواقف في السياسة الخارجية والهجرة. ثم كان التوسع الأكبر للاتحاد، الذي بدأ في 2004 بضم دول أوروبا الوسطى والشرقية، ليصل عدد دول الاتحاد الأوروبي بحلول عام 2013 إلى خمس وعشرين دولة. ورغم أن البعض قد يشير إلى بداية أزمات الاتحاد مع تصويت البريطانيين في استفتاء عام 2016 على الخروج منه، إلا أن المشاكل تفاقمت منذ توسيع الاتحاد الهائل بداية القرن. في النهاية خرجت بريطانيا رسمياً من الاتحاد الأوروبي في 2020، في سابقة أسست لاحتمال خروج غيرها.
منذ بداية السوق المشتركة وحتى تأسيس الاتحاد، لم يكن هناك تجانس كبير بين الدول الأعضاء. إنما كانت رؤية الدول الأساسية في الاتحاد أنها عملية طويلة قد تأخذ عقوداً حتى يحدث التجانس أو على الأقل يتطور بما يكفي لتشكيل أرضية لتعزيز المؤسسات الأوروبية المشتركة. لكن التوسع بضم دول خرجت لتوها من نظم حكم اشتراكية تختلف جذرياً عن نظم دول أوروبا الغربية كان عملية فيها من "التطوير القسري" ما هز بالفعل أسس الاتحاد.
ومنذ ذلك الحين تصاعدت الخلافات داخل الاتحاد إلى الحد الذي كان يعطل أحياناً سياسات اقتصادية طارئة مثل اتفاقات الدعم المالي والإنقاذ لاقتصادات وقعت في أزمة وخلافات حول الميزانية الأوروبية. ناهيك طبعاً عن التباين الشديد في السياسة الخارجية من قضايا المحيط الأوروبي والعالم. صحيح أن الولايات المتحدة لم تكن غائبة تماماً عن كل تلك التطورات، لكنها لم تكن فاعلة في تلك الخلافات بالقدر الذي بدأ يظهر مع ولاية ترامب الأولى في النصف الثاني من العقد الماضي.
ولعل غزو واحتلال العراق في مطلع القرن كان أكبر أزمة أظهرت شقاقاً في موقف الاتحاد الأوروبي، فبينما عارضت فرنسا الحرب كانت ألمانيا ودول أخرى تؤيدها وإن على استحياء، بينما شاركت فيها بريطانيا كحليف أساسي في الحرب على العراق. في النهاية لم يكن هناك موقف أوروبي موحد يعزز دور بروكسل كعاصمة لاتحاد متماسك.
لا تزال أوروبا تبحث عن ذاتها، هل هي أوروبا الغربية ودول الرأسمالية والديمقراطية التمثيلية الراسخة، أم القارة الكبيرة بوسطها وشرقها مع كل التباين الاقتصادي والسياسي والاجتماعي وحتى الثقافي أم مجرد دول تتعاون بدرجة ما اقتصادياً وتجارياً؟ وربما ما تفعله سياسات ترامب هو فقط عامل محفز لتنشيط خلافات ومتجذرة أصلاً في الاتحاد الأوروبي. حتى لو كانت واشنطن تدعم صعود اليمين المتطرف الأوروبي، فإن لذلك جذره في القارة من قبل.
(الخليج الإماراتية)

