يَرى الكَثيرُ مِنَ الخُبَراءِ أَنَّ تَوْظيفَ اللَّحْظَةِ السِّياسِيَّةِ الرّاهِنَة، مِنْ أَجْلِ بِناءِ ما يُشْبِهُ "الناتو العَرَبِيّ" مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُعيدَ تَرْتيبَ البَيْتِ العَرَبِيّ، والبَدْءُ في اسْتِثْمارٍ حَقيقِيٍّ لِعَناصِرِ القُوَّةِ العَرَبِيَّةِ الحَديثَة، في الِاقْتِصادِ والتِّكْنولوجْيا، والقُدْرَةِ على التَّأْثيرِ في المَشْهَدِ الدَّوْلِيّ، بَدَلًا مِنَ الِاكْتِفاءِ بِخِطاباتِ الرَّجاءِ والغَضَب، بَعْدَما أَخْفَقَتِ القَواعِدُ العَسْكَرِيَّةُ الأَميرْكِيَّةُ التي يَزيدُ عَدَدُها في مِنْطَقَةِ الشَّرْقِ الأَوْسَطِ، على 55 قاعِدَةً وَمَوْقِعًا عَسْكَرِيًّا، في حِمايَةِ دُوَلِ الخَليجِ العَرَبِيِّ مِنْ رَشَقاتِ الصَّواريخِ الإِيرانِيَّة، على ما تَعْنيهِ مِنْ خُروقاتٍ سافِرَةٍ لِلسِّيادَةِ العَرَبِيَّة.
لا توجَدُ إِحْصاءاتٌ رَسْمِيَّةٌ مَوْثوقَةٌ يُمْكِنُ الِاعْتِمادُ عَلَيْها، في تَقْديرِ حَجْمِ الوُجودِ العَسْكَرِيِّ الأَميرْكِيِّ في المِنْطَقَةِ العَرَبِيَّة، وَبِخاصَّةٍ في مِنْطَقَةِ الخَليجِ العَرَبِيّ، لَكِنَّ الكَثيرَ مِنَ الدِّراساتِ الغَرْبِيَّة، تَذْهَبُ إلى أَنَّ تِلْكَ المِنْطَقَةَ تَحْظى بِالنَّصيبِ الأَكْبَرِ مِنْ تِلْكَ القَواعِدِ والمَواقِعِ العَسْكَرِيَّةِ الأَميرْكِيَّةِ، غَيْرَ أَنَّ هَذَا الوُجودَ العَسْكَرِيَّ المُتَنَوِّع، حَسْبَما يَرى عَبْدُ المُنْعِمِ عَلي، الباحِثُ في وَحْدَةِ الدِّراساتِ الأَفْريقِيَّةِ في المَرْكَزِ المِصْرِيِّ لِلفِكْرِ والدِّراساتِ الِاسْتراتيجِيَّة، لَمْ يَنْجَحْ في دَعْمِ مَنْظومَةِ الأَمْنِ القَوْمِيِّ لِدُوَلِ الخَليجِ العَرَبِيّ، التي تَحَوَّلَتْ إلى مَوْضِعِ اسْتِهْدافٍ في حَرْبٍ لَمْ تَكُنْ تَرْغَبُ في أَنْ تَكونَ طَرَفًا فيها، فالرَّشَقاتُ الصّاروخِيَّةُ الإِيرانِيَّةُ لا تَزالُ تَتَواصَلُ على العَديدِ مِنْ بُلْدانِ الخَليجِ العَرَبِيّ، على الرَّغْمِ مِنْ إِعْلانِها في غَيْرِ مُناسَبَةٍ رَفْضَها القاطِعَ لِاسْتِخْدامِ أَراضيها كَقاعِدَةِ انْطِلاقٍ لِأَيِّ ضَرَباتٍ مُضادَّةٍ لِإِيران، قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ المَشْهَدُ ذُرْوَتَهُ بِاسْتِهْدافِ مَناطِقِ النَّفْطِ في تِلْكَ الدُّوَل، إلى جانِبِ أَهْدافٍ أُخْرى بِهَدَفِ إِحْداثِ المَزيدِ مِنَ الإِرْباكِ لِمَشْهَدٍ مُرْتَبِكٍ مِنَ الأَساس.

لا تُمَثِّلُ المُبادَرَةُ التي أَطْلَقَتْها مِصْرُ قَبْلَ نَحْوِ عَشْرِ سَنَواتٍ، والتي تَرْمي إلى الشُّروعِ في بِناءِ قُوَّةِ رَدْعٍ عَسْكَرِيَّةٍ عَرَبِيَّةٍ مُشْتَرَكَة، عَبْرَ إِحْياءِ اتِّفاقِيَّةِ الدِّفاعِ العَرَبِيِّ المُشْتَرَك، إِعْلانَ مُواجَهَةٍ مَفْتوحَةٍ مَعَ أَميرْكا أَوْ تَلِّ أَبيب، بِقَدْرِ ما تَرْمي إلى تَفْعيلِ آلِيَّةٍ عَرَبِيَّةٍ واضِحَةٍ لِتَعْزيزِ التَّنْسيقِ الدِّفاعِيّ، وَحِمايَةِ الأَمْنِ القَوْمِيِّ العَرَبِيِّ الذي يُعاني مُنْذُ عُقودٍ مِنْ خُروقاتٍ واضِحَة، لَمْ تُفْلِحْ مَعَها مُحاوَلاتٌ بُذِلَتْ لِتَفْعيلِ مُعاهَدَةِ الدِّفاعِ العَرَبِيِّ المُشْتَرَكِ والتَّعاوُنِ الِاقْتِصَادِيِّ التي وُقِّعَتْ في خَمْسِينِيّاتِ القَرْنِ الماضي، واعْتُمِدَتْ كَإِطارٍ قانونِيٍّ عَرَبِيّ، يَسْتَهْدِفُ تَعْزيزَ التَّضامُن، وَصَوْنَ الأَمْنِ القَوْمِيّ، فالِاتِّفاقِيَّةُ التي وَقَّعَتْ عَلَيْها 7 دُوَلٍ عَرَبِيَّةٍ في 17 يونْيو/حُزَيْرانَ عامَ 1950، وَضَمَّتْ مِصْرَ والأُرْدُنَّ وَسوريا والعِراق، إلى جانِبِ السُّعودِيَّةِ وَلُبْنانَ واليَمَن، قَبْلَ أَنْ تَنْضَمَّ إِلَيْها باقي الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ تِباعًا، ظَلَّتْ حِبْرًا على وَرَق، على الرَّغْمِ مِمّا كانَتْ تَنْصُّ عَلَيْهِ مِنْ بُنود، رُبَّما كانَ مِنْ أَهَمِّها اعْتِبارُ أَيِّ اعْتِداءٍ مُسَلَّحٍ على أَيِّ دَوْلَةٍ عُضْوٍ في الِاتِّفاقِيَّة، عُدْوانًا على الجَميع، تَلْتَزِمُ بِمُقْتَضاهُ الدُّوَلُ المُوَقِّعَةُ على الِاتِّفاقِيَّة، بِتَقْديمِ الدَّعْمِ العَسْكَرِيِّ اللّازِمِ لِرَدِّ العُدْوان.
لَعِبَ الإِخْفاقُ المُتَواصِلُ في تَشْكيلِ إِطارٍ مُؤَسَّسِيٍّ يَجْمَعُ الدُّوَلَ العَرَبِيَّةَ كافَّة، دَوْرًا كَبيرًا في إِجْهاضِ اتِّفاقِيَّةِ الدِّفاعِ العَرَبِيِّ المُشْتَرَك، حَيْثُ طَغَتِ الخِلافاتُ السِّياسِيَّةُ، حَسْبَما يَرَى الدُّكْتور قاياتِي عاشور، أُسْتاذُ الجُغْرافْيا السِّياسِيَّةِ في كُلِّيَّةِ الآدابِ في جامِعَةِ بَني سُوَيْف، على أَيِّ إِمْكانِيَّةٍ لِبِناءِ مَنْظومَةٍ أَمْنِيَّةٍ عَرَبِيَّة، أَوْ قُوَّةِ دِفاعٍ عَرَبِيٍّ مُشْتَرَكَة، وَهُوَ ما جَعَلَ مِنْ مَشاريعَ سابِقَةٍ مِثْلَ قُوَّةِ رَدْعِ الجَزيرَة، وَقُوَّةِ شَمالِ أَفْريقْيا، مُجَرَّدَ مَشاريعَ هَزْلِيَّةٍ غَيْرِ فَعّالَة، ما عَزَّزَ مِنْ اتِّجاهِ بَعْضِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ لِعَقْدِ اتِّفاقِيّاتٍ ثُنائِيَّةٍ مَعَ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ الأَميرْكِيَّة، بِهَدَفِ إِقامَةِ قَواعِدَ عَسْكَرِيَّةٍ فيها، لَكِنْ على الرَّغْمِ مِنْ ذَلِكَ ظَلَّ ميزانُ التَّفَوُّقِ في صالِحِ العَديدِ مِنْ دُوَلِ الجِوار، وَبِخاصَّةٍ دَوْلَةَ الكِيانِ التي تَتَفَوَّقُ بِإِمْكاناتِها العَسْكَرِيَّةِ على الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ إِجْمالًا، على الرَّغْمِ مِمّا تُنْفِقُهُ الأَخيرَةُ سَنَوِيًّا على الأَعْباءِ الدِّفاعِيَّة، التي تُقَدَّرُ بِما يَتَراوَحُ بَيْنَ 50 وَ60 مِلْيارَ دولارٍ سَنَوِيًّا.
ما الذي يُمْكِنُ أَنْ يَفوزَ بِهِ العَرَبُ إِذَن، في حالِ تَلاقَتِ الإِراداتُ السِّياسِيَّةُ على تَشْكيلِ أَوَّلِ جَيْشٍ عَرَبِيٍّ مُوَحَّد؟
يَقولُ مَوْقِعُ "غْلوبال فاير باوِر" المُتَخَصِّصُ في تَصْنيفِ القُوَّةِ العَسْكَرِيَّة، إِنَّهُ إِذَا قَرَّرَ العَرَبُ إِنْشاءَ جَيْشٍ مُوَحَّد، تَحْتَ مُسَمّى الجَيْشِ العَرَبِيّ، فَإِنَّ قِوامَ هَذا الجَيْشِ لَنْ يَقِلَّ عَنْ 4 مَلايينَ جُنْدِيّ، وَنَحْوِ تِسْعَةِ آلافِ طائِرَةٍ حَرْبِيَّة، وَأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ آلافِ مِرْوَحِيَّةٍ مُقاتِلَة، وَ19 أَلْفَ دَبّابَةٍ وَ51 أَلْفَ مُدَرَّعَةٍ حَرْبِيَّةٍ تَقْريبًا، فيما سَيَبْلُغُ عَدَدُ قاذِفاتِ الصَّواريخِ نَحْوَ 2600 قاذِفَة، بِالإِضافَةِ إلى 16 غَوّاصَة، وَ900 سَفينَةٍ حَرْبِيَّة، بَيْنَما يُمْكِنُ أَنْ تَلْعَبَ القُوَّةُ الِاقْتِصادِيَّةُ لِلعَرَبِ مُجْتَمِعَةً، والتي تَبْلُغُ حَسَبَ التَّقْديراتِ نَحْوَ 5 تْريلْيوناتٍ وَ990 مِلْيارَ دولارٍ سَنَوِيًّا، وِفْقًا لِإِجْمالِيّ النّاتِجِ القَوْمِيِّ المَحَلِّيّ، دَوْرًا كَبِيرًا في أَنْ تَحْتَلَّ المِنْطَقَةُ العَرَبِيَّةُ المَرْتَبَةَ الثّانِيَةَ في مُعادَلاتِ القُوَّة، بَعْدَ روسْيا الِاتِّحادِيَّة.

رُبَّما لا يَخْتَلِفُ الكَثيرونَ الآن، حَوْلَ ما يَعيشُهُ الأَمْنُ القَوْمِيُّ العَرَبِيُّ مِنْ لَحْظَةِ انْكِشافٍ فارِقَةٍ في تَاريخِهِ الحَديث، وَهِيَ لَحْظَةٌ باتَتْ تَفْرِضُ حَسْبَما يَذْهَبُ الكَثيرُ مِنَ الخُبَراء، ضَرورَةَ أَنْ تَتَجاوَزَ الكَثيرُ مِنَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ ما تَفْرِضُهُ حَساسِيَّةُ التَّوازُناتِ السِّياسِيَّةِ البَيْنِيَّة، التي تُمَثِّلُ الْعائِقَ الأَكْبَرَ أَمامَ تَفْعيلِ مُبادَرَةِ الدِّفاعِ العَرَبِيِّ المُشْتَرَك، والشُّروعِ في بِناءِ القُوَّةِ المُشْتَرَكَة، إِذْ لا بَديلَ أَمامَ العَرَبِ الآن، في مُواجَهَةِ تِلْكَ الحالَة، سِوى اسْتِثْمارِ الظَّرْفِ السِّياسِيّ، والشُّروعِ فَوْرًا في بِناءِ تِلْكَ القُوَّة، وَخَلْقِ حالَةٍ مِنَ التَّوافُقِ العامِّ حَوْلَها، وَتَحْويلِ المُبادَرَةِ مِنْ مُجَرَّدِ فِكْرَةٍ سِّياسِيَّة، إلى واقِعٍ عَسْكَرِيٍّ مَلْموسٍ قادِرٍ على مَلْءِ الفَراغِ الذي تَعيشُهُ المِنْطَقَةُ مُنْذُ عُقود وَتَرَكَها نَهْبًا لِمُغامَراتِ الأَجْنَبِيّ وَخُطَطِهِ الرّاميةِ لِلتَّوَسُّعِ في خَرائِطِ النُّفوذِ الإِقْليمِيّ!.
(خاص "عروبة 22")

