لم تعد الحرب الدائرة في الشرق الأوسط حدثاً عابراً يمكن احتواء آثاره ضمن حدود المواجهة المباشرة، بل تحوّلت إلى اختبار شامل لبنية الإقليم كله، وفي القلب منه منطقة الخليج العربي التي وجدت نفسها مرة أخرى أمام حقيقة جيوسياسية لا تقبل الإنكار، وهي أن أمنها ليس مسألة محلية ضيقة، بل عنصر تأسيسي في استقرار المنطقة والعالم معاً.
ومن هنا فإن التفكير في اليوم التالي لهذه الحرب لا ينبغي أن يكون ترفاً سياسياً مؤجلاً إلى ما بعد توقف النار، بل يجب أن يبدأ من الآن، لأن ما بعد هذه المواجهة لن يشبه ما قبلها، لا في الحسابات الأمنية، ولا في مفهوم الردع، ولا في شكل التوازنات التي ستنشأ عن هذه اللحظة المضطربة. لقد أظهرت التطورات الجارية أن دول الخليج، على اختلاف مواقعها وإمكاناتها، تواجه جملة مترابطة من المخاطر، وأن وحدة التهديدات تفرض، بالضرورة، وحدة أعلى في التنسيق، ورؤية أكثر تماسكاً في بناء المقتضيات الأمنية المشتركة.
فالأمن في هذه المرحلة لم يعد مجرد ترتيبات دفاعية منفصلة، بل أصبح شبكة مصالح وممرات ومجالات حيوية تتقاطع فيها الطاقة والتجارة والملاحة والاستقرار الداخلي مع المعادلات العسكرية الكبرى. وفي هذا السياق يبرز مضيق هرمز بوصفه رمزاً مكثفاً لهشاشة العالم أمام اختناق جغرافي محدود المساحة واسع الأثر، إذ لم يعد هذا المضيق شأناً إقليمياً صرفاً، بل صار مسألة دولية تمس الاقتصاد العالمي بأسره، بما يفتح الباب أمام ضرورة التفكير في صيغ قانونية وسياسية جديدة تضمن حرية الملاحة وتحمي هذا الشريان من التحوّل إلى ساحة مفتوحة للتهديد المتكرر. وليس المقصود هنا فقط ترتيبات بحرية أو تفاهمات ظرفية، بل إدراج أمن الممرات المائية ضمن إطار أوسع من الضمانات والالتزامات التي تجعل الاستقرار الإقليمي جزءاً من مسؤولية مشتركة لا يجوز أن تُترك رهينة لتقلبات القوة وحدها.
ومن الطبيعي، في ضوء هذا كله، أن تكون دول مجلس التعاون الخليجي حاضرة في أي تفاوض يفضي إلى وقف إطلاق النار أو إلى رسم معادلة ما بعد الحرب، لأن هذه الدول ليست مجرد مراقب قريب من الحدث، بل طرف متأثر مباشرة بنتائجه، أمنياً واقتصادياً وإستراتيجياً. ومن دون إشراكها في صناعة التسوية، ستظل أي تفاهمات ناقصة، لأنها تتجاهل مصالح من سيدفعون كلفة الاضطراب أو سيعيشون تحت ظلاله لسنوات لاحقة. واليوم التالي للحرب لا يحتاج فقط إلى وقف النار، بل إلى رؤية تعالج جذور القلق وتمنع إعادة إنتاج الانفجار بصيغ جديدة، وهو ما يقتضي انتقال المنطقة من منطق إدارة الأزمات المتلاحقة إلى منطق بناء الاستقرار المستدام.
وفي هذا الإطار يبرز الدور السعودي بوصفه أحد الأعمدة المرجحة لأي مسار تهدئة جاد، ليس فقط لما تمثله المملكة من ثقل سياسي واقتصادي، بل لأنها أظهرت، منذ اللحظة الأولى، ميلاً واضحاً إلى العمل على تخفيض التوتر، والانخراط في حراك دبلوماسي إقليمي مسؤول بالتعاون مع قوى محورية مثل تركيا ومصر وباكستان، سعياً إلى فتح نافذة للحل وسط ضجيج المواجهة. إن قيمة هذا الدور لا تكمن فقط في الحضور السياسي، بل فيما تمثله المملكة من وزن حضاري ومصداقية وقدرة على ربط الحاجة إلى الأمن بضرورة إنتاج تسويات قابلة للحياة.
ولذلك فإن الرهان الحقيقي في المرحلة المقبلة يجب ألا يكون على مجرد توقف المعارك، بل على بلورة تصور مشترك يحفظ أمن الخليج، ويصون حرية الملاحة، ويؤسّس لمرحلة تتراجع فيها احتمالات الانفجار لصالح منطق التوازن والاستقرار. فالمستقبل لا يصنعه من يكتفون بقراءة اللحظة، بل من يملكون شجاعة التفكير فيما بعدها، ومنطقة بهذا الحجم من الأهمية لا يجوز أن تبقى أسيرة الخوف، بل ينبغي أن تتحوّل، بعد كل هذا الألم، إلى مساحة أمل سياسي جديد.
(عكاظ السعودية)

