العرب وطموح الوحدة

الوَحْدَةُ الوَظيفِيَّةُ وَمَنْطِقُ الضَّرورَة!

كَثيرًا ما يُعاوِدُ الوِجْدانُ طَرْحَ فِكْرَةِ الوَحْدَةِ العَرَبِيَّةِ وَتَأْسيسِ كِيانٍ مُوَحَّدٍ قَوِيٍّ مَتين، يُشَكِّلُ قُوَّةً عالَمِيَّةً يُحْسَبُ لَها حِسابٌ في الْمَوازينِ الدَّوْلِيَّةِ والعَلاقاتِ الْمُؤَثِّرَةِ في سِياسَةِ العالَم. فَهَل يَكْفي أَنْ نَرْكَنَ إلى الحُلْمِ القَوْمِيِّ الذي أَرْسى شِعاراتِ الوَحْدَةِ وَوَضَعَ خَرائِطَها الِافْتِراضِيَّةَ المُمْكِنَةَ وَراياتِها الخَفّاقَة، حَتّى نَتَمَكَّنَ مِنْ إِقامَةِ الوَحْدَةِ واقِعًا؟ وَهَل يُمْكِنُ لِلدُّوَلِ العَرَبِيَّة، ضِمْنَ شُروطِ التَّفَكُّكِ الرّاهِن، التي فَرَضَتْها عَلَيْها سِياساتُ الهَيْمَنَةِ الِاسْتِعْمارِيَّةِ أَنْ تُؤَسِّسَ لِوَحْدَةٍ انْدِماجِيَّةٍ شُمولِيَّة، تُحيلُنا إلى خُطَّةٍ تَطْبيقِيَّةٍ تَتْبَعُها الأَنْظِمَةُ في إِدارَةِ شُؤونِ الأَقْطار، بِحَيْثُ نَصِلُ إلى أَهْدافٍ اسْتراتيجِيَّةٍ كُبْرى تَصْنَعُ الواقِعَ وَتُغَيِّرُ تَوَجُّهاتِ النِّظامِ العالَمِيِّ وَتُعيدُ طَرْحَ الأَخْلاقِيّاتِ السِّياسِيَّةِ والِاجْتِماعِيَّةِ البَشَرِيَّةِ مِنْ جَديد؟.

الوَحْدَةُ الوَظيفِيَّةُ وَمَنْطِقُ الضَّرورَة!

إِنَّ الوَحْدَةَ المُمْكِنَةَ اليَوْمَ لا يُمْكِنُ أَنْ تَكونَ انْدِماجِيَّةً شامِلَة، بَل وَحْدَةً وَظيفِيَّةً قِطاعِيَّةً تَبْدَأُ بِاجْتِماعاتٍ تَنْسيقِيَّةٍ عَلَنِيَّةٍ مَدْروسَةٍ في مَجالَيْ الأَمْنِ والدِّفاع، بِوَصْفِهِما المَجالَيْنِ الأَكْثَرَ إِلْحاحًا، والأَقَلَّ اصْطِدامًا بِالبُنى الثَّقافِيَّةِ والسِّياسِيَّةِ الدّاخِلِيَّة. هَذِهِ الوَحْدَةُ تَكونُ وَظيفِيَّةً سَريعَةً في ظِلِّ الحَوادِثِ الطّارِئَة، عِنْدَما تَتَعَرَّضُ أَيُّ دَوْلَةٍ إلى عُدْوانٍ خارِجِيٍّ يَلزَمُهُ تَفْعيلُ مُعاهَدَةِ الدِّفاعِ المُشْتَرَك، بِما يُعيدُ امْتِلاكَ القَرارِ الِاسْتراتيجِيِّ في إِظْهارِ سِيادَةِ الدَّوْلَةِ على أَرْضِها، مِنْ دونِ الِاضْطِرارِ إلى التَّبَعِيَّةِ الحَتْمِيَّةِ لِما تُقَرِّرُهُ الدُّوَلُ الكُبْرى في إِدارَةِ الصِّراع. إِنَّ مَوْقِفًا واضِحًا، أَيْ مُوَحَّدًا، مِنَ الحَدَث، باتَ ضَرورِيًّا بِحَيْثُ لا نُعْفي أَنْفُسَنا مِنْ مُداوَرَةِ البَحْثِ في قُدْرَتِنا على تَنْسيقِ المَوْقِفِ المُوَحَّد. وَهَذا جُزْءٌ لا يُسْتَهانُ بِهِ في تَحْديدِ شَكْلِ الصِّراعِ الدائِر.

التهديدات الخارجية لا تُواجَه فرديًا بل بقرارات كتل سياسية ضاغطة في المجتمع الدولي

ما تُمْليهِ عَلَيْنا الظُّروفُ الرّاهِنَةُ هُوَ التَّفْكيرُ بِمَنْطِقِ الضَّرورَةِ وَلَيْسَ بِخَوالِجِ الرَّغْبَة. فالتَّهْديداتُ الخارِجِيَّة، الإِقْليمِيَّةُ مِنْها والدَّوْلِيَّة، أَصْبَحَتْ في الحَرْبِ الأَخيرَةِ الدّائِرَةِ بَيْنَ إيرانَ وَأميرْكا على أَرْضِ العَرَب، تُوَجَّهُ بِشَكْلٍ مُباشِرٍ إلى المَساسِ بِبُنْيَةِ الدُّوَلِ القائِمَةِ نَفْسِها. والحاجَةُ إلى التَّوَسُّعِ والهَيْمَنَةِ عِنْدَ الأَميركِيينَ أَصْحابِ القَرار، تَتَقاطَعُ مَعَ رَغَباتِ الذّاتِ الإيرانِيَّةِ الرّاهِنَةِ بِالتَّمَدُّدِ وَتَحْقيقِ النُّفوذِ أَيْضًا في الشَّرْقِ العَرَبِيّ. هَذا الحُلْمُ الفارِسِيُّ اصْطَدَمَ بِالحُلْمِ الصُّهْيونِيِّ الإِسْرائيلِيِّ بِسِيادَةِ هَذا الشَّرْق، لَكِنْ، كِلا الطَّرَفَيْنِ لا يُمْكِنُهُما مُجاوَزَةُ سِياسَةِ البَيْتِ الأَبْيَضِ في إِدارَةِ الِاقْتِصادِ العالَمِيِّ وَمَوارِدِ الطَّاقَةِ والمالِ في كُلِّ مَكان.

وَبِما أَنَّ التَّهْديداتِ الْخارِجِيَّةَ لا تُواجَهُ فَرْدِيًّا، بَل بِقَراراتِ كُتَلٍ سِياسِيَّةٍ ضاغِطَةٍ في المُجْتَمَعِ الدَّوْلِيّ، فَإِنَّ الحاجَةَ إلى كُتْلَةٍ عَرَبِيَّةٍ مُوَحَّدَةٍ صارَتْ أَمْرًا ضَرورِيًّا لِإيقافِ خَسارَةِ المَوْقِعِ المُؤَثِّر، ما يَجْعَلُ المَوارِدَ عُرْضَةً لِإِعادَةِ التَّوْزيعِ مِنَ الخارِج. وَهَذا ما لا تَتَحَمَّلُهُ الكِياناتُ القُطْرِيَّةُ العَرَبِيَّةُ اليَوْم.

الوحدة الأمنية الدفاعية وظيفتها تحسين شروط التفاوض حتى نحافظ على مجتمعاتنا

وَلَمّا كانَ الأَمْنُ لا يُنْجَزُ إِلّا إِذا كانَ عَمَلًا شُمولِيًّا مُوَسَّعًا عابِرًا لِلحُدود، إِذْ لا يَكْفي أَنْ تَشْعُرَ بِالأَمْنِ أَوْ تُحَقِّقَهُ داخِلِيًّا حَتَّى تُحَصِّلَهُ دَوْلِيًّا، فَإِنَّ مَبْدَأَ التَّدَرُّجِ الوَظيفِيِّ في بِناءِ هَذا العُنْصُرِ الضَّرورِيِّ على طَريقِ التَّفْكيرِ الوَحْدَوِيِّ السَّريعِ عَرَبِيًّا، يَقْتَضي الِاعْتِرافَ بِالواقِعِ الرّاهِن، بِحَيْثُ يَفْهَمُ الكُلُّ هَواجِسَ الكُلّ، فَنُدْرِكُ مَواضِعَ العَجْزِ وَنُحَدِّدُ مَصادِرَ الِانْطِلاق.

الوَحْدَةُ اليَوْمَ لَيْسَتْ تَوْحيدَ أَنْظِمَة، بَلْ هِيَ القُدْرَةُ على إِنْشاءِ ما يُشْبِهُ غُرْفَةَ عَمَلِيّاتٍ مُشْتَرَكَة، تَحْكُمُها عَقيدَةٌ دِفاعِيَّةٌ مُوَحَّدَةٌ وَتَنْسيقٌ اسْتِخْباراتِيٌّ مُتَكامِلٌ، واتِّفاقٌ على خُطوطٍ حَمْراءَ اسْتْراتيجِيَّة، أَيْ ما يُمْكِنُ أَنْ نُطْلِقَ عَلَيْهِ مَشْروعَ "الِانْدِماجِ الدِّفاعِيِّ الأَدْنى".

وَهُنا تَبْرُزُ الإِشْكالِيَّةُ الأَخْلاقِيَّةُ السِّياسِيَّةُ في تَطْبيقِ مِثْلِ هَذِهِ الإِجْراءَات، بَعْدَ مَرْحَلَةٍ انْتَهَتْ فيها الأَنْظِمَةُ التَّقْليدِيَّةُ في الدُّوَلِ التي كانَتْ تَقودُ المَشْروعَ القَوْمِيَّ العَرَبِيَّ إيدْيولوجِيًّا، كَسورْيا والعِراق. إِذْ تَطْفو إلى الذِّهْنِ أَسْئِلَةٌ مَشْروعَة؛ فَهَل هَذا المَشْروعُ يُعيدُ إِنْتَاجَ السُّلْطَوِيَّة؟ وَهَلِ الأَمْنُ المُشْتَرَكُ يَتَحَوَّلُ إلى أَداةِ هَيْمَنَةٍ داخِلِيَّة؟.

الوحدة العربية هي شرط استراتيجي للاستمرار الحضاري

كُلُّ ذَلِكَ مُمْكِنٌ، إِذا لَمْ نَفْهَمِ الحاجَةَ إلى تَكْريسِ مَفْهومِ الواقِعِيَّةِ الْبارِدَة، الذي يَقومُ على أَخْلاقِ الضَّرورَةِ السِّياسِيَّةِ الحَدَثِيَّة، التي تُجيزُ كَلامَنا على بِناءِ هَذِهِ الوَحْدَةِ العَرَبِيَّةِ الأَمْنِيَّةِ الدِّفاعِيَّةِ الرّاهِنَة، بِما هِيَ اسْتِجابَةٌ وَظيفِيَّة، لا إيدْيولوجِيَّة، لِلواقِع. إِذْ إِنَّها تُتيحُ تَصْميمَ نُظُمٍ مُؤَسَّساتِيَّةٍ إِدارِيَّةٍ مُشْتَرَكَة، قائِمَةٍ على التَّوازُنِ الدّائِمِ في تَنْظيمِ العَلاقَةِ بَيْنَ الدُّوَلِ المُتَّحِدَة. وَلَيْسَ مِنْ شَأْنِ هَذِهِ الوَحْدَةِ تَحْقيقُ الِاسْتِقْلالِ المُطْلَقِ اليَوْم، وَرَفْعُ شِعاراتٍ كُبْرى لا يُمْكِنُ تَنْفيذُها، بَل وَظيفَتُها تَحْسينُ شُروطِ التَّفاوُضِ حَتّى نُحافِظَ على مُجْتَمَعاتِنا، وَنَقْدِرَ في مَراحِلَ مُتَقَدِّمَةٍ أَنْ نُحْدِثَ الكَيْنونَةَ الِانْبِعاثِيَّةَ لِضَرورَةِ الوَحْدَةِ الحَضارِيَّةِ الجامِعَة، التي تَبْنيها فَلْسَفَةٌ راهِنَةٌ لِلِاجْتِماعِ الإِنْسانِيِّ المُتَشَكِّلِ على حَيْثِيَّةٍ واعِيَةٍ مِنَ الرَّبْطِ بَيْنَ المُعْطَيَيْنِ المَعْرِفِيِّ والأَنْطولوجِيِّ في اسْتِحْضارِ التُّراثِ والمُسْتَقْبَلِ إلى لَحْظَةِ الحاضِر، حَتّى تَتَشَكَّلَ الهُوِيَّةُ المُمْكِنَة.

نَحْنُ لا نَسْتَطيعُ الِاسْتِمْرارَ كِياناتٍ مُنْفَصِلَةً في عالَمٍ لا يَعْتَرِفُ إِلا بِالتَّكَتُّلات، مُقابِلَ هَيْمَنَةِ الدُّوَلِ الكُبْرى. لِذا نَرى أَنَّ الوَحْدَةَ العَرَبِيَّة، في صورَتِها الجَديدَة، لَيْسَتْ حُلْمًا قَوْمِيًّا، بَلْ هِيَ شَرْطٌ اسْتْراتيجِيٌّ لِلِاسْتِمْرارِ الحَضارِيّ، لِتَأْسيسِ الأَمْنِ الحَضارِيِّ العَرَبِيّ. مِنْ هُنا فَإِنَّ مَفْهومَ الوَحْدَةِ الوَظيفِيَّةِ الذي طَرَحْناهُ لَيْسَ مُجَرَّدَ حَلٍّ بَراغْماتِيٍّ آنِيّ، بَلْ تَحَوُّلٌ في مَعْنى الوَحْدَةِ ذاتِه، الذي لَمْ يَعُدْ مُمْكِنًا على أَساسِ الِانْدِماجِ في دَوْلَةٍ واحِدَة، بَل صارَ يُمْكِنُ التَّفْكيرُ فيهِ بِكَوْنِهِ تَنْسيقًا عالِيًا لِتَحْقيقِ غايَةٍ مُحَدَّدَة، لِمُواجَهَةِ الأَحْداثِ الطّارِئَةِ بِخُطَطٍ مُتَكامِلَة، وَلَيْسَ بِانْفِعالاتٍ مُريبَةٍ يَحْكُمُها الخَوْف.

الوحدة الوظيفية هي الاستجابة العقلانية لمنطق الضرورة

إِنَّ الِاعْتِرافَ بِالهَيْمَنَةِ الأَميرْكِيَّةِ أَوِ الصّينِيَّةِ أَوِ الرّوسِيَّةِ أَوْ غَيْرِها يَجِبُ أَلّا يُعَطِّلَ عِنْدَنا السَّيْرَ الحَثيثَ لِبِناءِ المُجْتَمَعِ النّاهِضِ الْواعي الذَّكِيّ. وَهَذا ما يوجِبُ العِنايَةَ بِالتَّنْمِيَةِ اللُّغَوِيَّةِ وَبِتَطْويرِ مَناهِجِ التَّعْليمِ لِتُواكِبَ مَناهِجَ التَّفْكير، فَيُصْبِحُ الِانْدِماجُ البَشَرِيُّ بِالتِّقْنِيِّ في بِلادِنا مُعْطًى اجْتِماعِيًّا ناضِجًا في تَشْكيلِ الفَهْمِ العَرَبِيِّ لِلكَوْنِ اليَوْم.

إِذًا الوَحْدَةُ الوَظِيفِيَّةُ لَيْسَتْ بَديلًا عَنِ الوَحْدَةِ الحَضارِيَّةِ الشّامِلَة، بَلْ هِيَ شَرْطُ إِمْكانِها التّاريخِيّ. وَهِيَ الِاسْتِجابَةُ العَقْلانِيَّةُ لِمَنْطِقِ الضَّرورَة، لَكِنَّها لا تَكْتَسِبُ مَشْروعِيَّتَها النِّضالِيَّةَ التَّطْبيقِيَّةَ إِلّا إِذا حُدِّدَتْ هَذِهِ الضَّرورَةُ ضِمْنَ أُفُقٍ سِياسِيٍّ وَأَخْلاقِيٍّ يَمْنَعُ انْزِلاقَها إلى حالَةِ اسْتِثْناءٍ دائِمَة، تُبَرِّرُ اسْتِدامَةَ قَوانينِ الطَّوارِئِ أَوِ المَساسَ بِالحُرِّيات.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن