شَكَّلَ قَرارُ الجَزائِرِ إِنْهاءَ العَمَلِ بِشَكْلٍ أُحادِيٍّ بِأُنْبوبِ الْغازِ المَغارِبِيِّ - الأوروبِّيِّ (GME) لَحْظَةً مِفْصَلِيَّةً في مَسارِ العَلاقاتِ الثُّنائِيَّة. فَقَدِ انْتَقَلَ الخِلافُ مِنْ مُسْتَوى الخِطابِ السِّياسِيِّ إلى مُسْتَوى القَراراتِ ذاتِ الأَثَرِ البُنْيَوِيّ، التي تَمَسُّ الطّاقَةَ والبُنْيَةَ التَّحْتِيَّةَ وَمَصالِحَ الْفاعِلينَ الِاقْتِصادِيّين. وَتَزامَنَ ذَلِكَ مَعَ إِجْراءاتٍ أُخْرى، مِنْ قَبيلِ إِغْلاقِ المَجالِ الجَوِّيِّ وَتَشْديدِ القُيودِ الحُدودِيَّة، إِضافَةً إلى تَوَتُّراتٍ مُرْتَبِطَةٍ بِالمَناطِقِ الْواحِيَّةِ والسُّكّانِ الحُدودِيّين، ما أَسْهَمَ في رَفْعِ "تَكْلِفَةِ الِاحْتِكاكِ" بَيْنَ البَلَدَيْنِ وَتَحْويلِ الحُدودِ مِنْ فَضاءٍ مُحْتَمَلٍ لِلتَّكامُلِ إلى مِنْطَقَةِ تَوَتُّرٍ دائِم.
ملامح حرب اقتصادية قادرة على إعادة توجيه التدفّقات الحيوية وخلق اختناقات مدروسة
غَيْرَ أَنَّ جَوْهَرَ التَّحَوُّلِ لا يَكْمُنُ في هَذِهِ القَراراتِ مُنْفَرِدَةً، بَلْ في الدَّلالَةِ الِاسْتْراتيجِيَّةِ التي تَعْكِسُها، فالِاقْتِصادُ لَمْ يَعُدْ مَجالًا مُحايِدًا، بَل أَضْحى أَداةً لِرَفْعِ كُلْفَةِ الخِياراتِ السِّياسِيَّةِ لِلطَّرَفِ المُقابِل، أَوْ لِتَحْسينِ شُروطِ التَّفاوُضِ في مَلَفّاتٍ أَوْسَع. وَمِنْ هُنا تَتَشَكَّلُ مَلامِحُ حَرْبٍ اقْتِصادِيَّةٍ مُنْخَفِضَةِ الحِدَّة، تَعْتَمِدُ أَدَواتٍ غَيْرَ صِدامِيَّةٍ مُباشِرَة، لَكِنَّها قادِرَةٌ على إِعادَةِ تَوْجيهِ التَّدَفُّقاتِ الحَيَوِيَّةِ وَخَلقِ اخْتِناقاتٍ مَدْروسَة.
وَفي هَذا الصَّدَد، جَديرٌ بِالذِّكْرِ أَنَّ الجَزائِرَ اعْتَمَدَتْ بِدَرَجَةٍ كَبيرَةٍ على قِطاعِ المَحْروقاتِ الذي يُمَثِّلُ أَكْثَرَ مِنْ 90% مِنْ عائِداتِ صادِراتِها. وَفي ظِلِّ التَّحَوُّلاتِ التي عَرَفَتْها أَسْواقُ الطّاقَةِ بَعْدَ الحَرْبِ الرّوسِيَّةِ - الأوكْرانِيَّة، بَرَزَتِ الجَزائِرُ كَمُوَرِّدٍ بَديلٍ مُهِمٍّ لِلْغازِ نَحْوَ أوروبّا، خاصَّةً لِإِيطالِيا وَإِسْبانْيا، ما عَزَّزَ مِنْ مَوْقِعِها التَّفاوُضِيّ. وَفي هَذا السِّياق، تَتَعَزَّزُ قابِلِيَّةُ الْغازِ لِلتَّوْظيفِ السِّياسِيِّ كُلَّما أَصْبَحَ عامِلًا حاسِمًا في أَمْنِ الطّاقَةِ الأوروبِّي، الأَمْرُ الذي يَمْنَحُ الجَزائِرَ هامِشًا أَكْبَرَ لِلمُناوَرَةِ في عَلاقاتِها الثُّنائِيَّة.
بِالتَّوازي مَعَ ذَلِك، اتَّجَهَتِ الجَزائِرُ إلى تَوْسيعِ حُضورِها الِاقْتِصادِيِّ جَنوبًا، عَبْرَ تَعْزيزِ التَّعاوُنِ مَعَ موريتانْيا وَتونِسَ وَبَعْضِ دُوَلِ أَفْريقْيا جَنوبَ الصَّحْراء، مِنْ خِلالِ فَتْحِ مَعابِرَ جَديدَة، وَتَطْويرِ الرَّبْطِ الطُّرُقِيّ، وَإِنْشاءِ فُروعٍ مَصْرِفِيَّة، واعْتِمادِ سِياساتٍ مالِيَّةٍ كَإِعادَةِ جَدْوَلَةِ أَوْ شَطْبِ بَعْضِ الدُّيون. وَتَنْدَرِجُ هَذِهِ الخُطُواتُ ضِمْنَ مُقارَبَةٍ ديبْلوماسِيَّةٍ اقْتِصادِيَّةٍ تَسْعى إلى تَوْسيعِ شَبَكَةِ الحُلَفاءِ وَتَقْليصِ نُفوذِ المُنافِس.
الجزائر تراهن على وفرة الموارد والقدرة الريعية بينما يراهن المغرب على تنويع الشركاء وبناء شبكات استثمارية
في المُقابِل، اعْتَمَدَ المَغْرِبُ مُقارَبَةً قائِمَةً على تَنْويعِ الِاقْتِصادِ وَتَقْليصِ قابِلِيَّةِ التَّأَثُّرِ بِالضُّغوطِ الخارِجِيَّة، عَبْرَ بِناءِ شَبَكاتِ مَصالِحَ عابِرَةٍ لِلحُدود. وَتَبْرُزُ وَرَقَةُ "الْفوسْفات" في هَذا السِّياقِ بِاعْتِبارِها رافِعَةً اسْتْراتيجِيَّة، لَيْسَ مِنْ خِلالِ تَصْديرِ الْمادَّةِ الخامِ وَحَسْب، بَل عَبْرَ تَطْويرِ صِناعاتِ الأَسْمِدَةِ وَبِناءِ شَراكاتٍ إِنْتاجِيَّةٍ في دُوَلٍ أَفْريقِيَّةٍ عِدَّة، بِما يَرْبِطُ الأَمْنَ الغِذائِيَّ الأَفْريقِيَّ بِالخِبْرَةِ والِاسْتِثْمارِ المَغْرِبِيّ. كَما سَعى المَغْرِبُ إلى تَعْزيزِ تَمَوْقُعِهِ الْمالِيِّ عَبْرَ مِنَصّاتٍ مِثْلَ الدّارِ البَيْضاءِ الْمالِيَّة، التي تَحَوَّلَتْ إلى مَرْكَزٍ إِقْليمِيٍّ يَحْتَضِنُ مِئاتِ الشَّرِكاتِ الدَّوْلِيَّةِ وَيُوَفِّرُ آلافَ الوَظائِف، في إِطارِ اسْتْراتيجِيَّةٍ تَسْتَهْدِفُ جَعْلَ المَمْلَكَةِ بَوّابَةً اسْتِثْمارِيَّةً نَحْوَ أَفْريقْيا.
أَمّا في الْمَجالِ الطّاقِيّ، فَيُمَثِّلُ مَشْروعُ أُنْبوبِ الغازِ نيجيرْيا – المَغْرِب، أَحَدَ أَبْرَزِ تَجَلِّياتِ الرُّؤْيَةِ الِاسْتْراتيجِيَّةِ المَغْرِبِيَّة. فالمَشْروع، الذي يُقَدَّرُ طولُهُ بِحَوالَيْ 5660 كيلومِتْرًا وَيَمُرُّ عَبْرَ 13 دَوْلَة، لا يَهْدِفُ فَقَطْ إلى تَأْمينِ إِمْداداتٍ طاقِيَّة، بَل إلى إِنْشاءِ فَضاءِ تَرابُطٍ اقْتِصادِيٍّ غَرْبِ أَفْريقِيٍّ ــ أَطْلَسِيّ، يَقومُ على مَبْدَأ الِاعْتِمادِ المُتَبادَلِ طَويلِ الأَمَد. وَمِنْ هَذِهِ الزّاوِيَة، يُراهِنُ الْمَغْرِبُ على "قُوَّةِ الشَّبَكَة"، أَيْ على بِناءِ مَنْظومَةِ مَصالِحَ مُتَرابِطَةٍ تَجْعَلُ فَكَّ الِارْتِباطِ مُكْلِفًا لِجَميعِ الأَطْراف. كَما يَنْدَرِجُ الِاسْتِثْمارُ في المَوانِئِ الكُبْرى، مِثْلَ النّاظورِ غَرْبِ المُتَوَسِّطِ والدّاخِلَة الأَطْلَسِيّ، ضِمْنَ اسْتْراتيجِيَّةِ تَحْويلِ الجُغْرافْيا إلى أَداةٍ تَنافُسِيَّة، وَتَأْمينِ بَدائِلَ لوجيسْتِيَّةٍ تُقَلِّلُ مَخاطِرَ العَزْلِ أَوِ الضَّغْطِ الطَّاقِيّ.
بَيْنَ الحَرْبِ الِاقْتِصادِيَّةِ والتَّنافُسِ القابِلِ لِلِاحْتِواء
على الرَّغْمِ مِنْ حِدَّةِ الإِجْراءات، لا تَزالُ المُواجَهَةُ بَيْنَ البَلَدَيْنِ أَقْرَبَ إلى حَرْبٍ اقْتِصادِيَّةٍ بارِدَةٍ مِنْها إلى صِدامٍ شامِل. فالتَّشابُكاتُ الدَّوْلِيَّة، وارْتِباطُ الطَّرَفَيْنِ بِشُرَكاءَ أوروبِّيّينَ وَدَوْلِيّين، تَفْرِضُ سَقْفًا غَيْرَ مُعْلَنٍ لِلتَّصْعيد. غَيْرَ أَنَّ الِاخْتِلافَ في مَنْطِقِ القُوَّةِ يَظَلُّ واضِحًا: الجَزائِرُ تُراهِنُ على وَفْرَةِ المَوارِدِ والقُدْرَةِ الرَّيْعِيَّة، بَيْنَما يُراهِنُ المَغْرِبُ على تَنْويعِ الشُّرَكاءِ وَبِناءِ شَبَكاتٍ اسْتِثْمارِيَّة. وَفي أَدَبِيّاتِ الِاقْتِصادِ السِّياسِيِّ، غالِبًا ما تَكونُ قُوَّةُ الشَّبَكَةِ أَكْثَرَ اسْتِدامَةً على المَدى الطَّويل، لِأَنَّها تُنْتِجُ مَصالِحَ مُشْتَرَكَةً عَميقَة، في حينِ تَبْقى قُوَّةُ المَصْدَرِ رَهينَةَ تَقَلُّباتِ السّوقِ والتَّحَوُّلاتِ التِّكْنولوجِيَّة.
حين تنفصل المنافسة عن أفق التكامل تتحوّل إلى استنزاف للفرص
وَبَعيدًا عَنْ حِساباتِ الرِّبْحِ والخَسارَةِ الثُّنائِيَّة، يَظَلُّ التَّكامُلُ المَغارِبِيُّ هُوَ الخاسِرَ الأَكْبَر. فَحَجْمُ التِّجارَةِ البَيْنِيَّةِ بَيْنَ دُوَلِ الْمِنْطَقَةِ لا يَتَجاوَزُ 5% مِنْ إِجْمالِيِّ تِجارَتِها الخارِجِيَّة، وَهُوَ مِنْ أَدْنى المُعَدَّلاتِ عالَمِيًّا. هَذِهِ النِّسْبَةُ المُتَواضِعَةُ تَعْكِسُ ضَياعَ فُرَصٍ صِناعِيَّةٍ وَلوجيسْتِيَّةٍ واسْتِثْمارِيَّةٍ كانَ يُمْكِنُ أَنْ تُعَزِّزَ مَوْقِعَ المِنْطَقَةِ كَكُتْلَةٍ تَفاوُضِيَّةٍ مُوَحَّدَةٍ تَضُمُّ قُرابَةَ 100 مِلْيونِ نَسَمَة.
إِنَّ المُواجَهَةَ الِاقْتِصادِيَّةَ بَيْنَ المَغْرِبِ والجَزائِرِ تَكْشِفُ عَنْ تَحَوُّلٍ عَميقٍ في طَبيعَةِ الصِّراع، حَيْثُ أَصْبَحَ الِاقْتِصادُ أَداةً مَرْكَزِيَّةً في إِدارَةِ التَّوازُناتِ السِّياسِيَّةِ والإِقْليمِيَّة. غَيْرَ أَنَّ اسْتِمْرارَ هَذا المَسارِ يَحْمِلُ كُلْفَةً تَراكُمِيَّةً على التَّنْمِيَةِ والِاسْتِقْرارِ في المِنْطَقَةِ كَكُلّ. فالمُنافَسَةُ قَدْ تَكونُ مُحَفِّزًا لِلتَّحْديثِ والتَّطْوير، لَكِنَّها حينَ تَنْفَصِلُ عَنْ أُفُقِ التَّكامُلِ تَتَحَوَّلُ إلى اسْتِنْزافٍ بارِدٍ لِلفُرَص.
(خاص "عروبة 22")

