مِنْ نَتائِجِ هَذِهِ التَّحَوُّلاتِ التَّآكُلُ المُزْمِنُ لِصورَةِ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ كَقُوَّةٍ تَزْعُمُ تَوْطيدَ الِاسْتِقْرارِ الدَّوْلِيّ، لِأَنَّها انْتَقَلَتْ مِنْ دَوْرِ المُرَسِّخِ لِلنِّظامِ الْعالَمي بِدَلالَةٍ سِياسِيَّةٍ وَقِيَمِيَةٍ إلى فاعِلٍ سْكيزوفْرينِيٍّ تَحْكُمُهُ حِساباتٌ أَنانِيَّةٌ وَهَوَسُ الصَّفقاتِ وَابْتِزازُ الشُّعوبِ المَغْلوبَةِ على أَمْرِها. وَمِنْ عَلاماتِ هَذِهِ النَّتائِجِ أُسْلوبُ الحُكْمِ نَفْسُهُ الذي لا يَنْحَصِرُ في التَّصْعيدِ العَسْكَرِيِّ وَاللَّهاثِ وَراءَ تَسْوِياتٍ اسْتِراتيجِيَّةٍ فَقَط، وَإِنَّما في التَّناقُضِ بَيْنَ الخِطاباتِ وَالمُمارَساتِ وَبَيْنَ النَّوايا.
يَنْضَافُ إلى هَذا الِاخْتِلالِ انْفِكاكُ عُرى الثِّقَةِ بَيْنَ حُلَفاءِ أميركا، إِذْ شَهِدَتِ الْعَلاقاتُ الأَطْلَسِيَّةُ تَفَكُّكًا غَيْرَ مَسْبوقٍ مُمَثَّلًا في انْحِسارِ رَوابِطِ التَّضامُنِ وَالتَّكَتُّلِ الِاسْتراتيجِيّ. وَهَذا ما حَفَّزَ أَغْلَبَ الدُّوَلِ الأوروبِّيَّةِ على التَّفْكيرِ في مُراجَعَةِ تِلْكَ العَلاقاتِ التَّقْليدِيَّة، على الرَّغْمِ مِنْ وَعْيِها بِصُعوبَةِ البَحْثِ عَنْ بَديلٍ مُغايِر، لِأَنَّ الثِّقَةَ التي كانَتْ تُؤَسِّسُ لِهَذِهِ العَلاقاتِ قَدْ بَطَلَتْ.
انتقال دول الخليج إلى الصين وروسيا تعزيزًا لأمنها القومي وهروبًا من الابتزازات الأميركية سيُعيد تشكيل الهيكل الدولي
إِنَّ انْجِرارَ الولاياتِ المُتَّحِدَةِ إلى الحَرْبِ ضِدَّ إيران، كَشَفَ عَنْ ارْتِباكِ نِظامِ الحُكْمِ فيها الذي انْفَرَدَ بِالقَرارِ مِنْ دونِ تَنْسيقٍ مَعَ حِلْفِ النّاتو وَمَهَّدَ لِتَقْويضِ أُسُسِ تَحالُفاتِها الِاسْتراتيجِيَّةِ وَالِانْحِرافِ بِاسْتِقْرارِ النِّظامِ الدَّوْلِيِّ إلى اللّايَقينِ وَالفَوْضى. وَهَذا يَعْني أَنَّ نِظامَ القِيادَةِ في الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ أَسَّسَ سَلْبِيًّا لِتَقَوْقُعاتٍ سِياسِيَّةٍ وَديبْلوماسِيَّةٍ غَيْرِ مَسْبوقَة، قَدْ تُؤَدّي إلى نَزْعَةٍ أوروبِّيَّةٍ نَحْوَ الِاسْتِقْلالِ الِاسْتراتيجِيّ. وَهَذا ما شَرَعَتْ فَرَنْسا وَأَلْمانْيا في التَّخْطيطِ لَهُ عَبْرَ إِنْشاءِ قُدُراتٍ دِفاعِيَّةٍ بِاسْتِقْلالٍ عَنْ أَميرْكا. وَما لَمْ تُدْرِجْهُ هَذِهِ الأَخيرَةُ في الحُسْبان، أَنَّ هَذِهِ الأَساليبَ قَدْ تُعَزِّزُ السَّرْدِيَّةَ الصّينِيَّةَ النّازِعَةَ إلى التَّعَدُّدِيَّةِ القُطْبِيَّةِ التي تَسْحَبُ مِنْ أَميرْكا احْتِكارَها لِلقَرارِ الدَّوْلِيّ. وَهَذا يَخْدِمُ دَوْرَ بِكين في تَحْقيقِ أَهْدافِها الِاسْتراتيجِيَّةِ الكُبْرى. كَما يُعَزِّزُ طُموحَ روسْيا في إِضْعافِ الرَّدْعِ العَسْكَرِيِّ الغَرْبِيِّ وَتَحْقيقِ طُموحِها في اسْتِعادَةِ الكَثيرِ مِنَ الفَضاءاتِ السّوفْياتِيَّةِ السّابِقَة.
لا يَعْكِسُ إِشْعالُ أَميرْكا لِلحَرْبِ في إيرانَ أَزْمَتَها في القِيادَةِ وَالتَّدْبيرِ الِاسْتراتيجِيِّ فَقَط، وَإِنَّما يُنْبِئُ بِتَداعِياتٍ سَلْبِيَّةٍ في عَلاقَتِها بِدُوَلِ الخَليج، خاصَّةً أَنَّ هَذِهِ الدُّوَلَ بَدَأَتْ تَرْهُنُ تَجْديدَ اتِّفاقاتِها مَعَ أَميرْكا بِشُروطٍ تَقومُ على تَقْديمِ ضَماناتٍ تَجْعَلُ مِنْ هَذِهِ الدُّوَلِ في المُسْتَقْبَلِ في مَأْمَنٍ مِنْ نَوْعِ التَّهْديداتِ التي شَهِدَتْها خِلالَ هَذِهِ الحَرْب، الأَمْرُ الذي يَجْعَلُ مِنْ مَطْلَبِ إِنْهاءِ التَّهْديداتِ الإيرانِيَّةِ شَرْطًا حاسِمًا في هَذِهِ الضَّمانات.
الحرب على إيران تنتهي ببروز معادلات جيو-استراتيجية قائمة على صراعات عالمية
غَيْرَ أَنَّ أَميرْكا سَتَرْهُنُ هَذِهِ الضَّماناتِ بِصَفْقَةٍ جَديدَةٍ مَعَ دُوَلِ الخَليج، تَبْدَأُ أَوَّلًا بِسَدِّ الكُلْفَةِ المُرْتَفِعَةِ لِحَرْبِها على إيران، انْسِجامًا مَعَ النَّزْعَةِ الرِّبْحِيَّةِ البَشِعَةِ في العَقيدَةِ التّْرامْبِيَّة؛ وَثانِيًا بِفَبْرَكَةِ اتِّفاقاتٍ جَديدَةٍ لَها دَلالَةٌ ابْتِزازِيَّةٌ غَيْرُ مَسْبوقَةٍ في تاريخِ الْعَلاقَةِ الأَميرِكِيَّةِ - الخَليجِيَّة. وَهَذا ما عَبَّرَ عَنْهُ ترامب في مُؤْتَمَرِهِ الصُّحُفِيِّ الأَخيرِ وَهُوَ يُشيرُ إلى مُسْتَقْبَلِ الشَّرْقِ الأَوْسَطِ وَعَلاقَةِ أَميرْكا بِدُوَلِ الخَليج. غَيْرَ أَنَّ نَواياهُ سَتَصْطَدِمُ بِمُقاوَمَةِ دُوَلِ الخَليجِ نَظَرًا لِفُقْدانِ الثِّقَةِ في نِظامِ الحُكْمِ الأَميرْكِيِّ وَانْتِقالِ هَذِهِ الدُّوَلِ إلى حَليفٍ جَديدٍ مُمَثَّلًا في الصّينِ وَروسْيا تَعْزيزًا لِأَمْنِها القَوْمِيِّ وَهُروبًا مِنَ الِابْتِزازاتِ الأَميرْكِيَّة. الأَمْرُ الذي سَيُعيدُ تَشْكيلَ الهَيْكَلِ الدَّوْلِيِّ وَيَدْفَعُ بِالمُواجَهَةِ مَعَ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ التي قَدْ تَنْتَهي بِحَرْبٍ كَوْنِيَّةٍ شَامِلَة!.
وَعَلَيْه، فَإِنَّ الحَرْبَ على إيرانَ لا تَنْتَهي بِالقَضاءِ على نِظامِها السِّياسِيِّ وَتَفْكيكِ تَرْسانَتِها النَّوَوِيَّة، وَإِنَّما تَنْتَهي بِبُروزِ مُعادَلاتٍ جِيو-اسْتراتيجِيَّةٍ قائِمَةٍ على صِراعاتٍ عالَمِيَّة، الأَصْلُ في نُشوبِها خُطَطُ إِسْرائيلَ التي تَرى في هَذِهِ الحَرْبِ القادِمَةِ مُناسَبَةً لِبَعْثَرَةِ الأَوْراقِ وَتَحْقيقِ حُلْمِها في بِناءِ "وَطَنِها" المَوْعود!.
(خاص "عروبة 22")

