تُحاصر الحرب الأميركية – الإسرائيليّة على إيران المنطقة بأكملها، وتزيدُ الأعباء الاقتصادية والتكاليف المعيشيّة وسط تحذيراتٍ من ارتفاع معدلات الفقر والبطالة والجوع، خصوصًا في الدول الهشّة والنامية، التي ترزح تحت "وابل" الحروب والصراعات، وتعاني من تفككاتٍ اجتماعيةٍ "تُزيد الطين بلّة". والأمثلة كثيرة على ذلك، لكنها ستلقي الضوء على ارتداداتٍ "خطيرةٍ" ذات أبعاد مستقبلية، ما حذّرت منه لجنة "الإسكوا"، في دراستها الجديدة، التي تحدثت فيها عن احتمال انضمام نحو 5 ملايين شخص إضافي إلى دائرة انعدام الأمن الغذائي في البلدان العربية، لا سيما ذات الدخل المتوسط والمنخفض. وأوضحت أن النزاع المتصاعد يُحدث صدماتٍ مترابطةٍ في قطاعاتٍ حيويةٍ، ما يهدّد الأمن البشري والاستقرار الاقتصادي. والموضوع لا يتوقف عند هذا الحدّ، إذ أشارت تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن اقتصادات الشرق الأوسط قد تخسر ما بين 3% و6% من إجمالي ناتجها المحلي، أي ما يُعادل خسائر تتراوح بين 120 و194 مليار دولار، مع التنبيه إلى إمكانية فقدان نحو 3.6 ملايين وظيفة، ما يفوق عدد الوظائف التي أُضيفت خلال العام السابق.
هذا "الخطر" الداهم يتزامن مع التصعيد المستمر، وتورّط المزيد من الجبهات في هذه الحرب التي تتقلب وفق التصريحات الأميركية اليومية، بينما تهاب إسرائيل أي مفاوضات "مثمرة وفجائية" تدفع الرئيس دونالد ترامب إلى إعلان انتهائها، في حين تريد تحقيق المزيد من المكاسب التي يسعى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى توظيفها في خدمة مشروعه السياسي. أما إيران، على المقلب الآخر، فتحاول التمسك واعتماد "الصبر الاستراتيجي" وكمّ أفواه الإيرانيين، مع تسجيل 9 حالات إعدام مؤخرًا لأشخاص أُلقي القبض عليهم خلال الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت في شهر كانون الثاني/ يناير الماضي. وهذه السياسة يُراد منها "تخويف" الجبهة الداخلية ومنع أي "انشقاقات"، خصوصًا أن طهران اليوم تخوض حربًا على جبهاتٍ عدة، وتريد أن تظهر بموقع "المنتصر" مهما عُظمت التقديمات وزادت تكاليف القتال الدائر. إلّا أن الخوف يتجسد عبر اتخاذ القتال طورًا جديدًا بعدما أدخلت الولايات المتحدة الجسور الإيرانية ضمن قائمة أهدافها غداة استهداف جسر "بي 1" الحيوي، الذي يربط العاصمة طهران بمدينة كرج الواقعة إلى الغرب منها، وهو يُصنّف ضمن الأكبر والأعلى في الشرق الأوسط. في وقتٍ يبدو فيه أن ترامب يريد ممارسة المزيد من الضغوط على إيران لدفعها نحو التفاوض، إذ قال إن "الوقت حان لكي تبرم إيران اتفاقًا قبل فوات الأوان، وقبل ألا يبقى شيء مما لا يزال يمكن أن يصبح بلدًا عظيمًا". وجاء ذلك بعد ساعاتٍ من تهديداته بإعادة البلاد إلى "العصر الحجري" وتوجيه ضرباتٍ "بقوةٍ شديدة" خلال الأسبوعين إلى الثلاثة أسابيع المقبلة "إذا لم يجري التوصل إلى تسويةٍ ما".
ويميل نظام الثورة الإسلامية إلى المراهنة على البقاء أطول فترةٍ ممكنة، إذ شدّد وزير الخارجية عباس عراقجي على أن استهداف البنية التحتية المدنية، ومن ضمنها الجسور، "لن يدفع الإيرانيين إلى الاستسلام"، معتبرًا أن ذلك يعكس "هزيمةً وانهيارًا أخلاقيًا" لدى الخصم. وتتعقد المباحثات، على الرغم من المحاولات الديبلوماسية البارزة، التي تبذلها العديد من دول المنطقة، لكنها تبقى ضمن إطار المساعي، ولم ترقَ بعد إلى أي حلول عملية. فمع دخول الحرب شهرها الثاني، لا تزال الهوّة السحيقة بين طرفي النزاع على حالها، وسط تمسكهما بشروطهما "القاسية"، فيما مضيق هُرمز يبقى "العقدة المستعصية" مع قرب انتهاء المهلة التي حددها الرئيس ترامب لإعاده فتحه. وأمس الخميس، دعت نحو 40 دولة، إلى جانب منظماتٍ دولية، إيران إلى إعادة فتح المضيق الاستراتيجي بشكلٍ فوريٍ وغير مشروط، ملوّحةً بفرض المزيد من العقوبات في حال استمرار إغلاقه. وقالت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر، عقب اجتماع افتراضي للدول المعنية، إن طهران "تحاول أخذ الاقتصاد العالمي رهينةً"، مؤكدةً ضرورة احترام حرية الملاحة وقانون البحار. وأشارت إلى توافق الدول على تكثيف الضغط الدبلوماسي، من دون اتخاذ قرارٍ حتى الآن بشأن تدخلٍ عسكريٍ لتأمين الممر. وهذا "التروي" مرّده إلى رفض الدول الأوروبية التورط في الصراع الدائر، على عكس مطالب ترامب الذي وجه إلى قاداتها انتقاداتٍ لاذعة وشنّ هجومًا حادًا عليهم، وحتى وصل به الأمر إلى دعوتهم للحصول على نفطهم بأنفسهم، مهددًا بالخروح من حلف شمال الأطلسي (الناتو).
وفي اعتقاد هذه الدول أنهم لم يشاركوا في قرار خوض هذه الحرب، وبالتالي يصعب عليهم تحمّل المزيد من تبعاتها، ما يزيد من "ضبابية" العلاقات الأميركية – الأوروبية التي تمرّ بمنعطفٍ جوهريٍ تعكسه "الهجمات الكلامية" المتبادلة. وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حذّر من أن أي عملية عسكرية لـ"تحرير" المضيق ستكون "غير واقعية" ومحفوفة بمخاطر كبيرة، فيما تتجه الأنظار نحو مجلس الأمن الدولي الذي سيصوت، اليوم الجمعة، على مشروع قرار قدمته البحرين يهدف إلى حماية الملاحة التجارية في مضيق هُرمز ومحيطه، في ظل اعتراض الصين - حليفة إيران - على أي تفويض باستخدام القوة. هذه التحركات المتسارعة تترافق مع إعلان لندن استضافتها اجتماعًا لمخططين عسكريين الأسبوع المقبل، لبحث سيناريوهات تأمين الملاحة بعد وقف القتال، بينما طرحت إيطاليا فكرة إنشاء ممر إنساني بإشراف الأمم المتحدة لتفادي أزمة غذاء، خصوصًا في أفريقيا. وتحول مضيق هُرمز إلى ورقة ابتزاز وأداة ضغط في يد النظام الإيراني، ما ترفضه دول مجلس التعاون الخليجي، التي أعلنت موقفًا واضحًا في هذا الإطار، إذ وصف أمينها العام جاسم البديوي ما تقوم به طهران بـ"العدوان الآثم"، مشددًا على أهمية إشراك الدول الخليجية في أي مفاوضات أو اتفاقيات دولية تتعلق بحل الأزمات الإقليمية، لضمان الوصول إلى حلولٍ شاملةٍ ومستدامةٍ تعكس مصالح دول المنطقة.
في الأثناء، واصلت طهران هجماتها على منشآتٍ في دول الخليج التي أعلنت تصدي دفاعاتها الجوية للصواريخ والمُسيّرات المُعادية، فيما نفت حكومة دبي استهداف "الحرس الثوري" الإيراني مركز بيانات شركة "أوراكل"، موضحةً أن الخبر المتداول بشأن ذلك "مفبرك وغير صحيح". أما قطر، وفي ظل استمرار الحرب، فبدأت بتصدير بعض منتجاتها، وفي مقدمتها الألمنيوم الذي تُنتجه "الشركة القطرية للصناعات التحويلية"، برًا عبر منفذ سلوى وصولًا إلى ميناء جدة، تمهيدًا لإعادة تصديرها إلى أسواقٍ في أفريقيا وأوروبا. وتبحث هذه الدول عن خياراتٍ جديدةٍ لحماية أمنها وسلاسل إمدادها، كما تنسج تحالفاتٍ جديدةٍ سينتج عنها توازناتٍ بعيدة المدى، بعدما اختبرت الضربات الإيرانية التي عكّرت صفو العلاقات الثنائية وحسن الجوار. سياسيًا، أجرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اتصالًا هاتفيًا بولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي الأمير محمد بن سلمان، وبحثا الأوضاع المتسارعة مع تأكيد موسكو أهمية حفظ سيادة وأمن أراضي المملكة. ومنذ اليوم الاول للصراع، طُرحت تساؤلاتٍ عديدةٍ بشأن موقف حليفَي إيران التقليديَّين، أي الصين وروسيا، وموقعهما في ظل الأبعاد الخطرة للحرب وانعكاساتها. لكن بكين وموسكو "تلعبان على الحافة"، إن صح التعبير، فهما تطرحان أنفسهما كوسيطٍ للحوار، لكنهما في الوقت عينه لا يمكنهما التخلي عن النظام الإيراني ومصالحه. وكشفت العديد من التقارير عن تفاهماتٍ صينيةٍ - إيرانيةٍ تضمن استمرار تدفق النفط عبر مضيق هُرمز على الرغم من العقوبات. أما الكرملين، فنفى بشكلٍ قاطعٍ في وقتٍ سابقٍ، ما نشرته صحفٌ عالميةٌ حول تزويد طهران ببيانات أقمارٍ اصطناعيةٍ أو استخباراتيةٍ لتسهيل استهداف المصالح الأميركية، وهو ما لا يعكسه الواقع الميداني الذي يشير إلى تكامل مصالح غير مسبوق.
وبين المصالح السياسيّة والاعتبارات الاقتصادية للحرب تتحرك الدول، لكن الميدان يبقى هو المحرك الرئيسي، خصوصًا أن التصعيد يبدو سيد الموقف. فمن جهته، تعّهد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف بـ"إراقة الدماء"، ردًا على تهديدات واشنطن بشنّ هجوم بري، مشددًا على أن قوات بلاده "مستعدة وثابتة وفي انتظار الأميركيين". في غضون ذلك، أعلن الجيش الإسرائيلي توسيع بنك أهدافه داخل إيران ليشمل، إلى جانب القواعد ومراكز القيادة والمخازن الصاروخية، البنية المالية التي يعتمد عليها النظام في تمويل قواته المسلحة ووكلائه في المنطقة، لافتًا إلى أنه استهدف قاعدة للقوات البرية التابعة لـ"الحرس الثوري"، إلى جانب مركز قيادةٍ متنقلٍ يستخدمه قادةٌ في النظام. كما أوضح أنه نفذ ضربةً دقيقةً أسفرت عن مقتل جمشيد إسحاقي، الذي وصفه بـ"قائد مقر النفط"، وهو يمثل حلقة وصلٍ أساسيةٍ للتمويل العسكري للنظام عبر عائدات بيع النفط. على الضفة الأخرى، شنّت إيران هجماتٍ صاروخيةٍ على تل أبيب وحيفا، مؤكدةً وقوع أضرارٍ كبيرةٍ في المباني والبنى التحتية جراء الاستهداف المباشر. ودوّت صفارات الإنذار أيضًا في القدس ومنطقة البحر الميت ووسط وجنوبي إسرائيل، عقب رصد رشقات صاروخية إيرانية متتالية بالتزامن مع إطلاق الحوثيين صاروخًا للمرة الرابعة منذ إعلان مشاركتهم في الحرب. وأكد المتحدث العسكري باسم الجماعة العميد يحيى سريع تنفيذ عملية عسكرية نوعية ضد أهداف حيوية للعدو الإسرائيلي في منطقة يافا المحتلة، باستخدام دفعةٍ من الصواريخ الباليستية، مشيرًا إلى أن "العملية جاءت بدعمٍ وإسنادٍ مباشرٍ لجبهات المقاومة في العراق وإيران وفلسطين ولبنان، وبالتنسيق مع المجاهدين في إيران وحزب الله".
إلى ذلك، يمثل دخول الحوثيين أرض المعركة تصعيدًا على تعدّد الجبهات المفتوحة، بينما تتزايد الهواجس من إمكانية إغلاق مضيق باب المندب، على غرار ما يحصل في هُرمز، ما يعني عمليًا المزيد من التهديدات والمخاطر المحدقة. ولا يزال دخول "أنصار الله" محدودًا وضمن سياق "اللعبة الإيرانية" لتوظيف أوراقها في منطقة الشرق الأوسط. فمن اليمن إلى بغداد وبيروت، تشهد الأوضاع المزيد من الانزلاقات والمخاوف من توسع رقعة الحرب ونطاقها وسط غياب المبادرات والإرادات الحاسمة لوقف الانزلاق نحو المجهول، لا سيما أن الإدارة الأميركية "تتخبط" مع غياب الرؤية المستقبلية لـ"اليوم التالي"، ما عكسه قرار وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث حين طلب من رئيس أركان الجيش الأميركي الجنرال راندي جورج التنحي عن منصبه وتقديم استقالته على الفور. وهذا "التضعضع" ينعكس في كل مكان، فبات العراق أشبه بـ"قنبلةٍ موقوتةٍ" بعد تحذيراتٍ حادةٍ أطلقتها سفارة واشنطن في بغداد، شملت دعوة الرعايا الأميركيين إلى المغادرة الفورية والتنبيه إلى احتمال هجمات تنفذها ميليشيات متحالفة مع إيران خلال 24 إلى 48 ساعة. وتبذل الحكومة العراقية أقصى جهودها من أجل ضبط الأوضاع واتخاذ إجراءاتٍ صارمةٍ، لكنها تفشل حتى الساعة في وقف هجمات الفصائل وتهديداتها. والأمر عينه يتكرّر في لبنان، إذ يحاول الشق الرسمي وقف خسائر الحرب بأي طريقة. وفي هذا الإطار، شدّد رئيس الحكومة نواف سلام على حصر قرار السلم والحرب بيد الدولة، محذرًا مما يُحاك ويُرسم للبنان الذي بات "ضحية حرب لا يمكن أن يجزم أحد بنتائجها أو موعد انتهائها".
فالمعطيات الميدانية لا تشي بأي إيجابية لوقف الحرب مع غياب المساعي الأوروبية الجدية و"انكفاء" العرب ما عدا المبادرة المصرية التي "أُحبطت في مهدها". كل ذلك يترافق مع استمرار الجيش الإسرائيلي في عدوانه على القرى الجنوبية بعد حملة تهجيرٍ ممنهجةٍ، ويصعّد من عملياته العسكرية البرية، بينما يرتفع عداد الخسائر البشرية مع إعلان وزارة الصحة، في تحديثٍ جديد، سقوط 1345 قتيلًا و4040 جريحًا ناهيك عن الأعداد الكبيرة من النازحين التي تجاوزت المليون شخص، مع تأزم الأوضاع الاقتصادية وتأثرها بما يجري عالميًا. بدوره، يواصل "حزب الله" قصف مستوطناتٍ وقواتٍ وآلياتٍ ومواقعَ وقواعدَ عسكرية إسرائيلية، ليرتفع عدد هجماته إلى 1250 منذ تجدّد الحرب في 2 آذار/مارس الماضي. ومع دخول الحرب شهرها الثاني تبدو الصورة قاتمة، وتحمل في طياتها الكثير من القلق الداخلي اللبناني من إفرازات الصراع الدائر، خصوصًا أن هذه الحرب عرّت "حزب الله" وكشفت عن تنسيق قيادي غير مسبوق مع "الحرس الثوري" الذي يدير دفة العمليات ويقود المواجهات. ومع التحذير من الاحتلال الإسرائيلي لمساحاتٍ شاسعةٍ من لبنان وتوجيهه المزيد من الضربات الموجعة لجرّ الحزب إلى التوقيع على اتفاقٍ يضمن أمن إسرائيل، تبدو حركة "حماس"، هي الأخرى، كأنها تتحرك لضبط الأوضاع في قطاع غزّة مع تزايد الخروقات الإسرائيلية.
وحطّ وفدٌ من الحركة في القاهرة بعد زيارةٍ إلى أنقرة سعيًا إلى تطبيق المرحلة الثانية من اتفاق وقف النار، والتوصل إلى تفاهماتٍ بشأن "نزع السلاح"، الذي يمثل بندًا رئيسيًا وسط اختلافات حادة في وجهات النظر. وتستغل تل أبيب ما يجري عالميًا من أجل استكمال إبادة غزّة وخنق الضفة الغربية المحتلة، التي شهدت أمس الخميس، إضرابًا شاملًا رفضًا لقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين الذي صادق عليه الكنيست الإسرائيلي مؤخرًا على الرغم من الإدانات الواسعة والتحذير من مخاطره وتداعياته. وتعيش الضفة قضمًا مستمرًا لأراضيها مع توسع المشاريع الاستيطانية، التي بلغت ذروتها العام الماضي، بالتوزاي مع إجرام المستوطنين بتواطؤ مع قوات الجيش التي توفر لهم الدعم والإسناد. أما في الأخبار العربية الأخرى، فعيّن رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني عبد الفتاح البرهان الفريق أول ركن ياسر العطا رئيسًا جديدًا لأركان الجيش، ضمن سلسلة قراراتٍ بتشكيل رئاسةٍ جديدةٍ لهيئة الأركان.
هذه الأخبار والمستجدات وغيرها كانت محط اهتمام الصحف العربية الصادرة اليوم، الجمعة. وهنا نظرة على أبرز ما جاء فيها:
اعتبرت صحيفة "الوطن" البحرينية أن "العدوان الإيراني أخطأ في قراءة الخليج العربي، وأن ما تفرضه المرحلة اليوم أوسع من توصيف الثبات، وأبعد من الاكتفاء بمشاهد الصمود؛ لأن القضية لم تعُد تقف عند حدود الإدانة، بل دخلت منطقةَ الاستحقاق: استحقاقِ المساءلة، واستحقاقِ التعويض، واستحقاقِ أن يدفع المعتدي ثمنَ ما اقترفت يداه". وأضافت أن "أيّ اتفاق تعقده واشنطن مع النظام الإيراني لا يجوز أن يُقرأ من زاوية إنهاء الحرب وحده، بل يجب أن يقترن، إلى جانب المساءلة والتعويضات، بقيودٍ دائمةٍ على القدرات الصاروخيَّة والطائرات المًسيَّرة، وبضماناتٍ صريحةٍ تمنع تكرار الابتزاز عبر الممرات الحيوية، وتكبح سياساته العدائية في المنطقة وأذرعَه ووكلاءه. فبعد أن أخطأ هذا العدوان الآثم قراءة الخليج العربي، يجب ألّا يُسمح له أن يُخطئ قراءة العاقبة أيضًا".
وعن الرابحين والخاسرين في الحرب الدائرة، رأت صحيفة "الخليج" الإماراتية أن "روسيا، تعدّ من كبار الرابحين، بفضل زيادة صادراتها من النفط والغاز وتراجع الضغوط عليها، ما يمنحها فرصة لتوسيع نفوذها في أسواق السلع الأساسية، مثل الأسمدة، إلى جانب الاستثمار دعائيًا في تشكيكها بأسباب الحرب، وفي الربح المادي لدعم آلتها العسكرية في الحرب. أما الصين فهي تواجه على المدى القصير ضغوطًا اقتصادية، نتيجة اضطرابات إمداد الطاقة وارتفاع أسعارها، لكنها تمتلك القدرة على امتصاص الصدمة، بسبب تنوع مصادر الطاقة". فيما الخاسرون كثُر من الشعب الإيراني إلى دول مجلس التعاون الخليجي التي ترتب عليها فاتورة خسائر كبيرة. وأكدت أنه "ومع غياب أفق واضح لنهاية هذه الحرب، فإن المخاطر تتزايد، إذ تحولت هذه الحرب من مواجهة محدودة، إلى أزمة ممتدة ومتسعة، يُراد منها إعادة تشكيل النظام الدولي بأكمله، وإعادة رسم موازين القوى العالمية".
صحيفة "الرياض" السعودية، من جانبها، أكدت أن "الحرب في صورتها الراهنة، اتسعت إلى فضاءات متعددة الأبعاد، تتداخل فيها الجغرافيا مع الاقتصاد، وتتحول فيها الممرات البحرية إلى أدوات ضغط موازية للصواريخ، مع تصاعد العمليات دون أفق واضح للحسم، وإعلان الولايات المتحدة نيتها تكثيف الضربات على إيران خلال أسبوعين إلى ثلاثة، في مؤشر على دخول المواجهة مرحلة أطول وأكثر حدة". ونبهت إلى أن "هذا التصعيد المتبادل لم يبقَ في نطاقه الثنائي، إذ اتخذ مسارًا توسعيًا واضحًا، مع اتساع رقعة الاشتباك جغرافيًا ودخول أطراف جديدة على خط المواجهة، بما يعزز احتمالات تهديد الملاحة، ويدفع الصراع نحو نموذج حرب إقليمية متعددة الجبهات، تعكس تحولات متسارعة في موازين النفوذ داخل المنطقة".
في الإطار عينه، أشارت صحيفة "اللواء" اللبنانية إلى أن طبيعة الصفقة الأميركية – الإيرانية هي التي ستحدد الاحتمالات المستقبلية، خصوصًا أن "المواجهة العسكرية ستبقى مفتوحة على أسوأ السناريوهات، في ظل الرفض الإسرائيلي للاستعداد اللبناني للتفاوض على تفاهمات حدودية تضمن الاستقرار الطويل المدى للطرفين، وما يواكب هذا الرفض من تصعيد يومي في العمليات البرية والغارات الجوية". وقالت إنه "من المؤسف فعلًا أن يبقى لبنان ساحة شديدة التأثر بالصراعات الإقليمية التي تصل تبعاتها إلى أراضيه، وتحوله إلى ساحة لتصفية حسابات الآخرين ، وبالتالي فإن مصيره وخياراته لا تُحسم داخليًا، بقدر ما تكون ورقة على طاولة التفاوض بين الأطراف الخارجية".
(رصد "عروبة 22")

