بصمات

هَلْ نَحْنُ حَداثِيّونَ أَكثرَ مِنَ الغَرْبِيّينَ أنفُسِهِم؟

خِلالَ مُنْتَصَفِ القَرْنِ العِشْرينَ وعلى إِثْرِ الأَزْمَةِ السِّياسِيَّةِ التي عَرَفَها العالَمُ بَعْدَ الحَرْبِ العالَمِيَّةِ الثّانِيَة، قَدَّمَ المُؤَرِّخُ الأَلْمانِيُّ كارْل لوفيث (Karl Löwith) كِتابَهُ الرَّئيسَ بِعُنْوانِ "التّاريخ والخَلاص". يُعَبِّرُ الكِتابُ عَنْ تَوَجُّهٍ في قِراءَةِ الأَزْمِنَةِ الحَديثَةِ ومَفاهيمِها بِشَكْلٍ مُخْتَلِف، لِأَنَّهُ حاوَلَ أَنْ يُجَذِّرَ لَها انْطِلاقًا مِنْ صِلَتِها الثِّيولوجِيَّة، نازِعًا عَنْها أَحَقِّيَّةَ الِادِّعاءِ بِالجِدَّةِ والتَّأْصيلِ الذّاتِيّ. إِذِ اعْتَبَرَ الإِغْريقَ أَكْثَرَ حَداثَةً مِنَ الحَداثِيّينَ أَنْفُسِهِم، على اعْتِبارِ أَنَّهُمْ لَمْ يَسْلُكوا مَسارًا تاريخِيًّا غائِيًّا يَحْمِلُ مَعْنًى خَلاصِيًّا؛ فَكانَ اخْتِلافُهُمْ في حَدِّ ذاتِهِ جِدَّةً حَداثِيَّةً تَفوقُ الحَداثَةَ نَفْسَها، وهُوَ ما يُعاكِسُ التَّصَوُّرَ الذي يَحْمِلُهُ التَّلَقّي العَرَبِيُّ لِلْأَزْمِنَةِ الحَديثَةِ ومَفاهيمِها الأَساسِيَّة. فَنَكونُ هُنا أَمامَ تَصَوُّرَيْنِ يَتَناوَلانِ العَتَبَةَ التّاريخِيَّةَ لِلْأَزْمِنَةِ الحَديثَةِ بِشَكْلٍ حَدِّيٍّ تَطَرُّفِيّ.

هَلْ نَحْنُ حَداثِيّونَ أَكثرَ مِنَ الغَرْبِيّينَ أنفُسِهِم؟

يُمْكِنُنا أَنْ نَتَّفِقَ مَعَ كارْل لوفيث ونُقِرَّ بِأَنَّ الحَداثَةَ قَدْ تَوَلَّدَت، بِشَكْلٍ ما، عَنِ التَّصَوُّرِ الثِّيولوجِيّ، لَكِنْ لَنْ نَذْهَبَ أَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ كَما فَعَلَ لوفيث، حينَ نَزَعَ عَنْها التَّأْصيلَ الذّاتِيّ، ونُقِرَّ في المُقابِلِ أَنَّ راهِنَ وسِياقَ الصِّراعاتِ الدَّوْلِيَّة، وعلى الأَخَصِّ في الشَّرْقِ الأَوْسَط، أَبانَ أَنَّ الحَداثَةَ الغَرْبِيَّةَ لا تَرْتَبِطُ بِالضَّرورَةِ بِما أَطَّرَتْهُ كَمَأْمولٍ حَداثِيٍّ إِنْسانِيّ، يَتَمَأْسَسُ على قِيَمٍ أَخْلاقِيَّةٍ تَرْتَفِعُ عَنِ الواقِعِ الدّينِيِّ والعِرْقِيِّ والسِّياسِيّ. فَهَلْ مَعْنى ذَلِكَ أَنَّ الغَرْبَ انْزاحَ عَنِ الحَداثَةِ وهُوَ مُشَكِّلُها؟ وهَلْ عِنْدَما نُمَوْضِعُ ونُسائِلُ هَذا النَّموذَجَ انْطِلاقًا مِنَ التَّلَقّي العَرَبِيِّ الذي، بِمَعْنى ما، يَرْتَبِطُ بِالمَأْمولِ الحَداثِيِّ الغَرْبِيِّ نَكونُ بِذَلِكَ أَكْثَرَ حَداثَةً مِنَ الحَداثِيّينَ أَنْفُسِهِمْ؟.

مسار التأثير الغربي في السياق العربي كان مسارًا يُرَسّخ الشعارات البرّاقة

يَعيشُ الوَضْعُ العَرَبِيُّ الرّاهِنُ على وَقْعِ أَزْمَةٍ تَنْهَشُ مَسارَهُ التّاريخِيّ، وهِيَ أَزْمَةٌ لا يُمْكِنُ أَنْ تُحَدَّ انْطِلاقًا مِنْ بُعْدٍ واحِد، بَلْ تَتَشابَكُ مِنْ خِلالِها العَديدُ مِنَ الإِشْكالِيّاتِ الدّاخِلِيَّةِ والخارِجِيَّة. وقَدْ تَكونُ عَمَلِيَّةُ التَّعاطي مَعَ هَذِهِ الإِشْكالِيّاتِ تَحْكُمُها أَيْضًا أَبْعادٌ تَزيدُ مِنْ تَعْميقِ أَزْمَتِنا العَرَبِيَّة. فَعَمَلِيَّةُ تَبَنّي المَفاهيمِ الحَداثِيَّة، وعلى الأَخَصِّ فيما يَخُصُّ الفَلْسَفَةَ السِّياسِيَّة، في السِّياقِ العَرَبِيِّ يَعْتَريها العَديدُ مِنَ النَّواقِص، حَيْثُ يَتِمُّ بِشَكْلٍ مُسْتَمِرٍّ بَعْثَرَةُ الأَرْضِيَّةِ التي تَشَكَّلَ تَناوُلُها عَبْرَ عَمَلِيَّةِ خَلْطٍ ما بَيْنَ أُفُقِها الِانْتِظارِيِّ والواقِعِ البَشَرِيِّ بِكُلِّ حَيْثِيّاتِه. فَيَتِمُّ التَّناوُلُ هُنا وِفْقَ مُقارَبَةٍ حَدِّيَّةٍ تَطَرُّفيةٍ نَوْعًا ما، إِذْ نَصيرُ عِلْمانِيّين، ديموقْراطِيِّين، تَحَرُّرِيّينَ مُتَحَضِّرين، أَكْثَرَ مِنَ الحَداثِيّينَ أَنْفُسِهِم، ومِنْ هُنا نَكونُ قَدْ شَكَّلْنا ذِهْنِيَّةً تُشَيِّدُ واقِعَها بِناءً على أُسُسِ المَأْمولِ الذي لَمْ يَتَحَقَّقْ بِشَكْلٍ كامِلٍ في أَيِّ سِياقٍ ثَقافِيّ.

قَدْ تَكونُ هَذِهِ الذِّهْنِيَّةُ هِيَ التي تَحْكُمُ مَنْطِقَ المُساءَلَة، وكَذا نَمَطَ النَّقْدِ الذي يُسائِلُ أَيَّ مَسٍّ أَخْلاقِيٍّ مُؤَسَّسٍ على تَحَيُّزٍ سِياسِيٍّ لا يُوافِقُ المَأْمولَ الحَداثِيّ؛ فَنَكونُ هُنا أَمامَ مُساءَلَةٍ تَخُصُّ النَّموذَجَ المُتَخَيَّلَ أَوِ اللّافِتَةَ الحَداثِيَّةَ التي شَكَّلَتْ لِعُقودٍ سَقْفَنا الِانْتِظارِيَّ ولَيْسَ واقِعَ الشَّرْطِ الإِنْسانِيّ؛ فَنَحيدُ بِذَلِكَ عَنِ المَطْلَبِ التّاريخِيِّ في بِناءِ المَعْرِفَةِ ونَنْصَهِرُ في قَلْبِ المُقارَبَةِ المِعْيارِيَّة، التي لا تَتَلَخَّصُ بِالضَّرورَةِ وِفْقَ مَنْطِقِ الحِيادِ والمَأْمول، بَلْ وِفْقَ السِّياقِ والإيدْيولوجْيا والثَّقافَةِ والدّينِ والقُوَّةِ واسْتِدامَةِ السُّلْطَةِ والمَنْطِقِ الجِيوسِياسِيّ.

قَدْ يَسْمَحُ لَنا هَذا بِالقَوْل:

- إنَّ الِاسْتِغْراقَ فيما هُوَ مَأْمولٌ والتَّشَبُّثَ بِالشِّعاراتِ والآفاقِ الحَداثِيَّةِ الغَرْبِيَّةِ التي غالِبًا ما تَحُدُّ بَيْنَ الطّوباوِيَّةِ أَوِ العَدَمِيَّة ـ وِفْقَ سِياقِ تَناوُلِها الإيدْيولوجِيّ ــ قَدْ يَخْلُقُ فَجْوَةً تَرْتَفِعُ عَنِ الواقِعِ العَرَبِيِّ مِمّا يَخْلُقُ حالَةَ عَدَمِ القَبولِ بِهِ والسَّعْيَ لِتَغْييرِهِ بِاسْتِمْرار، لِقَوْلَبَتِهِ وِفْقَ مَنْطِقِ اللّافِتَةِ الحَداثِيَّةِ الغَرْبِيَّة؛ وهُوَ ما قَدْ يُفَسِّرُ كَيْفِيَّةَ تَشَكُّلِ التَّلَقّي العَرَبِيِّ الرّاهِنِ مَعَ ما يَجْري في الشَّرْقِ الأَوْسَطِ ما بَيْنَ السُّخْرِيَّةِ التَّبْخيسِيَّةِ التي تَتَرَفَّعُ عَنِ الِانْكِسارِ الثَّقافِيِّ العَرَبِيّ، واللّامُبالاةِ المُسَيَّجَةِ بِجُغْرافْيا الوَطَنِيَّةِ أَوِ التَّطَبُّعِ والِانْصِهارِ في ثَنايا خِطابِ القَوِيِّ ومَهْما كانَ الأَمْر، فَإِنَّهُ يُشَكِّلُ حالَةَ اسْتِلابٍ لِلْحاضِرِ والمُسْتَقْبَلِ العَرَبِيّ.

- إِنَّ مَسارَ التَّأْثيرِ الغَرْبِيِّ في السِّياقِ العَرَبِيِّ كانَ مَسارًا يُرَسِّخُ الشِّعاراتِ البرّاقَةَ التي أَغْفَلَتِ الخَيْطَ النّاظِمَ بَيْنَ ما هُوَ كائِنٌ وما يَنْبَغي أَنْ يَكون، ما اسْتَدْعى عَمَلِيّاتٍ بِنائِيَّةً تَكْرارِيَّةً دائِرِيَّةً تُعيدُ كُلَّ مَرَّةٍ تَشْييدَ النَّموذَجِ المُبْتَغى وِفْقَ مُتَخَيَّلِنا عَنِ النَّموذَجِ الغَرْبِيِّ الذي لا يَعْكِسُ الواقِعَ الغَرْبِيَّ ولا العَرَبِيَّ أَيْضًا؛ وبِالتّالي فَإِنَّ التَّرْكيزَ على المَأْمولِ الحَداثِيِّ هُوَ نَفْسُهُ يَطْرَحُ إِشْكالِيَّةً مِعْيارِيَّةً تَرْسُمُ أَبْعادًا إيدْيولوجِيَّةً مُتَعالِيَةً عَنِ الواقِع، فَنَكونُ ضَحايا لافِتَةٍ حَداثِيَّةٍ لا تُعَبِّرُ عَنْ تَحَقُّقٍ فِعْلِيٍّ يُحايِدُ الِانْتِماءاتِ الثَّقافِيَّةِ الذّاتِيَّة.

كَسْر إمكانات الوحدة العربية بناءً على مُعطى ظاهره حداثي وجوهره يسعى لفرض نموذج يتوافق وغايات الغرب التفوّقية

- إِنَّ مُحاكَمَةَ التَّوَجُّهاتِ السِّياسِيَّةِ الغَرْبِيَّةِ بِالمَأْمولِ القِيَمِيِّ الحَداثِيّ - نَمُوذَجُ تَحَيُّزِ يورْغِن هابِرْماس (Jürgen Habermas) لِإِسْرائيلَ وتَحَيُّزِ أَميرْكا لِإِسْرائيلَ وتَحَيُّزِ الإِعْلامِ الغَرْبِيّ - هُوَ تَشَبُّثٌ يَنِمُّ عَنْ دَرَجَةِ انْصِهارِ التَّلَقّي العَرَبِيِّ بِالمُتَخَيَّلِ الأَخْلاقِيِّ الحَداثِيِّ الغَرْبِيّ، مِمّا يَنْتُجُ عَنْهُ نَمَطٌ مِنَ التَّوَسُّلِ المُنْحازِ لِلسَّقْفِ القِيَمِيِّ لِتَعْويضِ العَجْزِ عَنْ مُجاراةِ القُوَّةِ الغَرْبِيَّةِ التي تَفْرِضُ نَمْذَجَتَها بِالقُوَّة. وبما أنَّ أَيَّ تَوَجُّهٍ لا يُمْكِنُ أَنْ يَنْسَلِخَ عَنْ سِياقِهِ السّوسِيوسِياسِيِّ والدّينِيِّ والإيدْيولوجِيّ، قَدْ يَكونُ الأَجْدَرُ أَنْ يَنْكَبَّ التركيزُ على البحثِ التاريخيِّ الذي يُؤَصِّلُ لِمِثْلِ هَذِهِ النَّماذِج، وقَدْ يَكونُ جُهْدُ كارْل شميت وكارْل لوفيث، بِمَعْنى ما، مُفيدًا في هَذا الْباب.

- يَتِمُّ تَغْليبُ التَّأْويلِ الحَدِّيِّ لِلْعِلْمانِيَّةِ مَثَلًا في السِّياقِ العَرَبِيّ، على الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الدُّوَلَ الغَرْبِيَّةَ التي تَرْعى أَوْ تُشَكِّلُ نَموذَجًا في هَذا البابِ لا تُقَدِّمُ مَدْلولًا لِلْعِلْمانِيَّةِ يَقومُ على فَصْلٍ فِعْلِيٍّ ما بَيْنَ الدّينِ والسِّياسَة، بَلْ تَتَمَأْسَسُ على نَوْعٍ مِنَ التَّوْظيفِ السِّياسِيِّ لِلدّين، لَكِنَّها تُفَكِّكُ في المُقابِلِ أَيَّ نَموذَجٍ سِياسِيٍّ يَقومُ على النَّهْجِ نَفْسِه، نَموذَجِ إِيرانَ وإِسْرائيل؛ فَهُما مَعًا يَقومانِ على سَرْدِيَّةٍ خَلاصِيَّةٍ دينِيَّة، لَكِنْ يَتِمُّ تَدْميرُ الأولى لِفائِدَةِ اسْتِمْرارِ وتَقْوِيَةِ الثّانِيَة، فَنَكونُ أَمامَ تَنْميطٍ مِعْيارِيٍّ لِتَوَجُّهٍ سِياسِيٍّ يَرْفُضُ التَّعَدُّدِيَّةَ الدّينِيَّةَ بِدَوافِعِ قِيَمٍ حَداثِيَّةٍ إِنْسانِيَّة، وهُوَ ما يَتَبَنّاهُ التَّلَقّي العَرَبِيّ، بِشَكْلٍ ما، فَنَكْسِرُ إِمْكاناتِ التَّحالُفِ والوَحْدَةِ العَرَبِيَّةِ بِناءً على مُعْطًى غَرْبِيٍّ ظاهِرُهُ حَداثِيٌّ لَكِنَّ جَوْهَرَهُ يَسْعى لِفَرْضِ نَموذَجٍ واحِدٍ لِلْأَنْظِمَةِ العَرَبِيَّةِ يَتَوافَقُ وغاياتِ الغَرْبِ التَّفَوُّقِيَّة.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن