وجهات نظر

"المُفاجَأَةُ الإيرانِيَّة".. المُتَوَقَّعَةُ جِدًّا!

قَبْلَ صَباحِ السَّبْتِ 28 فِبْرايِر/شُباطَ مِنَ الْعامِ الْجاري، لَوْ سَأَلْتَ باحِثًا مُدَقِّقًا أَوْ ديبْلوماسِيًّا خَبيرًا أَوْ مَرْكَزَ دِراساتٍ عَنْ رَدِّ الفِعْلِ الإيرانِيِّ في حالِ مُواجَهَةِ حَرْبٍ أَميرْكِيَّةٍ مُباشِرَة، لَعَدَّدَ لَكَ بِوُضوحٍ وَسُهولَةٍ مُفْرَداتِ السُّلوكِ الإيرانِيِّ التي يَحْفَظُها كُلُّ دارِسٍ وَمُتابِعٍ على مَدارِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ عُقود.

رَفْعُ كُلْفَةِ الحَرْبِ على الدّاخِلِ الأَميرْكِيِّ وَالغَرْبِيِّ بِضَرْبِ سوقِ النَّفْطِ عَبْرَ غَلْقِ مَضيقِ هُرْمُزَ بِالزَّوارِقِ الاِنْتِحارِيَّةِ وَالأَلْغام، وَتَحْريكِ الوُكَلاءِ في العِراقِ وَلُبْنانَ وَاليَمَنِ لِضَرْبِ حَرَكَةِ المِلاحَةِ وَاسْتِهْدافِ المَصالِحِ الأَميرْكِيَّة، وَأَخْذِ دُوَلِ الخَليجِ رَهينَةً عَبْرَ اسْتِهْدافِ مَرافِقِ الطّاقَةِ لَدَيْها وَالقَواعِدِ العَسْكَرِيَّةِ الأَميرْكِيَّةِ وَتَجَمُّعاتِ الجالِياتِ الأَجْنَبِيَّة، فَضْلًا عَنِ الاِسْتِهْدافِ الصّارُوخِيِّ المُكَثَّفِ وَالمُجَرَّبِ لِلْكِيانِ الصُّهْيونِيِّ عَبْرَ مَنْظومَةِ صَواريخَ مُتَطَوِّرَةٍ وَقادِرَةٍ على الإيلامِ تَمَّ تَجْريبُها جُزْئِيًّا في حَرْبِ الـ12 يَوْمًا قَبْلَ نَحْوِ تِسْعَةِ أَشْهُر.

تِلْكَ الْمَعْلوماتُ المَبْدَئِيَّةُ التي كانَ القاصي وَالدّاني يَعْرِفُها، وَتَخْضَعُ لِلدِّراسَةِ في واشِنْطُن وَعَواصِمِ الخَليج، بَدَتْ وَبِمُجَرَّدِ بَدْءِ الضَّرَباتِ الأَميرْكِيَّةِ على طَهْرانَ وَكَأَنَّها مُفاجَأَةٌ صادِمَة.

عقيدة استراتيجية إيرانية تقوم على توظيف الجغرافيا والطاقة والممرات البحرية كعناصر قوة غير تقليدية

بَدا سُلوكُ الرَّئيسِ الأَميرْكِيِّ دونالد ترامب وَتَصْريحُهُ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ عَنْ كَوْنِهِ فوجِئَ بِرَدِّ الفِعْلِ الإيرانِيّ، شَبيهًا بِمُوَظَّفٍ حُكومِيٍّ عَلِمَ مُسْبَقًا أَنَّ مُديرَهُ سَيَقومُ بِزِيارَةٍ تَفْتيشِيَّةٍ مُفاجِئَةٍ لِمَكْتَبِه، فَتَظاهَرَ بِالمُفاجَأَة، لَكِنَّ الفارِقَ بَيْنَ ترامب وَذَلِكَ المُوَظَّفِ هُوَ في دَرَجَةِ الاِسْتِعْداد، فَبينما يَهْرَعُ المُوَظَّفُ الحُكومِيُّ لِتَسْتيفِ أَوْراقِهِ وَتَجْميلِ مَكْتَبِهِ لِتَمُرَّ الزِّيارَةُ على خَيْر، لَمْ يَفْعَلْ دُونالد ترامب وَلا إِدارَتُهُ أَيَّ شَيْءٍ في سِياقِ الاِسْتِعْدادِ لِلرَّدِّ الإيرانِيّ، وَهُوَ السُّلوكُ الَّذي يَحْتاجُ إلى الكَثيرِ مِنَ الفَحْصِ وَالتَّحْليل.

مُنْذُ انْتِصارِ الثَّوْرَةِ الإِسْلامِيَّة، لَمْ تُخْفِ طَهْرانُ أَدَواتِها في الرَّدْع، وَلَمْ تَتْرُكْ خُصومَها في حالَةِ غُموضٍ بِشَأْنِ خُطوطِها الْحَمْراء. على العَكْس، يُمْكِنُ القَوْلُ إِنَّ إيرانَ كانَتْ مِنْ أَكْثَرِ الدُّوَلِ وُضوحًا - بَلْ وَتِكْرارًا - في الإِعْلانِ عَنْ أَنَّ أَيَّ مُواجَهَةٍ مُباشِرَةٍ مَعَها سَتَتَجاوَزُ حُدودَ الضَّرَباتِ العَسْكَرِيَّةِ التَّقْليدِيَّة، لِتَطالَ شَرايينَ الاِقْتِصادِ العالَمِيّ، وَعلى رَأْسِها مَضيقُ هُرْمُز، وَأَمْنُ الخَليج، وَسوقُ النَّفْطِ الدَّوْلِيَّة.

لَمْ يَكُنْ هَذَا التَّهْديدُ يَوْمًا مُجَرَّدَ وَرَقَةٍ دِعائِيَّة، بَلْ جَرى تَرْسيخُهُ عَبْرَ تَدْريباتٍ عَسْكَرِيَّة، وَتَصْريحاتٍ رَسْمِيَّة، وَتَحَرُّكاتٍ مَيْدانِيَّةٍ مُتَكَرِّرَة. وَبالتّالي، فَإِنَّ أَيَّ حَديثٍ عَنْ "مُفاجَأَةٍ" غَرْبِيَّةٍ مِنِ اسْتِخْدامِ إيرانَ لِهَذِهِ الوَرَقَة، يَبْدو وَكَأَنَّهُ تَجاهُلٌ مُتَعَمَّدٌ لِتاريخٍ طَويلٍ مِنَ الإِشاراتِ الواضِحَة، وَقَواعِدِ الاِشْتِباكِ المُعْلَنَةِ وَفي القَلْبِ مِنْها المَبْدَأُ الإيرانيّ: "لا نَرُدُّ حَيْثُ نُضْرَبُ، بَلْ حَيْثُ يَتَأَلَّمُ الخُصوم".

طهران لا تحتاج إلى مضاهاة القوة العسكرية الأميركية بقدر ما تحتاج إلى تهديد المصالح الحيوية المرتبطة بها

هَذِهِ القاعِدَةُ لَيْسَتْ نَظَرِيَّةً مُجَرَّدَة، بَلْ هِيَ عَقيدَةٌ اسْتْراتيجِيَّةٌ كامِلَة، تَقومُ على تَوْظيفِ عَناصِرِ القُوَّةِ غَيْرِ التَّقْليدِيَّة: الجُغْرافيا، الطّاقَة، وَالمَمَرّاتُ البَحْرِيَّة. وَفي القَلْبِ مِنْ هَذِهِ المُعادَلَة، يَبْرُزُ مَضيقُ هُرْمُزَ بِوَصْفِهِ السِّلاحَ الأَكْثَرَ حَسَّاسِيَّةً وَتَأْثيرًا، وَدُوَلُ الخَليجِ بِوَصْفِها صاحِبَةَ النُّفوذِ المالِيِّ الكَبيرِ وَالاِقْتِصادِ القائِمِ على الاِسْتِقْرار.

وَما جَرى وَيَجْري الآنَ في المُواجَهَةِ لَمْ يَكُنْ خُروجًا عَنِ النَّصّ، بَلْ تَطْبيقًا شِبْهَ حَرْفِيٍّ لِما تَوَقَّعَتْهُ الدِّراساتُ الاِسْتْراتيجِيَّةُ مُنْذُ سَنَوات، وَلِنَمَطِ الْمُمارَساتِ الْإيرانِيَّةِ السّابِقَةِ وَمِنْها حَرْبُ النّاقِلاتِ خِلالَ الحَرْبِ مَعَ العِراق، حينَ اسْتَهْدَفَتْ إيرانُ السُّفُنَ النَّفْطِيَّةَ في الخَليج، في مُحاوَلَةٍ واضِحَةٍ لِتَدْويلِ الصِّراعِ وَنَقْلِهِ إلى الاِقْتِصادِ العالَمِيّ (1980 - 1988).

هَذِهِ المُعادَلَةُ تَمْنَحُ طَهْرانَ قُدْرَةَ رَدْعٍ غَيْرَ مُتَكافِئَة، إِذْ لا تَحْتاجُ إلى مُضاهاةِ القُوَّةِ العَسْكَرِيَّةِ الأَميرْكِيَّة، بِقَدْرِ ما تَحْتاجُ إلى تَهْديدِ الْمَصالِحِ الحَيَوِيَّةِ المُرْتَبِطَةِ بِها.

لَكِنَّ الإِدارَةَ الأَميرْكِيَّةَ تُصِرُّ على تَصْديرِ "الدَّهْشَة"، لِيَبْدُوَ السُّؤالُ الأَهَمّ: لِماذا يَقولُ ترامب إِنَّهُ فوجِئ؟ وَهَلْ فوجِئَ فِعْلًا بِرَدِّ الفِعْلِ الإيرانِيّ؟!.

الأَرْجَحُ أَنَّ دونالد ترامب فوجِئَ بِفَشَلِ تَقْديراتِهِ التي أَدْخَلَها إلى عَقْلِهِ بِنْيامين نِتِنْياهو وَمُديرُ موسادِه، فَراهَنَ بِالخَطَأِ على انْهيارِ النِّظامِ الإيرانِيِّ بِالقَضاءِ على رَأْسِهِ وَاغْتِيالِ المُرْشِدِ وَتَعَطُّلِ قُدْرَتِهِ على تَنْفيذِ سينارْيو الرَّدِّ الْكامِلِ وَالمُوجِع، ما يُظْهِرُ أَنَّ كُلَّ سينارْيو الرَّدِّ الإيرانِيِّ كانَ حاضِرًا على الطّاوِلَة، لَكِنَّ احْتِمالًا ضَعيفًا بِتِكْرارِ سينارْيو فِنِزْويلا، رَبِحَ في عَقْلِ ترامب على الاِحْتِمالاتِ الأَقْوى بِتَوَسُّعِ الصِّراعِ وَتَعَدُّدِ تَأْثيراتِهِ على العالَمِ كُلِّه.

الإدارة الأميركية قامرت بالمنطقة وبحلفائها العرب لصالح نتنياهو ورغباته وأحلامه

هُنا لَمْ يَكُنْ أَمامَ ترامب سِوى تَوْظيفِ "المُفاجَأَةِ" سِياسِيًّا، فَالحَديثُ عَنِ الدَّهْشَةِ لَيْسَ دائِمًا تَعْبيرًا عَنْ جَهْل، بَلْ أَداةٌ لِتَخْفيفِ الأَثَر، فَالإِقْرارُ بِأَنَّ الرَّدَّ الإيرانِيَّ كانَ مُتَوَقَّعًا يَعْني الاِعْتِرافَ بِسوءِ التَّقْدير، أَوْ بِقَبولِ الْمُخاطَرَةِ المُسْبَقَةِ بِتَصْعيدٍ إِقْليمِيٍّ واسِع. لِذَلِكَ، يُصْبِحُ الحَديثُ عَنْ "دَهْشَة"، وَسيلَةً لِتَبْريرِ ما حَدَثَ وَإِعادَةِ تَسْويقِهِ داخِلِيًّا وَخارِجِيًّا.

لا يُمْكِنُ بِأَيِّ حالٍ الزَّعْمُ بِأَنَّ دَوْلَةً مِثْلَ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ وَحُلَفائِها في الخَليجِ الأَكْثَرَ تَضَرُّرًا مِنْ هَذا الهُجومِ الأَميرْكِيِّ على إيرانَ فوجِئوا بِالرَّدِّ الإيرانِيّ، لَكِنَّ الحَقيقَةَ الواضِحَةَ أَنَّ الإِدارَةَ الأَميرْكِيَّةَ قامَرَتْ بِالمَنْطِقَةِ وَبِحُلَفائِها العَرَبِ لِصالِحِ نِتِنْياهو وَرَغَباتِهِ وَأَحْلامِه، وَجَرَّتِ العالَمَ وَمَنْطِقَةَ الشَّرْقِ الأَوْسَطِ إلى حَرْبٍ "اخْتِيارِيَّة" - بِتَعْبيرِ صَحيفَةِ "هَآرِتْس" - لَمْ يَسْتَعِدَّ لَها أَيُّ طَرَفٍ في المَنْطِقَةِ غَيْرَ إيرانَ وَإِسْرائيل، وَارْتَفَعَتْ فاتورَةُ تَصْفِيَةِ الْحِساباتِ بَيْنَهُما لِتَدْفَعَها كُلُّ الْمِنْطِقَةِ وَشُرَكائِها بِلا اسْتِثْناء.

(خاص "عروبة 22")
?

في ظل ما أظهرته إيران من عدوانية تجاه العرب وعدم فعالية القواعد الأميركية في حماية الخليج العربي، هل تؤيد تشكيل "ناتو" عسكري عربي؟



الإجابة على السؤال

يتم التصفح الآن