تَبْدو الأَهْدافُ المُعْلَنَةُ واضِحَة: وَقْفُ البَرْنامَجِ النَّوَوِيِّ الإيرانِيّ، وَكَبْحُ النُّفوذِ الإِقْليمِيِّ لِطَهْران، وَمَنْعُ تَشَكُّلِ قُوَّةٍ قادِرَةٍ على تَحَدّي النِّظامِ الدَّوْلِيِّ الذي تَقودُهُ الوِلاياتُ المُتَّحِدَة، وَإعادَةُ ضَبْطِ تَوازُناتِ القُوَّةِ في المَنْطِقَة. غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ الأَهْداف، على وُضوحِها، لا تُمَثِّلُ سِوى السَّطْحِ الظّاهِرِ لِحَرْبٍ تَتَحَرَّكُ في مُسْتَوَياتٍ أَعْمَق، حَيْثُ تَتَبايَنُ مُقارَباتُ الفاعِلينَ حَتّى وَهُمْ يَتَقاطَعونَ في ساحَةٍ واحِدَة. خَلْفَ هَذِهِ الأَهْدافِ المُعْلَنَةِ تَخْتَبِئُ أَهْدافٌ أُخْرى أَعْمَقُ وَأَكْثَرُ خُصوصِيَّةً لِكُلِّ طَرَف.
المسار الأميركي للحرب يسعى إلى إدارة التوازنات العالمية عبر بوابة الطاقة
واشِنْطُن لا تَنْظُرُ إلى هَذِهِ الحَرْبِ بِوَصْفِها صِراعًا مَعَ إيرانَ فَحَسْب، بَلْ كَجُزْءٍ مِنْ مُعادَلَةٍ أَوْسَعَ تَتَعَلَّقُ بِمَوْقِعِها في النِّظَامِ الدَّوْلِيّ. مِنْ هُنا فالرَّئيسُ الأَميرْكِيُّ يَخوضُ حَرْبَهُ الْخاصَّةَ مَدْفوعًا بِحِساباتِ الْهَيْمَنَةِ على مَنابِعِ الطّاقَةِ الكُبْرى في العالَم، فَإيرانُ والخَليجُ مَعًا يُمَثِّلانِ أَحَدَ أَكْبَرِ خَزّاناتِ الطّاقَةِ في الْعالَم، والسَّيْطَرَةُ المُباشِرَةُ أَوْ غَيْرُ المُباشِرَةِ على هَذِهِ المَنْطِقَةِ تَعْني امْتِلاكَ وَرَقَةِ ضَغْطٍ حاسِمَةٍ في الِاقْتِصادِ الدَّوْلِيِّ وَفي مَوازينِ القُوَّةِ بَيْنَ القُوى الكُبْرى.
لَيْسَتِ الْمَسْأَلَةُ مُجَرَّدَ نَفْط، بَلِ القُدْرَةُ على تَوْظيفِ الجُغْرافْيا الِاقْتِصادِيَّةِ بِوَصْفِها أَداةَ نُفوذٍ في مُواجَهَةِ قُوًى صاعِدَة، وَفي مُقَدِّمَتِها الصّين. وَمِنْ ثَمَّ، فَإنَّ إِدارَةَ هَذَا الصِّراعِ تَنْدَرِجُ ضِمْنَ مَنْطِقٍ أَوْسَعَ يَسْعى إلى مَنْعِ تَآكُلِ المَكانَةِ الأَميرْكِيَّةِ في النِّظامِ العالَمِيّ.
أَمّا إِسْرائيل، فَتَتَحَرَّكُ ضِمْنَ أُفُقٍ مُخْتَلِف، وَإنْ بَدا مُتَقاطِعًا. فَهِيَ لا تَسْتَهْدِفُ إيرانَ بِوَصْفِها خَصْمًا مُباشِرًا فَقَط، بَل بِوَصْفِها إِحْدى الرَّكائِزِ القَليلَةِ المُتَبَقِّيَةِ لِأَيِّ تَوازُنٍ إِقْليمِيٍّ مُحْتَمَل.
وَمِنْ هُنا، فَإِنَّ رَئيسَ الوُزَراءِ الإِسْرائيلِيَّ يَخوضُ حَرْبًا مُخْتَلِفَةً في جَوْهَرِها، تَتَجاوَزُ إيرانَ ذاتَها إلى مَشْروعٍ أَوْسَعَ يَسْعى إلى فَرْضِ تَفَوُّقٍ حاسِمٍ يُكَرِّسُ إِسْرائيلَ بِوَصْفِها القُوَّةَ المُهَيْمِنَةَ في الشَّرْقِ الأَوْسَطِ وَيُعيدُ تَشْكيلَ الإِقْليمِ بِما يَضْمَنُ أَمْنَها الِاسْتْراتيجِيَّ لِعُقودٍ طَويلَة.
هدف نتنياهو أن تصبح إسرائيل القوّة الوحيدة القادرة على فرض قواعد اللعبة لا مجرّد طرف مُتفوّق داخلها
ما تَسْعى إِلَيْهِ تَلْ أَبيب يَتَجاوَزُ مَنْطِقَ الرَّدْعِ أَوِ الِاحْتِواءِ إلى مُحاوَلَةٍ أَعْمَقَ لِإِعادَةِ هَنْدَسَةِ الإِقْليمِ ذاتِه، عَبْرَ تَفْكيكِ أَوْ إِنْهاكِ القُوى القادِرَةِ على إِنْتاجِ تَوازُنٍ مُضادّ. هَدَفُ نِتِنْياهو لَيْسَ الِانْتِصارَ في حَرْبٍ بِعَيْنِها، بَلِ الوُصولُ إلى وَضْعٍ بُنْيَوِيٍّ تُصْبِحُ فيهِ إِسْرائيلُ القُوَّةَ الوَحيدَةَ القادِرَةَ على فَرْضِ قَواعِدِ اللُّعْبَة، لا مُجَرَّدَ طَرَفٍ مُتَفَوِّقٍ داخِلَها.
وَهَكَذَا تَبْدو هَذِهِ الحَرْبُ وَكَأًنَّها حَرْبٌ واحِدَةٌ في ظاهِرِها، لَكِنَّها في حَقيقَتِها تَدورُ في مَسارَيْنِ مُتَداخِلَيْن: مَسارٌ أَميرْكِيٌّ يَسْعى إلى إِدارَةِ التَّوازُناتِ العالَمِيَّةِ عَبْرَ بَوّابَةِ الطّاقَة، وَمَسارٌ إِسْرائيلِيٌّ يَعْمَلُ على إِعادَةِ تَشْكيلِ الشَّرْقِ الأَوْسَطِ وَتَرْتيبِ تَوازُناتِه.
وَبَيْنَ هَذَيْنِ المَسارَيْن، يَتَحَوَّلُ الإِقْليمُ إلى ساحَةِ اخْتِبارٍ مَفْتوحَة، لا تُحْسَمُ فيها النَّتائِجُ فَقَطْ على مُسْتَوى القُوَّةِ العَسْكَرِيَّة، بَل على مُسْتَوى تَعْريفِ مَنْ يَمْلِكُ حَقَّ تَشْكيلِ النِّظامِ الإِقْليمِيِّ ذاتِه.
غَيْرَ أَنَّ ما يَمْنَحُ هَذِهِ اللَّحْظَةَ خُطورَتَها الحَقيقِيَّةَ لَيْسَ فَقَطْ ما تُريدُهُ القُوى المُنْخَرِطَةُ فيها، بَل ما يُقابِلُهُ مِنْ غِيابٍ عَرَبِيٍّ في لَحْظَةٍ تَتَشَكَّلُ فيها مَلامِحُ الإِقْليمِ مِنْ جَديد.
العالَمُ العَرَبِيّ، بِوَصْفِهِ الكُتْلَةَ الجُغْرافِيَةَ والبَشَرِيَّةَ الأَوْسَعَ في هَذَا الإِقْليم، لا يَظْهَرُ كَفاعِلٍ في هَذِهِ المُعادَلَة، بَل كَفَراغٍ تَدورُ فيهِ وَعَلَيْهِ صِراعاتُ الآخَرين. وَهَذَا الغِيابُ لا يَعْني الحِياد، بَل يَعْكِسُ فُقْدانَ القُدْرَةِ على تَحْويلِ المَوْقِعِ الجُغْرافِيِّ إلى مَوْقِعٍ سِياسِيّ.
التّاريخُ القَريبُ يُخْبِرُنا أَنَّ الحُروبَ الكُبْرى في الشَّرْقِ الأَوْسَطِ نادِرًا ما تَتَوَقَّفُ عِنْدَ عَناوِينِها المُعْلَنَة. فَهِيَ، في الكَثيرِ مِنَ الأَحْيان، تَعْمَلُ كَآلِيّاتٍ لِإِعادَةِ تَوْزيعِ القُوَّة، لا كَوَسائِلَ لِتَحْقيقِ أَهْدافٍ مُحَدَّدَة.
وَلَعَلَّ ما جَرى بَعْدَ حَرْبِ العِراقِ يُقَدِّمُ نَموذَجًا واضِحًا: حَرْبٌ بَدَأَتْ بِشِعارِ إِزالَةِ أَسْلِحَةِ الدَّمارِ الشّامِل، لَكِنَّها انْتَهَتْ بِتَفْكيكِ دَوْلَةٍ كامِلَةٍ وَفَتْحِ المَجالِ لِتَحَوُّلاتٍ عَميقَةٍ ما زالَتِ المَنْطِقَةُ تَعيشُ تَداعِياتِها حَتّى اليَوْم.
مِنْ هَذا المَنْظور، لا تَبْدو الحَرْبُ الجارِيَةُ مُجَرَّدَ مُواجَهَةٍ بَيْنَ أَطْرافٍ مُتَصارِعَة، بَل لَحْظَةً مِفْصَلِيَّةً في مَسارِ النِّظامِ الإِقْليمِيّ.
الجغرافيا تمنح العالم العربي موقع القلب لكنّ السياسة لم ترتقِ بعد إلى مستوى هذا الموقع
فَإِذا انْتَهَتْ بِإِضْعافِ إيرانَ بِصورَةٍ حاسِمَة، فَإِنَّ ميزانَ القُوَّةِ قَدْ يَتَّجِهُ نَحْوَ طَوْرٍ جَديدٍ تَتَعَزَّزُ فيهِ الهَيْمَنَةُ الإِسْرائيلِيَّةُ بِشَكْلٍ غَيْرِ مَسْبوقٍ. أَمّا إِذا خَرَجَتْ إيرانُ مُحْتَفِظَةً بِقُدْرَتِها على الرَّدْع، أَوْ قادِرَةً على فَرْضِ تَوازُنٍ جَديد، فَإِنَّ المَنْطِقَةَ سَتَتَّجِهُ إلى مُعادَلَةٍ مُخْتَلِفَة، عُنْوانُها أَنَّ الشَّرْقَ الأَوْسَطَ لَمْ يَعُدْ ساحَةً مَفْتوحَةً لِهَيْمَنَةِ طَرَفٍ واحِد.
لَكِنَّ الِاحْتِمالَيْن، على اخْتِلافِهِما، يَشْتَرِكانِ في نَتيجَةٍ واحِدَة: إِنَّ شَكْلَ الشَّرْقِ الأَوْسَطِ المُقْبِلِ لَنْ يُحَدَّدَ فَقَطْ بِنَتائِجِ المَعارِك، بَل بِقُدْرَةِ الْفاعِلين ـ أَوْ غِيابِهِم ـ على فَرْضِ تَصَوُّرِهِمْ لِلنِّظامِ الإِقْليمِيّ.
في قَلْبِ هَذِهِ المُعادَلَةِ يَقِفُ العالَمُ العَرَبِيُّ في مَوْقِعٍ بالِغِ الحَساسِيَّة. فَمَسْرَحُ العَمَلِيّاتِ يَقَعُ على أَرْضِهِ وَفي جِوارِهِ المُباشِر، وَمَمَرّاتُ الطّاقَةِ الحَيَوِيَّةُ تَمُرُّ عَبْرَ مِياهِهِ وَمَضائِقِه، كَما أَنَّ اسْتِقْرارَهُ الدّاخِلِيَّ يَظَلُّ عُرْضَةً لِلتَّأَثُّرِ المُباشِرِ بِنَتائِجِ هَذِهِ الحَرْب. وَمَعَ ذَلِك، يَبْدو حُضورُهُ حَتّى الآنَ أَقْرَبَ إلى رُدودِ فِعْلٍ قَلِقَةٍ مِنْهُ إلى فِعْلٍ مُؤَثِّر.
هُنا تَتَجَلّى المُفارَقَةُ الكُبْرى: الحَرْبُ التي قَدْ تُعيدُ رَسْمَ خَرائِطِ الشَّرْقِ الأَوْسَطِ تَجْري بَيْنَما العَرَب، وَهُمُ الكُتْلَةُ الجُغْرافِيَّةُ والبَشَرِيَّةُ الأَكْبَرُ في المَنْطِقَة، لَمْ يَحْسِموا بَعْدُ أَيَّ شَرْقِ أَوْسَطٍ يُريدونَ بَعْدَ انْتِهاءِ المُواجَهَة.
أيّ شرق أوسط سيتشكّل من نتائج الحرب وأين سيكون موقع العرب في معادلته المقبلة؟
يَظَلُّ المَوْقِعُ العَرَبِيُّ مُعَلَّقًا بَيْنَ الإِمْكانِ والغِياب. فالجُغْرافْيا تَمْنَحُهُ مَوْقِعَ القَلْب، لَكِنَّ السِّياسَةَ لَمْ تَرْتَقِ بَعْدُ إلى مُسْتَوى هَذا المَوْقِع. وَمِنْ دونِ مَشْروعٍ قادِرٍ على تَحْويلِ الكُتْلَةِ إلى قُوَّة، والقُوَّةِ إلى فاعِلِيَّة، سَتَظَلُّ المِنْطِقَةُ تُعادُ صِياغَتُها مِنْ خارِجِها، حَتّى وَهِيَ تَجْري في داخِلِها.
إِنَّ لَحَظاتِ التَّحَوُّلِ الكُبْرى في التّاريخِ لا تَنْتَظِرُ المُتَرَدِّدين. فَإِمّا أَنْ تَتَشَكَّلَ فيها إِراداتٌ قادِرَةٌ على التَّأْثير، أَوْ تَتَحَوَّلَ شُعوبُها إلى ساحاتٍ تَتَحَرَّكُ فَوْقَها إِراداتُ الآخَرين. وَلِهَذا، فَإِنَّ السُّؤالَ الحَقيقِيَّ لا يَقْتَصِرُ على مَنْ سَيَنْتَصِرُ في هَذِهِ الحَرْب، بَلْ يَمْتَدُّ إلى ما هو أَعْمَق: أَيُّ شَرْقِ أَوْسَطٍ سَيَتَشَكَّلُ مِنْ نَتائِجِها، وَأَيْنَ سَيَكونُ مَوْقِعُ العَرَبِ في مُعادَلَتِهِ المُقْبِلَة؟.
الحُروبُ لا تُكْتَبُ نِهاياتُها على جَبَهاتِ القِتالِ وَحْدَها، بَل تَكْتُبُها الإِراداتُ السِّياسِيَّةُ التي تُدْرِكُ كَيْفَ تُمْسِكُ بِلَحْظَةِ التّاريخِ قَبْلَ أَنْ تَمْضِي.
(خاص "عروبة 22")

