تَبْدو الْحالَةُ العَرَبِيَّةُ الرّاهِنَةُ عِبارَةً عَنْ لَوْحَةٍ سَوْداءَ قاتِمَة. فَعَلاوَةً على حالَةِ التَّشَرْذُمِ وَالاِنْقِسامِ السِّياسِيّ، كَشَفَ العُدْوانُ العَسْكَرِيُّ الذي تَتَعَرَّضُ لَهُ دُوَلُ الخَليِج عَنْ حالَةِ عَجْزٍ مُزْمِنٍ في مُسْتَوى مُباشَرَةِ رُدودِ فِعْلٍ تَرْتَقي إلى مُسْتَوى التَّحَدِّياتِ القائِمَة.
حرب الخليج الثانية كانَت المُنطلق الدراماتيكي للأزمة العربية الراهنة
لَئِنْ بَرَّرَتْ إِيرانُ عَمَلِيّاتِها العَسْكَرِيَّةَ المُنْتَهِكَةَ لِحُرْمَةِ البُلْدانِ الخَليجيَّةِ على أَساسِ وُجودِ قَواعِدَ أَميرْكِيَّةٍ مُعادِيَةٍ لَها تُقَدِّمُ دَعْمًا لوجيسْتِيًّا لِلْعُدْوانِ الأَميرْكِيِّ - الإِسْرائيلِيِّ عَلَيْها، فَإِنَّ الدُّوَلَ العَرَبِيَّةَ لَمْ تَسْتَطِعْ إلى حَدِّ هَذِهِ اللَّحْظَةِ حَتّى صِياغَةَ خِطابٍ سِياسِيٍّ واضِحٍ مُتَماسِكٍ يَتَجاوَزُ دائِرَةَ التَّنْديدِ وَالاِسْتِنْكارِ وَالوَعيدِ إلى فَتْحِ آفاقِ تَدْبيرٍ جَديدَةٍ لِلْقَضايا العالِقَة!.
يَتَطَلَّبُ فَهْمُ الأَزْمَةِ العَرَبِيَّةِ الرّاهِنَةِ البَحْثَ عَنْ جُذورِها التي يُمْكِنُ القَوْلُ إِنَّ حَرْبَ الخَليجِ الثّانِيَةَ سَنَةَ 1991 غَداةَ الاِجْتِياحِ العِراقِيِّ لِلْكُوَيْتِ كانَتْ مُنْطَلَقَها الدّراماتِيكِيّ. إِذِ انْدَفَعَتْ بَعْضُ الأَنْظِمَةِ السِّياسِيَّةِ العَرَبِيَّةِ المُؤَثِّرَةِ وَقْتَها إلى تَوْفيرِ غِطاءٍ سِياسِيٍّ ديبْلوماسِيٍّ لِانْتِصابِ القُوّاتِ الأَميرْكِيَّةِ في دُوَلِ الخَليجِ بَدَلَ التَّرْكيزِ على مُعالَجَةِ خَطيئَةِ الاِجْتِياحِ العِراقِيِّ لِلْكُوَيْتِ في إِطارٍ عَرَبِيٍّ إِسْلامِيٍّ أَوْ عالَمٍ ثالِثِيّ.
يَكْفي في هَذا الصَّدَدِ العَوْدَةُ إلى تَصْريحاتِ النِّظامِ المِصْرِيِّ آنَذاكَ لإِدْراكِ حَجْمِ القُصورِ الاِسْتْراتيجِيِّ الذي يَدْفَعُ ضَريبَتَهُ العالَمُ العَرَبِيُّ اليَوْم. فَبَدَلَ أَنْ يُنْظَرَ إلى القَضِيَّةِ في كُلِّيَّتِها ضِمْنَ التَّوازُناتِ الجِيوسْتْراتيجِيَّة، مِثْلَ أَهَمِيَّةِ العِراقِ في الأَمْنِ القَوْمِيِّ العَرَبِيّ، فَإِنَّهُ قَدْ تَمَّ اخْتِزالُ القَضِيَّةِ وَتَخْطِئَتُها بِطَريقَةٍ رَكَّزَتْ على الحَقِّ الكُوَيْتِيِّ وَذَهَلَتْ عَنْ بَقِيَّةِ الأَبْعادِ الأُخْرى. وَكُلُّ ما حَدَثَ وَيَحْدُثُ في المَنْطِقَةِ العَرَبِيَّةِ اليَوْمَ لَيْسَ إِلّا نَتائِجَ لِذَلِكَ المُنْعَرَجِ التّاريخِيِّ الْحاسِم.
يجب البحث عن بديل عربي للقواعد الأميركية
تَسْتَدْعي مُعالَجَةُ الحالَةِ العَرَبِيَّةِ الرّاهِنَةِ التَّفْريقَ بَيْنَ البْراغْماتِيَّةِ وَالْعَشْوائِيَّةِ الاِنْتِهازِيَّة. فَالبْراغْماتِيَّةُ السِّياسِيَّةُ بِقَدْرِ ما تَقْتَضي الْواقِعِيَّةَ وَالمُرونَة، فَإِنَّها لا تَتَوَقَّفُ عَنِ التَّفْكيرِ المَنْهَجِيِّ العَقْلانِيِّ الذي لا يَكِلُّ وَلا يَمَلُّ مِنَ البَحْثِ عَنْ حُلولٍ عَمَلِيَّةٍ بِما تَقْتَضيهِ خُصوصِيَّةُ كُلِّ حالَةٍ أَوْ مَرْحَلَةٍ وِفْقَ سينارْيُوَاتٍ مُتَعَدِّدَةِ المَدى. أَمّا العَشْوائِيَّةُ الاِنْتِهازِيَّةُ فَهِيَ مَحْكومَةٌ بِمِزاجِيَّةٍ ارْتِجالِيَّةٍ وَبِمَصالِحَ فِئَوِيَّةٍ ضَيِّقَةٍ بِحُكْمِ ارْتِباطِها بِنَزَواتِ الحُكْمِ الفَرْدِيِّ وَتَغْييبِها لِلنَّظَرِ الهَيْكَلِيِّ المُؤَسَّساتِيّ.
إِذا كانَ المَوْقِفُ الخَليجِيُّ اليَوْمَ القائِمُ على سِياسَةِ ضَبْطِ النَّفْسِ لا يَخْلو مِنْ مَكْرٍ سِياسِيٍّ بِحُكْمِ أَنَّهُ انْتَبَهَ إلى المُخَطَّطِ الإِسْرائيلِيِّ الذي يُريدُ تَحْقيقَ خَريطَةِ إِسْرائيلَ الكُبْرى عَبْرَ إِشْعالِ نارِ حَرْبٍ سُنِّيَّةٍ - شيعِيَّةٍ تُنْهِكُ قُوى المِحْوَرَيْنِ العَرَبِيِّ وَالإِيرانِيِّ وَتَسْتَنْزِفُهُما، فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ كافٍ وَلا يَرْتَقي إلى مُسْتَوى البْراغْماتِيَّةِ السِّياسِيَّةِ المَطْلوبَة، التي تَتَطَلَّبُ تَجْذيرَ الوَعْيِ بِوَحْدَةِ المَصيرِ العَرَبِيِّ المُشْتَرَك. إِذْ مِنْ شَأْنِ ذَلِكَ التَّجْذيرِ أَنْ يُفْضِيَ إلى البَحْثِ عَنْ بَديلٍ عَرَبِيٍّ لِلْقَواعِدِ الأَميرْكِيَّةِ نَحْوَ بَعْثِ هَيْكَلٍ عَرَبِيٍّ جَديدٍ على أَنْقاضِ جامِعَةِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّة. وَإِذا لَمْ تَكُنِ الرَّوابِطُ التّاريخِيَّةُ المُشْتَرَكَةُ كَفيلَةً بِنَشْأَةِ ذَلِكَ البَديلِ العَرَبِيّ، فَإِنَّ المَخاطِرَ الوُجودِيَّةَ المُحْدِقَةَ بِالعالَمِ العَرَبِيِّ لَمْ يَعُدْ مِنَ المُمْكِنِ تَجاهُلُها. لِذا فَهِيَ صالِحَةٌ لِتَكونَ أَرْضِيَّةً مُشْتَرَكَةً لِلْبَديلِ العَرَبِيِّ الجَديدِ ضِمْنَ تَبادُلِ المَصالِحِ وَتَفادي المَخاطِر.
لا مناص من وضع سياسات واستراتيجيات دفاع عربية مشتركة على أسس ثابتة
يُمْكِنُ أَنْ يَضْطَلِعَ الخِطابُ العَرَبِيُّ الرَّسْمِيُّ سَواءٌ أَكانَ سِياسِيًّا أَمْ دينِيًّا بِدَوْرٍ فاعِلٍ في ذَلِكَ التَّوَجُّهِ البْراغْماتِيِّ الجَديد. إِذْ حانَ الوَقْتُ لأَنْ تَتَصالَحَ الأَنْظِمَةُ العَرَبِيَّةُ مَعَ شُعوبِها ضِمْنَ مُصالَحَةٍ وَطَنِيَّةٍ مُؤَسَّسَةٍ على الاِعْتِرافِ المُتَبادَلِ بَدَلَ الإِقْصاءِ وَتَزْييفِ الوَعْي. وَيَتَعَيَّنُ في هَذَا الصَّدَدِ العَمَلُ على اسْتِثْمارِ الخِطابِ الدّينِيِّ بِصِفَتِهِ رَأْسَمالًا رَمْزِيًّا مَهْدورًا لَمْ يَتَمَّ اسْتِثْمارُهُ في التَّمْهيدِ لِبْراغْماتِيَّةٍ سِياسِيَّةٍ رَشيدَة.
يَتَوَجَّبُ كَذَلِكَ انْتِهاجُ خُطُواتٍ عَمَلِيَّةٍ على مُخْتَلِفِ الأَصْعِدَة، لا سِيَّما في مُسْتَوى السِّياسَةِ الخارِجِيَّة. فَبَعْدَ أَنْ أَثْبَتَتِ الحَرْبُ الرّاهِنَةُ عَجْزَ القَواعِدِ الأَميرْكِيَّةِ عَنْ تَوْفيرِ الحِمايَةِ الْكافِيَةِ لِلدُّوَلِ الخَليجيَّة، فَإِنَّهُ لا مَناصَ مِنْ تَجاوُزِها نَحْوَ وَضْعِ سِياساتٍ وَاسْتْراتيجِيّاتِ دِفاعٍ عَرَبِيَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ على أُسُسٍ ثابِتَةٍ غَيْرِ قابِلَةٍ لِلتَّأَثُّرِ بِالمِزاجِ السِّياسِيِّ وَتَغَيُّرِ الأَنْظِمَةِ السِّياسِيَّة. فَقَدْ عَلَّمَتْنا دُروسُ التّاريخِ إِمْكانِيَّةَ انْبِثاقِ القُوَّةِ مِنَ الضَّعْف، وَالاِزْدِهارِ مِنَ الاِنْهيار. أَلَمْ يَقُلْ شاعِرُنا "اشْتَدِّي أَزْمَةُ تَنْفَرِجي"؟!.
(خاص "عروبة 22")

