اقتصاد ومال

الأَبْعادُ الاِقْتِصادِيَّةُ وَالجِيوسِياسِيَّةُ لإِغْلاقِ مَضيقِ هُرْمُز!

أَدانَتْ جامِعَةُ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ الهَجَماتِ وَالاِعْتِداءاتِ الإيرانِيَّةَ عَلى عَدَدٍ مِنَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ، البَحْرَيْن، الإِمارات، قَطَر، السُّعودِيَّة، الكُوَيْت، العِراق، إِذْ إِنَّ تِلْكَ الأَعْمالَ تُمَثِّلُ انْتِهاكًا صَريحًا لِسِيادَةِ الدُّوَلِ وَتَهْديدًا لأَمْنِها وَاسْتِقرارِها. وَأَعْرَبَتِ الجامِعَةُ العَرَبِيَّةُ عَن تضامُنِها الكامِلِ مَعَ الدُّوَلِ المُتَضَرِّرَة، وَدَعْمِها لأَيِّ إِجْراءاتٍ تَتَّخِذُها هَذِهِ الدُّوَلُ لِلدِّفاعِ عَنْ أَمْنِها وَحِمايةِ شُعوبِها في مُواجَهَةِ أَيِّ اِعْتِداءاتٍ، مُحَذِّرَةً مِنْ خُطورَةِ تَطَوُّراتِ الوَضْعِ الرّاهِن، وَداعِيَةً المُجْتَمَعَ الدَّوْلِيَّ إِلى التَّحَرُّكِ الْعاجِلِ لِخَفْضِ التَّوَتُّرِ وَمَنْعِ اتِّساعِ دائِرَةِ الصِّراع.

الأَبْعادُ الاِقْتِصادِيَّةُ وَالجِيوسِياسِيَّةُ لإِغْلاقِ مَضيقِ هُرْمُز!

تُعَدُّ إيرانُ دَوْلَةً إِقْليمِيَّةً كَبيرَةً ذاتَ مَوْقِعٍ اسْتْراتيجِيٍّ مُهِمٍّ في غَرْبِ آسيا وَمَدْخَلًا لِوَسَطِ آسْيا وَالشَّرْقِ الأَقْصى، فيما تَتَمَتَّعُ أَيْضًا بِإِمْكاناتٍ اِقْتِصادِيَّةٍ كَبيرَةٍ، حَيْثُ تُعَدُّ مِنْ كُبْرَياتِ الدُّوَلِ في العالَمِ في احْتِياطِيّاتِ النَّفْطِ وَالْغاز. وسَيُلحِقُ إِغْلاقُ مَضيقِ هُرْمُز أَضْرارًا كَبيرَةً بِالاِقْتِصادِ الإيرانِيِّ بِشَكْلٍ سَريع، إِذْ لَنْ تَكونَ طَهْرانُ قادِرَةً عَلى تَصْديرِ نَفْطِها، إِذْ تُصَدِّرُ إيرانُ 90% مِنْ نَفْطِها الْخامِ عَبْرَ مَضيقِ هُرْمُز، وَمِنْ شَأْنِ اضْطِرابِ صادِراتِ الطّاقَةِ مِنْ إيرانَ أَنْ يَخْلُقَ مُشْكِلَةً لِلصّين، فَهِيَ أَكْبَرُ مُشْتَرٍ في العالَمِ لِلْخامِ الإيرانِيّ.

إِنَّ تَعَرُّضَ ناقِلاتِ النَّفْطِ وَالْغازِ الْمارَّةِ عَبْرَ مَضيقِ هُرْمُز لِلْهَجَماتِ سَيَسْتَدْعي حِمايَةَ السُّفُنِ الْحَرْبِيَّةِ الغَرْبِيَّةِ وَلا سِيَّما الأَميرْكِيَّةِ لِتَأْمينِ العُبورِ عَبْرَ المَضيق، وَهُوَ ما سَيُؤَدّي إِلى إِبْطاءِ حَرَكَةِ الشَّحْنِ البَحْرِيِّ وَلَكِنَّهُ لَنْ يُؤَثِّرَ بِشَكْلٍ كَبيرٍ على إِمْداداتِ الطّاقَةِ العالَمِيَّة، وَلَكِنْ في حالِ جَرى إِغْلاقُ مَضيقِ هُرْمُز بِشَكْلٍ كامِلٍ لأَيّامٍ عِدَّةٍ فَإِنَّنا أَمامَ سينارْيو صَعْبٍ عَلى أَسْواقِ الطّاقَة، وَقَدْ يَصْعَدُ بِأَسْعارِ النِّفْطِ عالَمِيًّا إِلى ما بَيْنَ 120 دولارًا وَ150 دولارًا لِلْبَرْميل، حَسَبَ تَوَقُّعاتِ المُتَخَصِّصين، وَعِنْدَ نِهايةِ التَّداوُل يَوْمَ 28/2/2026 بَلَغَ سِعْرُ خامِ بْرِنْت القِياسِيّ، وَهُوَ المَرْجِعُ الْعالَمِيُّ لِتَسْعيرِ النَّفْط، 72.48 دولارًا لِلْبَرْميل.

ما يدور في المنطقة يتوجب فهمه في إطار الاستراتيجية الأميركية

واليوم، يَعيشُ النِّظامُ الدَّوْلِيُّ عَلى وَقْعِ الِاضْطِراباتِ وَعَدَمِ الْيَقين، وَتَزْدادُ حِدَّةُ التَّنافُسِ بَيْنَ القُوى الدَّوْلِيَّةِ وَما يَحْمِلُهُ ذَلِكَ مِن إِسْقاطاتٍ عَلى مَناطِقَ مُخْتَلِفَةٍ مِنَ الْعالَم، بِما في ذَلِكَ مَنْطِقَةُ الشَّرْقِ الأَوْسَط، وَتَزْدادُ حِدَّةُ هَذِهِ الصِّراعاتِ في بَعْضِ المَناطِقِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِها، فيما يَسْتَدِلُّ البَعْضُ عَلى تَزايُدِ بُؤَرِ التَّوَتُّرِ حَوْلَ العالَم، كَمُؤَشِّرٍ على فَشَلِ آلِيّاتِ التَّنْظيمِ الدَّوْلِيِّ وَعَدَمِ قُدْرَتِها عَلى حَلِّ الصِّراعاتِ بِالطُّرُقِ السَّلْمِيَّة. وَفي الشَّرْقِ الأَوْسَطِ، كَثيرًا ما اتَّسَمَتِ الحُروبُ وَالصِّراعاتُ الَّتي تَشْهَدُها المَنْطِقَةُ بِتَداعِياتٍ تَتَجاوَزُ الدُّوَلَ الأَطْرافَ في الحَرْب، لِتَشْمَلَ دُوَلًا مُجاوِرَةً أُخْرى، بَلْ وَدُخولِ قُوًى دَوْلِيَّةٍ طَرَفًا فيها، وَيَعودُ هَذا الْواقِعُ إِلى أَهَمِيَّةِ الْمَنْطِقَةِ الاِقْتِصادِيَّةِ وَالْجِيوستْراتيجِيَّة.

وَمِنَ الجَديرِ بِالذِّكْر، أَنَّ أَميرْكا أَعْلَنَتْ أَنَّ هَدَفَ الحَرْبِ النِّهائِيَّ هُوَ تَغْييرُ النِّظامِ الإيرانِيّ، إِلى جانِبِ الأَهْدافِ المُعْلَنَةِ سابِقًا وَالمُتَمَثِّلَةِ بِالبَرْنامَجِ النَّوَوِيِّ الإيرانِيِّ وَصِناعَةِ الصَّوارِيخِ الْباليسْتِيَّةِ وَأَذْرُعِ إيران، غَيرَ أنّ هَدَفَ تَغْييرِ النِّظامِ في دَوْلَةٍ إِقليمِيَّةٍ كَبيرَةٍ مِثْلِ إيرانَ يَحْمِلُ في طَيّاتِهِ الْكَثير، وفي مُقَدِّمَةِ ذلك سَعْيُ أَميرْكا لِتَرْسيخِ هَيْمَنَتِها على الشُّؤونِ الدَّوْلِيَّةِ عَلى حِسابِ القُوى الدَّوْلِيَّةِ المُنافِسَةِ الأُخْرى، بِمَعْنى آخَر، فَإِنَّ ما يَدورُ حالِيًّا في المَنْطِقَةِ، بَلْ وَخارِجَها، يَتَوَجَّبُ فَهْمُهُ في إِطارِ الِاسْتْراتيجِيَّةِ الأَميرْكِيَّة.

يجب إنشاء بنية تحتية ضخمة لنقل النفط والغاز الطبيعي عن طريق البر

وَتَبْرُزُ في هَذا السِّياقِ قُدْرَةُ وَمَدى تَأْثيرِ اِقْتِصاداتِ دُوَلِ الخَليجِ العَرَبِيَّةِ وَالعِراق، التي أَصْبَحَ حَجْمُها أَكْثَرَ تَنَوُّعًا وَأَكْبَرَ انْخِراطًا في قَنَواتِ الِاِقْتِصادِ الْعالَمِيّ، تِجارَةً وَاسْتِثْمارًا وَتَمْويلًا، وَتَطَوَّرَتْ فيهِ مَراكِزُ البَيانات. أما في ما يتصل بالبَدائِلِ أَمامَ مُصَدِّرِي النَّفْطِ وَالْغازِ في الخَليجِ وَالعِراقِ إِذا أُغْلِقَ هُرْمُز، فهي تَتَمَثَّلُ في إِنْشاءِ بَعْضِ هذا الدُوَلِ، وَلا سِيَّما السُّعودِيَّةِ وَالإِمارات، بُنْيَةً تَحْتِيَّةً ضَخْمَةً لِنَقْلِ النَّفْطِ وَالْغازِ الطَّبيعِيِّ عَنْ طَريقِ البَرِّ لِضَمانِ تَدَفُّقِ إِمْداداتِ الطّاقَةِ إِلى الأَسْواقِ العالَمِيَّة، وَذَلِكَ في حالِ حُدوثِ أَيِّ تَوَتُّراتٍ تُعيقُ المِلاحَةَ في مَضيقِ هُرْمُز، الَّذي تَمُرُّ عَبْرَهُ رُبْعُ إِمْداداتِ النَّفْطِ العالَمِيَّةِ المَنْقولَةِ بَحْرًا.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن