فلسطين... القضية والبوصلة

مِنَ السّجْنِ إلى المِشْنَقَة.. "قانونٌ فاشِـيٌّ" بحق الفِلسطينِيّين!

فلسطين - فادي داود

المشاركة

لَمْ يَعُدِ السِّجْنُ وَحْدَهُ هُوَ المَصيرُ المُحْتَمَلُ لِلأَسْرى الفِلَسْطينِيّين، فَمَعَ إِقْرارِ "الكْنيسِت الإِسْرائيلِيِّ" قانونَ الإِعْدام، تَدْخُلُ القَضِيَّةُ مَرْحَلَةً جَديدَةً أَكْثَرَ قَسْوَةً وَتَعْقيدًا في تاريخِ الحَرَكَةِ الأَسيرَةِ الفِلَسْطينِيَّة.

مِنَ السّجْنِ إلى المِشْنَقَة..

يَقْضي القانونُ الإسرائيليُّ بِفَرْضِ عُقوبَةِ الإِعْدامِ على فِلَسْطينِيّينَ مُدانينَ بِتَنْفيذِ عَمَلِيّاتٍ أَدَّتْ إلى مَقْتَلِ إِسْرائيلِيّينَ عَمْدًا في إِطارِ عَمَلٍ يُصَنَّفُ بِأَنَّهُ "إِرْهابِيّ". كَما يَنُصُّ على عَدَمِ إِمْكانِيَّةِ مَنْحِ عَفْوٍ في مِثْلِ هَذِهِ الحالات، ما يَعْني تَثْبيتَ الحُكْمِ مِنْ دونِ إِمْكانِيَّةِ تَخْفيفِهِ أَوْ تَغْييرِهِ بِقَرارٍ سِياسِيٍّ أَوْ قانونِيٍّ لاحِق.

وَشَمَلَ القانونُ الذي تَقَدَّمَتْ بِهِ عُضو الكْنيسِت ليمور سون هارْميلِخ، فيما قادَهُ وَزيرُ الأَمْنِ القَوْمِيُّ المُتَطَرِّفُ إيتمار بِنْ غَفير، فَرْضَ عُقوبَةٍ إِلزامِيَّةٍ مِنْ دونِ الحاجَةِ إلى إِجْماعٍ قَضائِيّ، وَتَنْفيذَ حُكْمِ الإِعْدامِ شَنْقًا بِواسِطَةِ مَصْلَحَةِ السُّجونِ الإِسْرائيلِيَّة، على أَنْ يَتِمَّ تَنْفيذُ الحُكْمِ خِلالَ مُدَّةٍ مُحَدَّدَةٍ لا تَتَجاوَزُ 90 يَوْمًا مِنْ صُدورِه.

وَيَتَضَمَّنُ القانونُ تَمْييزًا في آلِيَّةِ تَطْبيقِهِ بَيْنَ داخِلِ إِسْرائيلَ وَالضَّفَّةِ الغَرْبِيَّة، إِذْ يَنُصُّ على فَرْضِ عُقوبَةِ الإِعْدامِ في الضَّفَّةِ بِاعْتِبارِها العُقوبَةَ الأَساسِيَّة، مَعَ مَنْحِ المَحْكَمَةِ العَسْكَرِيَّةِ صَلاحِيَّةً اسْتِثْنائِيَّةً لِفَرْضِ السِّجْنِ المُؤَبَّدِ في "ظُروفٍ خاصَّة"، على أَنْ يُحَدِّدَ وَزيرُ الأَمْنِ سِياسَةَ الجِهَةِ القَضائِيَّةِ المُخْتَصَّةِ بِمُحاكَمَةِ المُتَّهَمين.

كَما يَمْنَحُ مَشْروعُ القانونِ رَئيسَ الحُكومَةِ الإِسْرائيلِيَّةِ صَلاحِيَّةَ التَّوَجُّهِ إلى المَحْكَمَةِ لِطَلَبِ تَأْجيلِ تَنْفيذِ حُكْمِ الإِعْدامِ في "ظُروفٍ خاصَّة"، على أَنْ لا تَتَجاوَزَ فَتْرَةُ التَّأْجيلِ الإِجْمالِيَّةُ 180 يَوْمًا، على الرَّغْمِ مِنْ تَحْديدِ مُهْلَةِ تَنْفيذِ الحُكْمِ الأَساسِيَّةِ بِـ90 يَوْمًا مِنْ تاريخِ تَثْبِيتِه.

إِداناتٌ دَوْلِيَّةٌ وَغَضَبٌ فِلَسْطينِيّ

وَلَقِيَ القانونُ الإسرائيليُّ إِداناتٍ عَرَبِيَّةً وَدَوْلِيَّةً وَغَضَبًا فِلَسْطينِيًّا شَعْبِيًّا وَرَسْمِيًّا وَحِزْبِيًّا، حَيْثُ عَمَّ الإِضْرابُ الشّامِلُ الأَراضِيَ الفِلَسْطينِيَّة مَطلعَ الشَّهرِ الجاري، احْتِجاجًا على هَذا القانون. كَما دَعَتْ بَريطانْيا وَأَلْمانْيا وَفَرَنْسا وَإيطالْيا في بَيانٍ مُشْتَرَك، إِسْرائيلَ إلى التَّراجُعِ عَنِ القانون، وَطالَبَتْ مُنَظَّمَةُ العَفْوِ الدَّوْلِيَّةُ "أَمْنِسْتي"، إِسْرائيلَ بِإِلغائه فَوْرًا، وَقالَتْ في بَيانٍ لَها: "إِنَّ إِقْرارَ هَذا القانونِ في الشَّهْرِ نَفْسِهِ الذي أَسْقَطَ فيهِ المُدَّعي العامُّ العَسْكَرِيُّ الإِسْرائيلِيُّ جَميعَ التُّهَمِ المُوَجَّهَةِ إلى جُنودٍ إِسْرائيلِيّينَ مُتَّهَمينَ بِالِاعْتِداءِ الجِنْسِيِّ على مُعْتَقَلٍ فِلَسْطينِيّ، يَكْشِفُ بِجَلاءٍ مَدى تَجْريدِ إِسْرائيلَ لِلفِلَسْطينِيّينَ مِنْ إِنْسانِيَّتِهِم". وأضافت: "على مَدارِ سَنَوات، شَهِدْنا نَمَطًا مُقْلِقًا لِلغايَةِ مِنْ عَمَلِيّاتِ الإِعْدامِ خارِجَ نِطاقِ القَضاءِ وَغَيْرِها مِنْ عَمَلِيّاتِ القَتْلِ غَيْرِ المَشْروعِ بِحَقِّ الفِلَسْطينِيّين، فيما تَمَتَّعَ الجُناةُ بِإِفْلاتٍ شِبْهِ تامٍّ مِنَ العِقاب. وَيُشَكِّلُ هَذا القانون، الذي يَسْمَحُ بِتَنْفيذِ عَمَلِيّاتِ إِعْدامٍ تُقِرُّها الدَّوْلَةُ وَتَرْعاها، تَتْويجًا لِمِثْلِ هَذِهِ السِّياسات".


وَاعْتَبَرَتِ الرِّئاسَةُ الفِلَسْطينِيَّةُ أَنَّ هَذا القانونَ يُعَدُّ جَريمَةَ حَرْبٍ بِحَقِّ الشَّعْبِ الفِلَسْطينِيّ، وَيَأْتي في سِياقِ السِّياساتِ وَالإِجْراءاتِ التَّصْعيدِيَّةِ التي تَنْتَهِجُها سُلُطاتُ الِاحْتِلالِ في الأَراضي الفِلَسْطينِيَّةِ كافَّة، في قِطاعِ غَزَّةَ وَالضَّفَّةِ الغَرْبِيَّةِ بِما فيها القُدْسُ المُحْتَلَّة. وَحَذَّرَتْ مِنَ التَّداعِياتِ الخَطيرَةِ لِمِثْلِ هَذِهِ القَوانِينِ العُنْصُرِيَّة، التي مِنْ شَأْنِها زِيادَةُ التَّوَتُّرِ وَالتَّصْعيد، وَتَهْديدُ فُرَصِ تَحْقيقِ الأَمْنِ وَالِاسْتِقْرارِ في المِنْطِقَة.

مِنْ جانِبِهِ، قالَ حازِم قاسِم النّاطِقُ بِاسْمِ حَرَكَةِ "حَماس"، إِنَّ "الِاحْتِلالَ الذي سَبَقَ أَنْ أَعْدَمَ مِئاتِ الأَسْرى تَحْتَ وَطْأَةِ التَّعْذيبِ وَالإِهْمالِ الطِّبِّيِّ داخِلَ سُجونِه، يَسْعى اليَوْمَ إلى إِضْفاءِ غِطاءٍ قانونِيٍّ على جَريمَةٍ قائِمَةٍ أَصْلًا، عَبْرَ تَشْريعِ إِعْدامِهِمْ بِشَكْلٍ مُباشِر، في مُحاوَلَةٍ مَكْشوفَةٍ لِتَصْفِيَةِ قَضِيَّةِ الأَسْرى".

قانونٌ عُنْصُرِيٌّ فاشِيّ

وَقالَ رَئيسُ نادي الأَسيرِ الفِلَسْطينِيِّ عَبد اللَّه الزّغاري، لِـ"عُروبَة 22"، إِنَّ القانونَ الإسرائيليُّ عُنْصُرِيٌّ فاشِيٌّ يُعَبِّرُ عَنْ عَقْلِيَّةٍ انْتِقامِيَّةٍ إِجْرامِيَّةٍ تَتَعَطَّشُ لِدِماءِ الشَّعْبِ الفِلَسْطينِيِّ بِشَكْلٍ عام، وَالأَسْرى على وَجْهِ الخُصوص.

وَأَضافَ أَنَّ هَذا القانونَ يَأْتي في سِياقِ امْتِدادٍ لِحَرْبِ إِبادَةٍ جَماعِيَّةٍ تُنَفَّذُ بِحَقِّ الشَّعْبِ الفِلَسْطينِيّ، راحَ ضَحِيَّتَها عَشَراتُ الآلافِ مِنْ أَبْناءِ الشَّعْبِ الفِلَسْطِينِيّ، معتبرًا أنّ عدمَ قُدرةِ العالَمِ على وَضْعِ حَدٍّ لِمَنْظومَةِ الِاحْتِلال، فَتَحَ الشَهِيَّةَ الإسرائيليةَ لِلتَّنَكُّرِ لِكُلِّ القِيَمِ الإِنْسانِيَّةِ وَالقَوَانينِ الدَّوْلِيَّة، عَبْرَ نَزْعَةٍ انْتِقامِيَّةٍ يَسودُها مَنْطِقُ القُوَّة.

وَحَذَّرَ الزّغاري من أَنَّ هُناكَ أَبْعادًا وَمَخاطِرَ كَبيرَةً على المُسْتَوى الحُقوقِيِّ وَالقانونِيِّ وَالسِّياسِيِّ وَالإِنْسانِيِّ لِهَذا القانونِ الخَطيرِ الذي يَأْتي في أَسْوَأ وَأَخْطَرِ مَرْحَلَةٍ تَمُرُّ بِها الحَرَكَةُ الأَسيرَة، مُطالِبًا الدُّوَلَ وَالمُؤَسَّساتِ الدَّوْلِيَّةَ بِأَنْ لا تَكْتَفِيَ بِالإِداناتِ وَإِنَّما بِالتَّحَرُّكِ على الأَرْضِ لِوَقْفِ هَذا التَّغَوُّلِ الإِسْرائيلِيّ.

وَحَسَبَ إِحْصائِيّاتِ نادي الأَسيرِ الفِلَسْطينِيّ، فَإِنَّ هُناكَ 9500 فِلَسْطينِيٍّ وَعَرَبِيٍّ يَقْبَعونَ في سُجونِ الِاحْتِلالِ الإِسْرائيلِيّ، فيما بَلَغَ عَدَدُ الأَسْرى الذينَ احْتُجِزَتْ جَثامينُهُمْ في سُجونِ الِاحْتِلالِ 97 شَهيدًا، نَتيجَةَ التَّعْذيبِ وَالإِهْمالِ الطِّبِّيِّ المُتَعَمَّد، بَيْنَهُمْ 86 شَهيدًا مُنْذُ حَرْبِ الإِبادَةِ على قِطاعِ غَزَّة، بَيْنَما ارْتَفَعَ عَدَدُ شُهَداءِ الحَرَكَةِ الأَسيرَةِ مُنْذُ عامِ 1967 إلى 326.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن