في تِلْكَ المَرْحَلَةِ المُبَكِّرَة، جَرَتْ مُحاوَلَةٌ أولى لِلتَّفْكيرِ الجَماعِيِّ في الأَمْنِ الإِقْليمِيِّ مِنْ داخِلِه، حينَ انْعَقَدَ اجْتِماعٌ في مَسْقَط بِدايَةِ عامِ 1975 ضَمَّ دُوَلَ الخَليج، إِضافَةً إلى إيرانِ الشّاهِ والعِراقِ البَعْثِيّ. كانَ الهَدَفُ واضِحًا وَهُوَ بِناءُ تَصَوُّرٍ مُشْتَرَكٍ لِحِمايَةِ المِنْطَقَة، غَيْرَ أَنَّ تِلْكَ المُحاوَلَةَ انْهارَتْ سَريعًا، لَيْسَ بِسَبَبِ نَقْصِ الرُّؤْيَة، بَلْ بِسَبَبِ صِراعٍ عَميقٍ بَيْنَ طَهْرانَ وَبَغْداد، إِذْ إِنَّ خِلافَهُما لا يُمْكِنُ أَنْ يُحْتَوى، وَكانا يَخوضانِ صِراعًا لَمْ يَكُنْ عَقْلانِيًّا بِقَدْرِ ما كانَ مُحَمَّلًا بِتاريخٍ مِنَ التَّوَجُّسِ مِنْ جِهَة، والأَوْهامِ الإِمْبِراطورِيَّةِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرى.
لَمْ تَمْضِ سَنَواتٌ حَتّى انْفَجَرَ ذَلِكَ التَّوَتُّرُ في حَرْبٍ ضَروسٍ بَيْنَ العِراقِ وَإيرانَ في ثَمانِينِيّاتِ القَرْنِ الْماضي، حَرْبٌ اسْتَمَرَّتْ زَمَنًا طَويلًا واسْتَنْزَفَتْ مَوارِدَ هائِلَة، وَدَفَعَتِ المِنْطَقَةَ بِأَسْرِها إلى حافَّةِ الخَطَر. في تِلْكَ اللَّحْظَة، أَدْرَكَتْ دُوَلُ الخَليجِ أَنَّ أَمْنَها لا يُمْكِنُ أَنْ يُتْرَكَ رَهينَةً لِتَوازُناتِ الآخَرين، وَأَنَّ عَلَيْها أَنْ تَبْنِيَ إِطارَها الْخاصّ. فَجاءَ مَجْلِسُ التَّعاوُنِ الخَليجِيُّ عامَ 1981 كَصيغَةٍ واقِعِيَّةٍ تَقومُ على التَّشَابُهِ الجُغْرافِيِّ والِاجْتِماعِيّ، وَعلى إِدْراكِ أَنَّ المَصيرَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ هَذِهِ الدُّوَل.
التفكير في أمن جماعي أصبح ضرورة استراتيجية والاتحاد الاقتصادي هو أحد أعمدة الاستقرار
حَقَّقَ المَجْلِسُ في بِداياتِهِ قَدْرًا مِنَ التَّنْسيق، وَأَوْجَدَ مِظَلَّةً سِياسِيَّةً وَأَمْنِيَّةً خَفَّفَتْ مِنْ وَطْأَةِ التَّحَدِّيات. غَيْرَ أَنَّ مُرورَ الزَّمَن، وَتَراجُعَ الإِحْساسِ بِالخَطَرِ المُباشِر، أَدَّيا إلى نَوْعٍ مِنَ التَّراخي، وَظَهَرَتْ تَبايُناتٌ داخِلِيَّةٌ أَبْطَأَتْ مَسيرَةَ التَّكامُل. وَنَشَأَ اعْتِقادٌ ضِمْنِيٌّ بِأَنَّ التَّهْديداتِ الكُبْرى قَدْ تَراجَعَت، على الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ جُذورَها لَمْ تَخْتَفِ بَلْ كانَتْ تُعيدُ تَشْكيلَ نَفْسِها بِهُدوء.
ثُمَّ جاءَ ما سُمِّيَ بِـ"الرَّبيعِ العَرَبِيّ"، الذي قَرَأَتْهُ إيرانُ بِاعْتِبارِهِ فُرْصَةً لِتَمْديدِ نُفوذِها، (وَامْتِدادًا لِثَوْرَةِ الخُمَيْني) وَمُحاوَلَةً لِإِعادَةِ إِنْتاجِ نَموذَجِها خارِجَ حُدودِها. لَكِنَّ دُوَلَ الخَليج، بِفَضْلِ تَماسُكِها الِاقْتِصادِيِّ وَتَوازُنِ سِياساتِها، اسْتَطَاعَتْ تَجاوُزَ تِلْكَ المَرْحَلَةِ بِأَقَلِّ الخَسائِر، وَهُوَ ما أَعادَ التَّأْكيدَ على أَنَّ الِاسْتِقْرارَ لَيْسَ صُدْفَة، بَلْ نَتيجَةُ إِدارَةٍ واعِيَة.
اليَوْم، وَمَعَ تَصاعُدِ المُواجَهَةِ بَيْنَ إيرانَ مِنْ جِهَة، والوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ وَإِسْرائيلَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرى، يَتَكَشَّفُ بِوُضوحٍ أَنَّ الخَلَلَ في مَنْظومَةِ الأَمْنِ الإِقْليمِيِّ لا يَزالُ قائِمًا. بَلْ إِنَّ دُوَلَ الخَليجِ أَصْبَحَتْ، بِدَرَجاتٍ مُتَفاوِتَة، عُرْضَةً لِتَداعِياتٍ مُباشِرَة، سَواءً عَبْرَ الِاسْتِهْدافِ العَسْكَرِيِّ أَوْ عَبْرَ التَّهْديداتِ غَيْرِ المُتَكافِئَة. لَمْ يَعُدِ الخَطَرُ نَظَرِيًّا، بَلْ باتَ مَلْموسًا، يَطْرُقُ الأَبْوابَ مِنْ دونِ اسْتِئْذان. وَخَسِرَتْ دُوَلُ الخَليجِ بَشَرًا وَحَجَرًا الشَّيْءَ الكَثير، وَبَلَغَتِ الفَاتورَةُ حَتّى الآن، كَما تُقَدِّرُ المَصادِرُ ما بَيْنَ 60 وَ80 بليون دولار، مُباشِرَةً أَوْ بِشَكْلٍ غَيْرِ مُباشِرٍ، كما تَعَرَّضَ أمْنُها لِتَهْديدٍ وُجودِيّ.
المخاطر التي تحيط بالمنطقة تبدأ من التهديدات العسكرية ولا تنتهي عند الحرب السيبرانية والاقتصادية
في هَذا السِّياق، يُصْبِحُ التَّفْكيرُ في أَمْنٍ جَماعِيٍّ أَكْثَرَ صَلابَةً لَيْسَ تَرَفًا فِكْرِيًّا، بَلْ ضَرورَةً اسْتْراتيجِيَّة. الفِكْرَةُ التي تَطْرَحُ نَفْسَها اليَوْمَ هِيَ الِانْتِقالُ مِنْ صيغَةِ التَّنْسيقِ إلى صيغَةِ التَّكامُل، عَبْرَ تَصَوُّرِ ما يُمْكِنُ تَسْمِيَتُهُ بِـ"ناتو خَليجِيّ" واضِحِ المَعالِمِ لَيْسَ بِالضَّرورَةِ نُسْخَةً مُكَرَّرَةً مِنَ التَّجْرِبَةِ الغَرْبِيَّة، بَلْ نَموذَجٌ يَتَناسَبُ مَعَ خُصوصِيَّةِ المِنْطَقَة، يَقومُ على تَوْحيدِ العَقيدَةِ العَسْكَرِيَّة، وَتَكامُلِ القُدُراتِ الدِّفاعِيَّة، وَبِناءِ مَنْظومَةِ رَدْعٍ مُشْتَرَكَةٍ وَوَحْدَةٍ اقْتِصادِيَّة.
إلى جانِبِ ذَلِك، لا يُمْكِنُ فَصْلُ الأَمْنِ العَسْكَرِيِّ عَنِ الأَمْنِ الِاقْتِصادِيّ. فَالاتِّحادُ الِاقْتِصادِيُّ لَيْسَ مُجَرَّدَ مَشْروعٍ رَفاهِيّ، بَلْ هُوَ أَحَدُ أَعْمِدَةِ الِاسْتِقْرار. كُلَّما زادَ التَّرابُطُ الِاقْتِصادِيُّ بَيْنَ دُوَلِ الخَليج، زادَتْ قُدْرَتُها على امْتِصاصِ الصَّدَماتِ وَتَقْليلِ قابِلِيَّةِ الِاخْتِراقِ الأَمْنِيّ، فَالأَمْنُ في مَعْناهُ الحَديث، هُوَ شَبَكَةٌ مُتَداخِلَةٌ مِنَ المَصالِح، وَلَيْسَ فَقَطْ مَنْظومَةَ سِلاح.
العالَمُ مِنْ حَوْلِنا يَتَغَيَّرُ بِسُرْعَة. القَواعِدُ التي أَرْسَتْها مَرْحَلَةُ ما بَعْدَ الحَرْبِ العالَمِيَّةِ الثَّانِيَةِ تَتَآكَل، والقانونُ الدَّوْلِيُّ يَتَعَرَّضُ لِاخْتِباراتٍ قاسِيَة، بَلْ إِنَّ بَعْضَهُ يُخْتَرَقُ عَلَنًا مِنْ دونِ رادِع. في مِثْلِ هَذَا المُناخ، لا يَكْفي أَنْ تَلْتَزِمَ الدُّوَلُ بِالقَواعِد، بَلْ يَجِبُ أَنْ تَمْتَلِكَ القُدْرَةَ على حِمايَةِ نَفْسِها حينَ تُنْتَهَكُ تِلْكَ القَواعِد.
إِنَّ المَخاطِرَ التي تُحيطُ بِالمِنْطَقَةِ اليَوْمَ لَيْسَتْ صَغيرَة، بَلْ مُرَكَّبَةٌ وَمُتَداخِلَة، تَبْدَأُ مِنَ التَّهْديداتِ العَسْكَرِيَّةِ وَلا تَنْتَهي عِنْدَ الحَرْبِ السّيبْرانِيَّةِ والِاقْتِصادِيَّة. والبَقاءُ في مَوْقِعِ الِانْتِظار، أَوِ التَّعْويلُ على تَوازُناتٍ خارِجِيَّة، لَمْ يَعُدْ خِيارًا آمِنًا. التّاريخُ القَريبُ يَقولُ بِوُضوحٍ إِنَّ الفَراغَ في هَذِهِ المِنْطَقَةِ لا يَبْقى فارِغًا، بَلْ تَمْلَؤُهُ قُوى أُخْرى وِفْقَ مَصالِحِها.
الاتحاد شرط بقاء والفرقة مدخل إلى الهشاشة
لا أَحَدَ يَعْرِفُ على وَجْهِ اليَقينِ ما سَوْفَ تُسْفِرُ عَنْهُ الحَرْبُ القائِمَة، وَقَدْ يَبْقى النِّظامُ الإيرانِيُّ بَعْدَ جُرْحِهِ مِنْ دونِ هَزيمَةٍ فَيُصْبِحُ خَطَرًا على الأَمْن، أَوْ تَتَفَتَّتُ إيرانُ إلى قُوًى مُتَصارِعَةٍ وَبِالتّالي تُسَبِّبُ إِخْلالًا بِالأَمْن، والسّينارْيواتُ حَتّى الآنَ غَيْرُ واضِحَةٍ وَلا يُمْكِنُ التَّكَهُّنُ بِها.
الخُطُواتُ التي تَفْرِضُ نَفْسَها تَنطَلِقُ مِنْ أَنَّ دُوَلَ الخَليجِ أَمامَ لَحْظَةٍ مِفْصَلِيَّة، فَإِمّا أَنْ تَرْتَقِيَ بِفِكْرَةِ مَجْلِسِ التَّعاوُنِ إلى مُسْتَوى اتِّحادٍ فِعْلِيٍّ في الأَمْنِ والِاقْتِصادِ والسِّياسَة، وَتَبْدَأُ الدِّراساتُ والمُشاوَراتُ في ذَلِكَ الِاتِّجاه، أَخْذًا بِما يَفْرِضُهُ الواقِعُ وَتَحَسُّبًا لِلمُسْتَقْبَل، أَوْ أَنْ تَبْقى في مِنْطَقَةٍ رَمادِيَّةٍ تَزْدادُ فيها المَخاطِرُ مَعَ مُرورِ الوَقْت. الِاتِّحادُ لَيْسَ شِعارًا، بَلْ شَرْطُ بَقاء، والفُرْقَةُ لَيْسَتِ اخْتِلافًا في الرَّأْيِ فَقَط، بَلْ مَدْخَلٌ إلى الهَشاشَة.
في عالَمٍ لَمْ يَعُدِ القانونُ يَحْمي فيهِ الضُّعَفاء، يُصْبِحُ التَّماسُكُ الخَليجِيُّ شَرْطَ بَقاء... لا تَرَفَ سِياسَة!.
(خاص "عروبة 22")

