تقدير موقف

"ثُلاثِيَّةُ إسرائيل" التي سَقَطَت!

مُنْذُ نَشْأَتِها، لَمْ تَقُمْ العَقيدَةُ الإِسْرائيلِيَّةُ على تَفَوُّقٍ عَسْكَرِيٍّ مُجَرَّد، بَل على مُعادَلَةٍ دَقيقَة: أَنْ تَبْدَأَ الحَرْبَ حينَ تُريد، وَأَنْ تُحْسَمَ قَبْلَ أَنْ تَتَحَوَّلَ إلى عِبْء، وَأَنْ تُدارَ مِنَ السَّماءِ حَيْثُ اليَدُ العُلْيا دائِمًا لِمَنْ يَمْلِكُها. هَكَذا تَشَكَّلَتْ ثُلاثِيَّتُها المُؤَسِّسَة: حَرْبٌ وِقائيةٌ تَسْبِقُ الخَطَر، تَفَوُّقٌ جَوِّيٌّ يُعَوِّضُ ضيقَ الجُغْرافْيا، وَحَسْمٌ سَريعٌ يَمْنَعُ الزَّمَنَ مِنَ التَّحَوُّلِ إلى خَصْم.

بِهَذِهِ المُعادَلَةِ عاشَتْ إِسْرائيل، وَبِها فَرَضَتْ إيقاعَها على المِنْطَقَةِ لِعُقود. غَيْرَ أَنَّ ما تَكَشَّفَ خِلالَ مُجْرَياتِ الحُروبِ الإِسْرائيلِيَّةِ في السَّنَواتِ القَليلَةِ الماضِيَة، أَنَّ هَذِهِ الصّيغَةَ لَمْ تَعُدْ تَعْمَلُ كَما صُمِّمَت. فَمَعَ تَرَسُّخِ مَنْطِقِ الِاسْتِنْزافِ في هَذِهِ الحُروب، لَمْ تَعُدِ الضَّرْبَةُ الوِقائِيَّةُ تَضْمَنُ نَتائِجَها، وَلا السَّماءُ كافِيَةً لِحَسْمِ ما يَجْري على الأَرْض، وَلا الزَّمَنُ قابِلًا لِلِاحْتِواءِ داخِلَ حَرْبٍ قَصيرَة.

هُنَا يَظْهَرُ التَّحَوُّلُ الجَوْهَرِيّ، فالدَّوْلَةُ التي بَنَتْ وُجودَها على هَذِهِ الثُّلاثِيَّة، تَجِدُ نَفْسَها مُضْطَرَّةً لِلتَّكَيُّفِ مَعَ واقِعٍ جَديد، حَيْثُ لَمْ تَعُدْ هِيَ مَنْ يُحَدِّدُ شُروطَ الِاشْتِباك، بَل أَصْبَحَتْ مُدارَةً داخِلَها.

لَمْ تُبْنَ دَوْلَةُ الكِيانِ الصُّهْيونِيّ، مُنْذُ نَشْأَتِها، على افْتِراضِ الِاسْتِقْرار، بَل على إِدْراكٍ عَميقٍ بِهَشاشَتِها البُنْيَوِيَّة. لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الإِدْراكُ سِرًّا، بَل كانَ حاضِرًا في صَميمِ عَقيدَتِها الأَمْنِيَّة، وَفي وَعْيِ نُخَبِها السِّياسِيَّةِ وَالعَسْكَرِيَّةِ على السَّواء.

لم تعد الحرب تُدار بوصفها مواجهة بين قوّتين تتنافسان على التفوّق بل بوصفها صراعًا على الزمن والكلفة

الجُغْرافْيا، التي بَدَتْ في لَحْظَةِ التَّأْسيسِ انْتِصارًا، كانَتْ في حَقيقَتِها مَأْزِقًا مُؤَجَّلًا. جُغْرافْيا مَأْزومَة، في بَعْضِ مَناطِقِها لا يَتَجاوَزُ عَرْضُها بِضْعَ كيلومِتْرات، بِلا عُمْقٍ اسْتْراتيجِيّ، وَبِكَثافَةٍ سُكّانِيَّةٍ وَمَنْشَآتٍ حَيَوِيَّةٍ مُتَقارِبَةٍ إلى حَدِّ الِاخْتِناق.

هَذِهِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مُعْطَياتٍ جُغْرافِيَّة، بَل شُروطُ وُجود. مِنْ هُنَا يُمْكِنُ فَهْمُ لِماذا لَمْ تُؤْمِنْ هَذِهِ الدَّوْلَةُ يَوْمًا بِالحُروبِ الطَّويلَة، وَلَمْ تَبْنِ اسْتْراتيجِيَّتَها على فِكْرَةِ الصُّمود، بَل على نَقيضِها تَمامًا: الحَسْمُ السَّريع.

الحَرْبُ الوِقائِيَّةُ لَمْ تَكُنْ خِيارًا عُدْوانِيًّا فَحَسْب، بَل كانَتْ ضَرورَةً وُجودِيَّةً أَيْضًا، وَنَقْلُ المَعْرَكَةِ إلى أَرْضِ الخَصْمِ لَمْ يَكُنْ تَرَفًا عَسْكَرِيًّا، بَل شَرْطًا لِلبَقاء. وَمِنْ هُنا أَيْضًا يَأْتي الحِرْصُ على التَّفَوُّقِ الجَوِّيِّ لِأَنَّهُ البَديلُ الوَظيفِيُّ عَنِ العُمْقِ الجُغْرافِيِّ المَفْقود.

غَيْرَ أَنَّ ما يَحْدُثُ الآنَ يَضَعُ هَذِهِ العَقيدَة، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ بِهَذا الوُضوح، أَمامَ اخْتِبارٍ مُخْتَلِفٍ نَوْعِيًّا، لا يَتَعَلَّقُ بِقُدْرَتِها على الِانْتِصارِ في مَعْرَكَة، بَل بِقُدْرَتِها على تَحَمُّلِ حَرْبٍ لا تَمْلِكُ قَرارَ إِنْهائِها وَقْتَ ما تُريدُ أَوْ مَتى تَشاء. ذَلِكَ أَنَّ التَّحَوُّلَ الأَبْرَزَ في نَمَطِ المُواجَهَةِ لا يَكْمُنُ في حَجْمِ الضَّرَبات، بَل في مَنْطِقِها.

لَمْ تَعُدِ الحَرْبُ تُدارُ بِوَصْفِها مُواجَهَةً بَيْنَ قُوَّتَيْنِ تَتَنافَسانِ على التَّفَوُّق، بَل بِوَصْفِها صِراعًا على الزَّمَنِ وَالكلْفَة. وَهُنَا تَحْديدًا يَتَبَدَّلُ ميزَانُ القُوَّة. فإيران، في رَدِّها على الضُّغوطِ وَالضَّرَبات، لا تَسْعى إلى تَحْقيقِ اخْتِراقٍ حاسِمٍ بِقَدْرِ ما تَسْعى إلى فَرْضِ إيقاعٍ مُمْتَدّ، تُصْبِحُ فيهِ كلْفَةُ الدِّفاعِ أَعْلى مِنْ كلْفَةِ الهُجوم.

صَواريخُ أَقَلُّ كُلْفَة، قابِلَةٌ لِلإِنْتاجِ مَحَلِّيًّا، لا تَحْتاجُ إلى تَفَوُّقٍ تِكْنولوجِيٍّ خارِق، تُقابِلُها مَنْظوماتٌ دِفاعِيَّةٌ مُعَقَّدَة، باهِظَةُ الثَّمَن، مَحْدودَةُ المَخْزون، وَمُرْتَبِطَةٌ جُزْئِيًّا بِسَلاسِلِ إِمْدادٍ خارِجِيَّة. في هَذِهِ المُعادَلَة، لا يَكونُ السُّؤال: هَل يُمْكِنُ اعْتِراضُ الصَّواريخ؟ بَلْ: إلى مَتى يُمْكِنُ الِاسْتِمْرارُ في اعْتِراضِها؟ وَكَمْ تَبْلُغُ كلْفَةُ ذَلِك؟ وَمَتى يَتَحَوَّلُ التَّفَوُّقُ التِّقْنِيُّ مِنْ مَصْدَرِ قُوَّةٍ إلى عِبْءِ اسْتِنْزاف؟.

الحرب حين تطول تضرب البيئة التي تجعل الكيان الإسرائيلي قابلًا للحياة

هُنَا يَظْهَرُ التَّنَاقُضُ العَميقُ في بُنْيَةِ القُوَّةِ الإِسْرائيلِيَّة. كِيانٌ جَرى تَصْميمُهُ على نَموذَجٍ عالي الكُلْفَة: اقْتِصادٌ مُتَطَوِّر، بُنْيَةٌ تَحْتِيَّةٌ مُرَكَّزَة، مُجْتَمَعٌ يَقومُ على الإِحْساسِ بِالأَمْنِ وَالِاسْتِقْرار، وَتَدَفُّقاتٌ مُسْتَمِرَّةٌ مِنَ الِاسْتِثْمارِ وَالكَفاءات.

هَذا النَّموذَج، الذي كانَ مَصْدَرَ تَفَوُّقِها في زَمَنِ الحُروبِ القَصيرَة، يُصْبِحُ في زَمَنِ الِاسْتِنْزافِ الطَّويلِ نُقْطَةَ ضَعْف. لِأَنَّ الحَرْب، حينَ تَطول، لا تَضْرِبُ فَقَطِ الأَهْدافَ العَسْكَرِيَّة، بَل تَضْرِبُ البيئَةَ التي تَجْعَلُ هَذا الكِيانَ قابِلًا لِلحَياة: الثِّقَة، الِاسْتِثْمار، الإِحْساسُ بِالأَمان، وَاسْتِعْدادُ المُجْتَمَعِ لِلِاسْتِمْرار.

في المُقابِل، فَإِنَّ نَموذَجًا أَقَلَّ كلْفَةً وَأَكْثَرَ قُدْرَةً على الِاحْتِمالِ لا يَحْتاجُ إلى انْتِصارٍ حاسِمٍ بِقَدْرِ ما يَحْتاجُ إلى الِاسْتِمْرار. وَهَذِهِ هِيَ المُفارَقَةُ التي لَمْ تَكُنْ حاضِرَةً بِهَذا الوُضوحِ مِنْ قَبْل: لَمْ يَعُدِ التَّفَوُّقُ يُقاسُ بِمَنْ يَمْلِكُ القُوَّةَ الأَكْبَر، بَل بِمَنْ يَسْتَطيعُ تَحَمُّلَ الحَرْبِ لِفَتْرَةٍ أَطْوَل.

وَمَعَ ذَلِك، فَإِنَّ هَذا التَّحَوُّل، على أَهَمِّيَّتِه، لا يَعْني أَنَّ الكِيانَ يُواجِهُ لَحْظَةَ زَوالٍ وَشيك، كَما قَدْ يُسْتَنْتَجُ مِنْ بَعْضِ القِراءاتِ المُتَعَجِّلَة.

الكِيانُ الذي يَحْصُلُ على دَعْمٍ أَميرْكِيٍّ بِهَذا الحَجْم، وَيَمْلِكُ مُؤَسَّساتٍ مُتَماسِكَة، وَقُدْرَةً عالِيَةً على التَّكَيُّف، لا يَسْقُطُ بِسُهولَة. لَكِنَّ ما يُمْكِنُ قَوْلُهُ بِثِقَةٍ أَكْبَرَ هُوَ أَنَّ هَذا الكِيانَ قَدْ يَجِدُ نَفْسَهُ مُضْطَرًّا، لِأَوَّلِ مَرَّة، إلى إِعادَةِ تَعْريفِ شُروطِ بَقائِهِ لَيْسَ بِمَعْنى التَّخَلّي عَنْ قُوَّتِه، بَل بِمَعْنى إِعادَةِ النَّظَرِ في كَيْفِيَّةِ اسْتِخْدامِها.

اعْتادَتْ إِسْرائيل، مُنْذُ نَشْأَتِها، أَنْ تُمْسِكَ بِساعَةِ الحَرْب، لا تُشارِكُ فيها، بَل تُديرُها، تَضْبِطُ إيقاعَها، وَتَخْتارُ لَحْظَةَ البَدْءِ كَما تَخْتارُ لَحْظَةَ التَّوَقُّف، وَتَنْقُلُها إلى حَيْثُ تُريد، زَمانًا وَمَكانًا. لَكِنْ مَعَ تَرَسُّخِ مَنْطِقِ الِاسْتِنْزاف، تَفْلِتُ هَذِهِ السّاعَةُ مِنْ يَدِها على نَحْوٍ بَطيء، وَرُبَّما غَيْرِ قابِلٍ لِلِاسْتِرْداد.

الدول لا تُقاس فقط بما تملكه من قوة بل بما تستطيع الحفاظ عليه من عناصر هذه القوة

لَمْ تَعُدْ وَحْدَها مَنْ يُحَدِّدُ قَواعِدَ الِاشْتِباك، بَل أَصْبَحَتْ طَرَفًا داخِلَ مُعادَلَةِ رَدْعٍ مُخْتَلِفَة، تُصاغُ شُروطُها خارِجَ إِرادَتِها، وَتُفْرَضُ عَلَيْها أَكْثَرَ مِمّا تَفْرِضُها. وَهُنَا لا تَكونُ المَسْأَلَةُ مُجَرَّدَ تَآكُلٍ في التَّفَوُّق، بَل مَساسٌ بِجَوْهَرِ العَقيدَةِ نَفْسِها: الِانْتِقالُ مِنْ دَوْلَةٍ تُديرُ الحَرْبَ إلى دَوْلَةٍ تُدارُ داخِلَها.

وَفي ضَوْءِ ذَلِك، لا يَعودُ السُّؤالُ المَطْروحُ هُوَ مَنْ سَيَنْتَصِرُ في هَذِهِ الجَوْلَةِ أَوْ تِلْك، بَل أَيُّهُما يَمْتَلِكُ القُدْرَةَ الأَعْمَقَ على إِعادَةِ تَعْريفِ مَوْقِعِهِ داخِلَ مُعادَلَةٍ تَتَغَيَّرُ قَوَاعِدُها.

الدُّوَلُ لا تُقاسُ فَقَطْ بِما تَمْلِكُهُ مِنْ قُوَّة، بَل بِما تَسْتَطيعُ الحِفاظَ عَلَيْهِ مِنْ عَناصِرِ هَذِهِ القُوَّةِ حِينَ تَتَبَدَّلُ الظُّروف. وَاخْتِبارُ إِسْرائيلَ الحَقيقِيُّ اليَوْمَ لَيْسَ في قُدْرَتِها على تَكْرارِ هَذا النَّموذَج، بَل في قُدْرَتِها على التَّكَيُّفِ مَعَ عالَمٍ لَمْ يَعُدْ يَسْمَحُ بِه!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن