أثمرت الضغوط العسكرية وجهود الوساطات المُكثفة، التي كانت باكستان أحد أبرز رعاتها، في إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن اتفاقٍ لوقفِ النار لمدة أسبوعين، مقابل فتح مضيق هُرمز طوال هذه الفترة، على أن تتجدّد المفاوضات للوصول إلى تسويةٍ نهائيةٍ. وهكذا جُمِدّت المفاعيل الكارثيّة للصراع الذي بدأ يتدحرج كـ"كرة النار الملتهبة" ويُنذر بالأسوأ على جميع الأصعدة. فترامب هدّد بمحو حضارةٍ بأكملها مكررًا الحديث عن "الجحيم". بينما استغل النظام الإيراني قدراته وقرّر توجيه إنذاراتٍ إلى دولِ الجوارِ وأعلن انتهاء مرحلة "َضبط النفس"، بل وأكثر، توعّد بإغلاق مضيق باب المندب واستخدامه كـ"ورقة ابتزاز" جديدة. وفي كلتا الحالتين، خرج البيت الأبيض للإعلان أن "سيده" "استطاع تعزيز مصالح أميركا والتوسط للسلام"، فيما وصف مجلس الأمن القومي الإيراني ما تحقق بأنه "نصرٌ عظيم"، مؤكدًا "إجبار الولايات المتحدة على قبول المقترح الإيراني المكون من 10 نقاط". كما أوضح أن الاتفاق "ينصّ على المرورِ عبر مضيقِ هُرمز بالتنسيق مع القوات الإيرانيّة، وعلى ضرورة إنهاء الحرب ضد جميع عناصر محور المقاومة".
والبنود الـ10 التي تمسكت بها طهران تتضمن، بحسب وكالة "تسنيم" الإيرانية، تعهد الولايات المتحدة مبدئيًا بضمان عدم الاعتداء، استمرار سيطرة إيران على مضيق هُرمز، القبول بالتخصيب، رفع جميع العقوبات الأولية والثانوية، إنهاء جميع قرارات مجلس الأمن، إنهاء جميع قرارات مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، دفع تعويضات إلى إيران، خروج القوات القتالية الأميركية من المنطقة، ووقف الحرب على جميع الجبهات، من ضمنها لبنان. وحتى يُكشَف عن المقترح الإيراني بصيغته الرسمية التي اعتبرها الرئيس ترامب "أساسًا صالحًا للتفاوض لإنهاء الخلافات السابقة"، تتجه الأنظار إلى مواقف الدول الخليجية، التي أكّدت سابقًا رغبتها في أن تكون شريكًا رئيسيًا في أي تسويةٍ تُبرم، خصوصًا بعد تعرضها، لمدة 39 يومًا، إلى استهدافاتٍ مباشرةٍ طالت مراكزها الحيوية ومنشأتها المدنية، وخلّفت أضرارًا جسيمة. فهذه الدول ترفض تحول مضيق هُرمز إلى "رهينةٍ" وأن يكون لإيران ونظامها اليد العليا عليه، وبالتالي قدرتها على تهديدهم "في عقر دارهم" وتكبيد اقتصاداتهم خسائر كبيرة. فهذه الحرب، وبغض النظر عن الصيغة التي سيُتوَصَّل إليها، ستؤدي إلى إرساء موازين مختلفة وستدفع الدول الخليجية إلى البحثِ عن بدائلَ وخياراتٍ آخرى وتقوية علاقاتٍ جديدة، إذا أرادت الخروج من هذه الحرب بعبرٍ ودروسٍ للمستقبل، لا سيما أن "الحليف الأميركي" يبدو أنه في مكانٍ آخر اليوم.
وبالتالي، "تُهلّل" اليوم طهران لما استطاعت أن "تنتزعه"، فهي أصرّت على عدم الاستسلام، ولم "تقايض" جبهاتها "المقاومة" بما يثبت مقولة "وحدة الساحات". كما أن الضربات والاغتيالات الواسعة لكبار قيادييها و"الحرس الثوري" لم تؤدِ إلى تفكك النظام أو تغييره، بل تمسّكت به حتى الرمق الأخير، ومن هنا يأتي إعلانها "النصر" خصوصًا أن مضيق هُرمز، الذي تحول إلى "عقدةٍ" مستعصيةٍ كان مفتوحًا قبل بداية الحرب، ولم يكن الهدف شنّ عمليةٍ عسكريةٍ لفتحه. هذا الأمر سيفتح الباب واسعًا خلال الأيام القليلة المقبلة للتحليل والتحليل المضاد عن الرابحين والخاسرين في قتالٍ تعدّدت اطرافه، من دون أن يتمكّن أحد من إلغاء الآخر أو "محوه". وستكون الإدارة الأميركية محطّ الكثيرِ من الانتقادات، خصوصًا أن حليفتها إسرائيل، كانت بعيدةً عما يجري، وهي تناقلت طوال يوم أمس الثلاثاء معلوماتٍ مفادُها بأن الهوةَ سحيقةٌ بين طرفي النزاع، وأن التوصل إلى اتفاقٍ يبدو "مستحيلًا" و"غير ممكنٍ"، لكنها "ذُهِلَت" بتفاصيل الاتفاق الذي ستكون مُلزمةً بتنفيذه، بعد التوصل إليه، بحسب ما أفاد به مسؤولٌ سياسيٌ رفيع لـ"هيئة البث الرسمية". ومن المقرر أن يعقد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو اجتماعًا حكوميًا اليوم لبحث هذه التطورات والبناء عليها. وعلى الرغم من أن إسرائيل لا يمكنها "المجاهرة علنًا" بعدم التقيّد به، لكنها قد تؤدي أدوارًا خفيةً من أجل تعقيد أي إبرامٍ لتسويةٍ مستقبلية.
ووفق المعلومات، سيعقد طرفا النزاع، أي واشنطن وطهران، اللقاء المباشر الأول بينهما يوم الجمعة المقبل في العاصمة الباكستانية، إسلام آباد، التي تواصل التفاوض حتى الساعة الأخيرة وتحاول حثّ الجميع على القبول بإطارٍ ما لوقف الحرب والتمهيد لإعلاء لغة الحوار. في غضون ذلك، نقل موقع "أكسيوس" عن مسؤولين أميركيين أن وقف إطلاق النار سيدخل حيّز التنفيذ فور فتح مضيق هُرمز أمام الملاحة. فيما قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن العبور الآمن في المضيق "سيكون ممكنًا خلال أسبوعين بالتنسيق مع القوات المسلحة الإيرانيّة، ومع مراعاة القيود الفنية"، موضحًا أن إيران "ستوقف كافة عملياتها الدفاعية إذا توقفت الهجمات التي تُشَنّ عليها". وأضاف أن "أميركا وافقت على الشروط الإيرانيّة لوقف الحرب، وأن مفاوضات مباشرة ستجري لمدة أسبوعين في باكستان، يمكن تمديدها إذا توافق الطرفان على ذلك". وستكون هذه المدة محل اختبار لمدى قدرة الجميع على التهدئة وإعادة "بناء الثقة"، خصوصًا أن طهران تؤكد تآكلها بفعل النتائج التي أفضت إليها جولات التفاوض السابقة، التي كانت تُعقَد برعايةٍ عُمانيةٍ في مسقط وجنيف. لكن المعطيات اليوم تبدو مغايرة ويُمكن، إذا صدقت الرغبات، التوصل إلى حلٍ دائمٍ سيكون ملزمًا في حال جرى التوافق عليه، لأن طهران تطالب بضماناتٍ رسميةٍ لعدم تكرار الحرب عليها، وتريد فرض شروطها انطلاقًا من قدرتها على الصمود، بينما تسعى واشنطن إلى اتفاقٍ شاملٍ يجعلها تبدو بموقع "المنتصر".
هذه "الانتصارات" التي تتحقق في الحروب، تكون كلفتها الباهظة عادةً خسائرَ بشريةً وأعباءً ماليةً سيدفع ثمنها المواطن من قوته اليومي، خصوصًا أن الحديث عن "تجميد" الحرب لا يعني وقف تداعياتها وتأثيراتها. فالهجمات الأميركية – الإسرائيلية أدت إلى تدمير مواقع واسعة في طهران، تشمل مدارسَ وجامعاتٍ ومواقع صناعية وسكك حديد وجسور ومنشآت للطاقة وغيرها، التي تحتاج إلى سنواتٍ طويلةٍ لإعادتها إلى ما كانت عليه في السابق. هذا الأمر سيكلّف نظام "الثورة الإسلامية" الكثير، في حال استمرت الضغوط الاقتصادية عليها. فيما، على المقلب الآخر، تبرز آثار الهجمات الإيرانيّة على الدول الخليجية، التي عاشت أمس الثلاثاء "ليلةً ساخنةً" وسط قلقٍ من تمدّدِ نطاقِ الحرب. ودعت الكويت المواطنين والمقيمين إلى البقاء في المنازل بين منتصف الليل والسادسة من صباح اليوم الأربعاء، في "إجراءٍ احترازي". في وقتٍ أعلنت فيه الإمارات أن الجهات المختصة تعاملت مع حادث حريقٍ اندلع في منشأة حبشان لمعالجة الغاز. أما في البحرين، فأُعلَن عن تعليق للعمليات التشغيلية في الميناء الرئيسي للبلاد بدءًا من صباح الأربعاء، وفق ما أكّدته الشركة التي تدير الميناء لـ"وكالة الصحافة الفرنسية"، كما عُلقت حركة العبور على جسر الملك فهد، الرابط البرّي الوحيد بين السعودية والبحرين، بعد ورود إنذاراتٍ أمنيةٍ في المنطقةِ الشرقيةِ في السعودية. وطوال الفترة السابقة، أدانت هذه الدول وشجبت هذه الاعتداءت، وحاولت ثني طهران عن الاستمرار في "مغامراتها"، لكنها لم تتلقَ أي إجابات حاسمة وصريحة لأن النظام الإيراني ربط تلك الضربات بالقواعد العسكرية الأميركية في المنطقة فقط.
وبالتوازي مع هذه العمليات، أحبطت كل من الصين وروسيا مشروع قرارٍ قدّمته البحرين لحماية الشحن التجاري في مضيق هُرمز، بعدما استخدمتا حق النقض "الفيتو" في مجلس الأمن الذي فشل في تبني النصِّ، على الرغم من حصوله على 11 صوتًا مؤيّدًا (الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، البحرين، الصومال، جمهورية الكونغو الديمقراطية، ليبيريا، لاتفيا، الدانمارك، اليونان، وبنما)، مقابل صوتين معارضين (روسيا والصين)، وامتناع عضوين عن التصويت (باكستان وكولومبيا). وعقب التصويت، عبَّر وزير الخارجية البحريني عبد اللطيف الزياني عن "أسفه الشديد" للنتيجة، محذَّرًا من أن عدم تبني القرار يقوِّض صدقية المجلس، ويشجِّع على مزيدٍ من الاضطرابات في أحد أهم طرق التجارة في العالم. ولطالما كانت موسكو وبكين من أبرز حلفاء إيران الذين ساعدوها للالتفافِ على العقوبات التي فُرضت عليها، ما يعني أن هذا "الحلف الاستراتيجي" سيبقى نشطًا وسيتعزّز أكثر، في حال استطاعت طهران الحصول على "مكاسب" من واشنطن. في سياقٍ متصل، أسهمت الهدنة "المؤقتة" إلى تراجعٍ حادّ في أسعارِ النفط، في ظلِّ تقلّباتٍ سريعةٍ في معنويات الأسواق، مع تزايد الآمال في انحسار التوترات الجيوسياسية في المنطقة، ما ضغط على أسعار الطاقة التي شكّلت عنوانًا رئيسيًا للحرب وخلقت الكثير من التساؤلات وعلامات الاستفهام، كما أثّرت على ارتفاع أسعار المواد الغذائية وتكاليف الشحن وغيرها من الأمور. لكن هذا الأمر يبقى رهن التنفيذ والتزام الأطراف المتنازعة.
وقبل التوصل إلى اتفاقٍ أولي، تكثّفت الهجمات والضربات على إيران، فطالت الغارات الإسرائيليّة جسراً للسكك الحديدية في كاشان ومحطة قطار في مشهد وجسراً على طريقٍ سريعٍ قرب تبريز، ما نتج عنه تعطيل محاور نقل رئيسيّة. وأعلن الجيش الإسرائيلي أنه قصف ثمانية جسور في أنحاءٍ مختلفةٍ من البلاد. من جانبها، شنّت الولايات المتحدة غاراتٍ على أهدافٍ عسكريةٍ في جزيرة خرج، التي تضم محطة تصدير النفط الرئيسية في إيران، وكان ألمح ترامب علنًا إلى الاستيلاء عليها في وقتٍ سابق. في المقابل، تجمّع الإيرانيون بناءً على دعوةٍ من السلطات، وشكّلوا سلاسل بشرية، ضمت أطفالًا ونساء، بالقرب من المنشآت الحيوية بهدف منع استهدافها. وفي هذا الإطار، قال الرئيس مسعود بزشكيان: "لقد سُجّل حتى الآن أكثر من 14 مليون إيراني فخورين بأنفسهم للتضحية بحياتهم دفاعًا عن إيران. وأنا أيضًا كنت، وما زلت، وسأبقى مستعدًا لأن أهب حياتي من أجل إيران". وسيتكشّف المشهد أكثر في المقبل من الأيام لتحديد الخسائر، خصوصًا أن النظام يتشدّد في الرقابة ويفرض تعتيمًا شاملًا وقيودًا صارمةً، ويتمسك بكل تفاصيل حياة الإيرانيين الذي خرجوا إلى الساحات تنديدًا واعتراضًا في شهر كانون الثاني/ يناير الماضي، لكنهم وُوجهوا بحملةِ قمعٍ واعتقالٍ شديدة. وفي انتظار ما ستؤول إليه الأمور بين طهران وواشنطن، تعيش الساحات الرديفة، من لبنان إلى اليمن فالعراق لحظاتٍ حاسمة، إذ باتت الأمور خارجةً عن السيطرة. ففي بغداد، اقتحم عشرات المتظاهرين القنصلية الكويتية في البصرة وأنزلوا علمها، احتجاجًا على ما قالوا إنه هجوم صاروخي انطلق من أراضي الكويت، ما كان محط إدانات عربية وخليجية واسعة مع التشديد على ضرورة احترام حرمة البعثات الدبلوماسيّة.
هذا وتحاول الحكومة العراقية بذل جهودٍ للحفاظ على علاقتها مع محطيها العربي، والحدّ من تداعيات الحرب، لكنها، كما في لبنان، تبدو "بلا حيلة". فسطوة الفصائل الموالية لإيران على القرار السياسي تبدو أعلى من مقدرات الدولة نفسها. وعلى الجبهة اللبنانية، يبدو الوضع أكثر سوءًا، إذ حوّل "الحرس الثوري" الإيراني البلاد إلى ساحةٍ جديدةٍ من خلال المشاركة في العمليات التي يُنفّذها "حزب الله" ضد الاحتلال الإسرائيلي الذي يواصل قصفه وغاراته، ناسفًا قرى حدودية جنوبية بأكلمها محولًا إياها إلى ركام. فغياب محاسبة العدو بعد حرب الإبادة لمدة عامين في غزّة جعلته "يتباهى" باعتماد الأسلوب عينه في لبنان، وسط تأكيدات نتنياهو بأن الجبهة اللبنانية غير مشمولة باتفاق وقف النار الذي أعلن عنه ترامب، فجر اليوم. ويتناقض هذا التصريح مع حديث "راعي الوساطة" رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف الذي قال إن "وقف إطلاق النار سيكون في كل مكان بما في ذلك لبنان وأماكن أخرى، بأثرٍ فوري". وتأتي هذه الحيل الإسرائيليّة بعدما كرّر كبار المسؤولين رفضهم لربط الساحتين، خصوصًا أن تل أبيب كرّرت عزمها القضاء على الخطر الذي يمثله حزب الله على سكان المستوطنات الشمالية. وبلغت تكلفة الحروب الباهظة، التي يخوضها نتنياهو لتعزيز مسيرته السياسية، نحو 57 مليار دولار خلال عامي 2024 و2025، في حين تجاوزت الكلفة المباشرة للحروب منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 حاجز الـ112 مليار دولار، وفق تقديراتٍ رسميةٍ تشمل العمليات في غزّة ولبنان والمواجهة ضد إيران حتى العام الماضي.
وينعكس هذا التصاعد في الكلفة مباشرةً على الداخل الإسرائيلي، ما نتج عنه تظاهراتٍ احتجاجيةٍ واسعةٍ وبروز أصواتٍ منتقدةٍ، لكن حكومة "اليمين المتطرف" تبدو في مكانٍ آخر. ففي الشق الميداني، واصلت القوات الإسرائيلية توغلها داخل الأراضي اللبنانية، فيما اندلعت اشتباكات على مثلث "عيناثا - بنت جبيل – عيترون"، بموازاة محاولات تقدم إسرائيلي إلى محيط مدينة بنت جبيل، وهي كبرى مدن جنوب الليطاني، بحسب ما أفادت به وسائل إعلام لبنانية. وفي تطورٍ لافت، أشار "حزب الله" إلى استهداف مروحيتين إسرائيليتين في أجواء البياضة بصواريخ أرض – جو، ما أدى إلى "إجبارهما على التراجع"، إضافة إلى التصدي لطائرةٍ حربيةٍ إسرائيليّةٍ في أجواءِ الجنوب وأخرى في البقاع الغربي باستخدام الوسيلة عينها. وحالت هذه المواجهات دون زيارة السفير البابوي باولو بورجيا بلدة "دبل" الحدودية، التي تسكنها غالبية مسيحية قررت البقاء في منازلها ورفض تركها، على الرغم من الأوضاع الإنسانية الصعبة التي تمرّ بها. إلى ذلك، أُفيد بعد منتصف ليل أمس الثلاثاء عن سقوط 8 قتلى وعشرات الجرحى باستهداف الواجهة البحرية لمدينة صيدا، ما خلق حالة من الرعب والخوف لدى السكان. في الأثناء، أفادت النتائج الأولية لتحقيقٍ أممي بأن 3 عناصر إندونيسيين في قوات حفظ السلام "اليونيفيل" العاملة في جنوب لبنان قُتلوا بنيرانٍ إسرائيليةٍ وعبوةٍ زرعها "حزب الله"، في واقعتين منفصلتين سُجّلتا أواخر الشهر الماضي.
المشهد الدولي الذي يتّسمُ بتشابكٍ غير مسبوق بين النزاعات الإقليمية، حطّ في تركيا أمس بعد وقوع هجومٍ على مقرُّ القنصلية الإسرائيليّة في إسطنبول، أسفر عن مقتل أحد المهاجمين وإصابة اثنين آخرين. وبينما لم تُعرف بعد دوافع هذه العملية، أكدت أنقرة عدم وجود دبلوماسيين إسرائيليين على أراضيها، وتحدثت عن "شبهات" تورّط الجناة بسوابق أمنية وتجارة مخدرات والارتباط بمنظمات "تستغل الدين". أما في سياقٍ آخر، فلا تزال المجزرة التي وقعت في قطاع غزّة وأسفرت عن استشهاد 10 أشخاص تتفاعل، خصوصًا أن "العملاء" الموالين لإسرائيل كانوا سببًا رئيسيًا في ارتكابها خلال محاولة اختطاف نشطاء من "كتائب القسام"، بحسب المعلومات المتداولة. ويأتي ذلك على وقع استمرار الخروقات الإسرائيليّة التي لا تتوقف منذ دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في 10 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، التي أسفرت عن مقتل أكثر من 720 شخصًا على الأقل.
وفي الآتي، أبرز ما أوردته الصحف العربية الصادرة اليوم في مقالاتها وعناوينها:
اعتبرت صحيفة "الوطن" البحرينية أنه "حين تؤيد 11 دولة مشروع قرار يتعلق بأمن الملاحة في مضيق حيوي كهرمز، ثم يسقط بسبب اعتراض دولتين فقط، فإن المشكلة لا تعود في مضمون القرار، بل في القاعدة التي تحكم اتخاذ القرار نفسه". وقالت إن "هذا الحق، الذي مُنح لخمس دول فقط، كان يفترض أن يكون "صمام أمان" يمنع التصادم بين القوى الكبرى، لكنه مع مرور الوقت تحول إلى أداة تعطيل ممنهج. لم يعد يسهم في احتواء الأزمات بقدر ما يؤدي إلى ترحيلها وتعقيدها مع مرور الوقت، ولم يعد يحقق التوازن، بل يفرض الإرادة". وأضافت أن "ما سقط ليس مشروع قرار فقط، بل سقطت معه مرة أخرى فكرة أن العدالة الدولية يمكن أن تكون محايدة. سقطت قناعة أن المؤسسات الدولية قادرة دائمًا على حماية المصالح المشتركة للبشرية".
وتحت عنوان "السيناريو الخليجي مع إيران بعد الحرب!"، كتبت صحيفة "عكاظ" السعودية أن "سيناريوهات ما بعد الحرب ليست لإعادة ما كان عليه قبلها، ولكن لما يُفترض أن تكون عليه بعدها، وهو ما يتطلب موقفاً خليجياً وعربياً موحداً في التعاطي مع بقايا النظام الإيراني الحالي، وأسلوب التعايش معه بعيدًا عن حالات تعامل منفردة من أي دولة؛ لأن وحدة الموقف مهمة، وهو ما أثبتته الحرب الحالية". وأشارت إلى أن "الاتفاقيات الثنائية بين الدول الخليجية والعربية والنظام الإيراني أثبتت عدم قدرتها على الصمود، وأصبح الجميع مصدرًا للتهديد والاعتداء المباشر وغير المباشر خلال هذه الحرب، وبالتالي من المهم جدًا أن يكون الاتفاق مع إيران في مرحلة لاحقة من نهاية هذه الحرب بإرادة جماعية، وضمانات دولية، ورقابة دائمة، ولا يمنع أن تكون هناك مصالح ثنائية، ولكن ليس على حساب الأمن الخليجي والعربي، أو محاولة البعض إنقاذ إيران من عزلتها الحالية".
أما صحيفة "الخليج" الإماراتية، فأكدت أن "الحرب هي النقيض الطبيعي للأمن والسلام، لأنها تتسم بالعنف لهزيمة الخصم وإجباره على الخضوع لإرادة المنتصر. بمعنى آخر، إن الصراع العسكري لا يحقق إلا الدمار المادي والبشري، لأن أخطر الأوهام هو الاعتقاد بأن العنف يحل النزاعات، والصحيح أنه يديم الصراع ويزيد من المآسي، ويخلق الأزمات الاقتصادية والإنسانية، ويفاقم المعاناة، ويعمّق الكراهية وينقل مشاعرها من جيل إلى آخر". ونبّهت إلى أن "العالم يقف أمام مفترق طرق، وعليه الاختيار بين حرب تحمل في طياتها مخاطر اتساعها إقليميًا ودوليًا بما يشكله من خطر حقيقي على الأمن والسلم الدوليين في حال خرجت من أيدي العقلاء إلى أيدي مجانين يعتنقون مبادئ القوة والتطرف، والمسارعة إلى تطويق النار بما يلزم من عزيمة وإرادة تتعدى حدود القوة العسكرية، لاستكشاف الأرضية المشتركة لوضع حد لرعب الحروب".
في سياقٍ منفصل، رأت صحيفة "الغد" الأردنية أن ما يحصل يؤكد بلورة "ما يمكن وصفه بفكرة "إسرائيل الكبرى"، ليس فقط كامتداد جغرافي، بل كمنظومة هيمنة تفرض نفسها على كامل الفضاء الفلسطيني وتعيد تشكيل محيطها العربي، بحيث تكون إسرائيل دولة مركزية قوية محاطة بدول عربية تعمل على تقسيمها وإفشالها عبر التبعية الاقتصادية أو التشظي المذهبي والعرقي، بما يضمن تفوقًا دائمًا، حيث لا يعود الهدف السيطرة على الأرض فقط، بل التحكم في الإقليم سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، وفرض معادلة يكون فيها الوجود العربي تابعًا أو محكومًا بشروط هذه القوة". وأضافت أن "البديل لم يعد خيارًا، بل مشروع عربي اقتصادي سياسي عسكري قائم على وحدة المصالح لا وحدة المشاعر، وانفكاك تدريجي عن التحالفات الخارجية الغربية والشرقية، وبناء منظومة تحالف عربي ذات اصطفاف داخلي، ومنظومة عربية سياسية في إطار مشروع النهضة".


