بِنَظْرَةٍ مُتَعَجِّلَة، لا يوجَدُ وَقْتٌ لِلتَّأَسِّي على مُنَظَّمَةٍ أَخْفَقَتْ بِفَداحَةٍ في تَبْريرِ وُجودِها أَمامَ الرَّأْيِ الْعامِّ العَرَبِيّ. وبِنَظْرَةٍ أُخْرى، فَإِنَّ أَيَّ انْهِيارٍ مُحْتَمَلٍ لِلجامِعَةِ العَرَبِيَّةِ يَفْسَحُ المَجالَ واسِعًا أَمامَ إِعادَةِ تَرْتيبِ المِنْطَقَةِ لِصالِحِ حِقْبَةٍ إِسْرائيلِيَّةٍ تُطِلُّ بِرَأْسِها في الحَرْبِ الأَميرْكِيَّةِ - الإِسْرائيلِيَّةِ على إيران. إِذا ما انْكَسَرَتْ إيران، فَإِنَّ المِنْطَقَةَ سَوْفَ تَدْخُلُ جَحيمًا حَقِيقِيًّا مِنْ احْتِراباتٍ طائِفِيَّةٍ وَعِرْقِيَّة، تَتَمَدَّدُ إِسْرائيلُ فيهِ على حِسابِ كُلِّ ما هُوَ عَرَبِيٌّ وَإِنْسانِيّ.
الحِفاظُ على الْجامِعَةِ العَرَبِيَّة، على الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ الِانْتِقاداتِ والمَثالِبِ المُؤَكَّدَة، ضَرورَةٌ قُصْوى حَتّى لا يَكونَ انْهِيارُها مُقَدِّمَةً لِانْهِياراتٍ مُماثِلَةٍ في البُلدانِ العَرَبِيَّة، واحِدَةً إِثْرَ أُخْرى.
التفاعلات الرئيسية تجري خارج الجامعة العربية وتنعكس على موازين القوى في صياغة قراراتها
كانَ تَأْسيسُها عامَ (1945)، بِالمُفارَقَة، تَعْبيرًا عَنْ تَرْتيباتٍ بَريطانِيَّةٍ لِإِحْكامِ السَّيْطَرَةِ على العالَمِ العَرَبِيِّ لا تَحْريرِهِ وِفْقَ أَجْواء مَبادِئِ حَقِّ الشُّعوبِ في تَقْريرِ مَصيرِها، التي سادَتْ عالَمَ ما بَعْدَ الحَرْبِ الْعالَمِيَّةِ الثّانِيَة. لِذا كانَ طَبيعِيًّا أَنْ يُناهِضَها القَوْمِيّونَ العَرَبُ لِفَتْراتٍ طَويلَة.
إِثْرَ حَرْبِ فِلَسْطين (1948) وَهَزيمَةِ الجُيوشِ العَرَبِيَّة، هَيْمَنَتِ القَضِيَّةُ الفِلَسْطينِيَّةُ على خِطابِها السِّياسِيّ، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَماسِكًا، أَوْ مُقْنِعًا، بِأَنَّ بِوُسْعِها أَنْ تُعَبِّرَ عَنِ الغَضَبِ العَرَبِيِّ الْجامِحِ إِثْرَ النَّكْبَة.
"افْتَقَدْنا الإيمانَ في قِيادَةِ الجَيْش... وَفي قِيادَةِ البِلاد". هَكَذا كَتَبَ الضّابِطُ الشّابُّ جَمال عَبْد الناصِر بِخَطِّ يَدِهِ يَوْمَ 27 أُكْتوبَر/تِشْرينَ الأَوَّل (1948) في دَفْتَرِ يَوْمِيّاتٍ شَخْصِيَّةٍ يُسَجِّلُ فيها مَكْنوناتِ صَدْرِهِ أَثْناءَ الحَرْبِ يَوْمًا بيوْم.
بَعْدَ أَرْبَعِ سَنَواتٍ قامَتْ ثَوْرَةُ 23 يولْيو/تَمّوز، وَتَغَيَّرَتْ مَلامِحُ وَخَرائِطُ المِنْطَقَةِ كُلُّها.
خِلالَ عَشْرِ سَنَواتٍ بِالضَّبْطِ ما بَيْنَ عامَيْ 1948 وَ1958 اكْتَسَبَ المَشْروعُ العُروبِيُّ زَخَمَهُ وَقُوَّتَهُ مِنَ النَّكْبَةِ إلى الوَحْدَةِ المِصْرِيَّةِ - السّورِيَّة. تَأَكَّدَتْ أَدْوارٌ وَسِياساتٌ وَمَواقِفُ اسْتَجابَتْ لِتَحَدِّياتِ عَصْرِها.
خَرَجَتْ مِصْرُ إِثْرَ حَرْبِ السُّوَيْسِ (1956) قُوَّةً إِقْلِيمِيَّةً عُظْمى تُطارِدُ القُوى الِاسْتِعْمارِيَّةَ وَتَرْفُضُ سِياساتِ مَلْءِ الفَراغِ والأَحْلافِ والقَواعِدِ العَسْكَرِيَّة.
كانَ ذَلِكَ عَصْرًا جَديدًا تَأَكَّدَتْ فيهِ قُوَّةُ المَشْروع، لَكِنَّهُ تَعَرَّضَ لِضَرباتٍ مُتَتالِيَةٍ أَخْطَرُها انْفِصالُ الوَحْدَةِ المِصْرِيَّة - السّورِيَّة (1961)، وَهَزيمَةُ 1967... وَكانَتِ اتِّفاقِيَّةُ "كامْب ديفيد" (1978) ضَرْبَةً غَيْرَ مُحْتَمَلَة.
أهداف ترامب الاستراتيجية هي الأهداف الإسرائيلية
لَمْ تَكُنِ الْجامِعَةُ العَرَبِيَّةُ بِطَبيعَةِ تَكْوينِها طَرَفًا رَئيسِيًّا في صُلْبِ الصِّراعِ على المُسْتَقْبَل. التَّفاعُلاتُ الرَّئيسِيَّةُ تَجْري خارِجَها وَتَنْعَكِسُ بِالضَّرورَةِ على مَوازينِ القُوى في صِياغَةِ قَراراتِها.
عِنْدَما تَراجَعَتِ القِيادَةُ المِصْرِيَّةُ وَهُـمِّشَتْ أَدْوارُها بِأَثَرِ "كامْب ديفيد" بَدَأَ نَوْعٌ مِنَ التَّنافُسِ على قِيادَةِ العالَمِ العَرَبِيّ، لَكِنَّها أَخْفَقَتْ جَميعُها في مَلْءِ الدَّوْرِ الشّاغِر.
بِأَثَرِ حَرْبَيْ الخَليجِ الأولى والثّانِيَة، فُرِضَ حِصارٌ مُحْكَمٌ على العِراق، مَرْكَزِ الثِّقْلِ في المَشْرِقِ العَرَبِيّ، قَبْلَ أَنْ تُحْتَلَّ عاصِمَتُهُ بَغْداد (2003).
التّاريخُ لا يَعْرِفُ الْفَراغ. تَقَدَّمَتْ قُوَّتانِ إِقْليمِيّتانِ كَبيرَتان، تُرْكْيا وَإيران، لِقِيادَةِ المِنْطَقَةِ بِمُقارَبَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْن. الأولى، بِنَموذَجِها الِاقْتِصادِيِّ والسِّياسِيّ، الذي بَدا مُلْهِمًا عِنْدَ بِدايَةِ القَرْنِ الحادي والعِشْرينَ قَبْلَ أَنْ يَتَراجَعَ وَزْنُهُ بِالتَّداخُلِ الخَشِنِ في مَلَفّاتِ المِنْطَقَة. والثّانِيَة، بِقُوَّةِ انْحِيازِها إلى القَضِيَّةِ الفِلَسْطينِيَّةِ بَعْدَما تَراجَعَتِ النُّظُمُ العَرَبِيَّةُ عَنْ أَيِّ التِزامٍ وَكُلِّ دَوْرٍ يُنْظَرُ إِلَيْهِ بِاعْتِبار.
بَعْدَ تَراجُعِ الأَوْزانِ السِّياسِيَّةِ لِلدُّوَلِ المُؤَثِّرَةِ تاريخِيًّا وَتَقْليدِيًّا، بَدَأَتْ حِقْبَةٌ خَليجِيَّةٌ في التَّنازُعِ على قِيادَةِ العالَمِ العَرَبِيِّ حَتّى وَصَلْنا إلى ما نَحْنُ فيهِ الآنَ مِنْ تَدَهُّوُرٍ وَعَجْزٍ عَنْ صِياغَةِ مَوْقِفٍ عَرَبِيٍّ شِبْهِ مُوَحَّد، شِبْهِ مُتَماسِك، حَوْلَ القَضِيَّةِ الفِلَسْطِينِيَّة، التي كانَتْ وَما زالَتْ بوصَلَةَ الشَّرْعِيَّةِ في العالَمِ العَرَبِيِّ بِأَسْرِه.
إِذا لم يحدث تغيير جوهري في بنية الجامعة فإنها سوف تزوي
"الأَهْدافُ الِاسْتْراتيجِيَّةُ توشِكُ أَنْ تَتَحَقَّق". كانَ ذَلِكَ تَعْبيرًا مُراوغًا لِلرَّئيسِ الأَميرْكِيِّ دونالد ترامب يَعْكِسُ عُمْقَ المَأْزِقِ الذي يَجِدُ نَفْسَهُ فيه.
ما هَذِهِ الأَهْدافُ الِاسْتْراتيجِيَّةُ بِالضَّبْط؟ إِنَّها الأَهْدافُ الإِسْرائيلِيَّةُ نَفْسُها، إِنْهاءُ القَضِيَّةِ الفِلَسْطينِيَّةِ بِما تُسَمّيهِ "سَلامَ القُوَّة"، وَإِعادَةُ رَسْمِ خَرائِطِ المِنْطَقَةِ تَحْتَ قِيادَتِها.
إِذا كانَ ترامب يَتَوَعَّدُ إيرانَ بِإِعادَتِها إلى العَصْرِ الحَجَرِيّ، إِذا لَمْ تُوَقِّعْ مَعَهُ اتِّفاقًا أَوْ اسْتِسْلامًا غَيْرَ مَشْروطٍ لِكُلِّ ما تَطْلُبُهُ إِسْرائيل، فَإِنَّنا إِذا انْكَسَرَتْ داخِلونَ إلى المَصيرِ نَفْسِه.
هَذِهِ حَقيقَةٌ لا بُدَّ أَنْ نُدْرِكَها قَبْلَ فَواتِ الأَوان.
ماذا بِوُسْعِ الأَمينِ الْعامِّ الجَديدِ أَنْ يَفْعَلَ وَسْطَ المَخاوِفِ المُتَّقِدَة؟
أَنْ يَتَأَهَّبَ لِما بَعْدَ الحَرْبِ وَيَنْظُرَ في إِعادَةِ تَرْتيبِ الوَضْعِ العَرَبِيِّ المُتَصَدِّعِ لِتَقْليلِ خَسائِرِهِ وَتَضْميدِ عَلاقاتِهِ مَعَ دُوَلِ الجِوار.
هُناكَ مُبادَراتٌ مُجْهَضَةٌ في أَرْشيفِ الْجامِعَةِ العَرَبِيَّةِ تَسْتَحِقُّ إِحْياءَها مِنْ جَديد، إِذا ما أَرَدْنا أَنْ تَبْقى على قَيْدِ الحَياةِ فاعِلَةً وَمُؤَثِّرَة. أَوَّلُها، ما طَرَحَهُ الأَمينُ الْعامُّ الأَسْبَقُ عَمْرو موسى في قِمَّةِ سِرْت (2010) لِإِنْشاءِ صيغَةٍ تَدْمُجُ دُوَلَ الجِوار، قاصِدًا تُرْكِيا وإيرانَ تالِيًا، في بُنْيَةِ الْجامِعَةِ العَرَبِيَّة. أُجْهِضَتِ الفِكْرَةُ بِإِجْماعِ القادَةِ العَرَب، وَأَفْلَتَتْ فُرْصَةٌ يَصْعُبُ تَكْرارُها قَبْلَ أَنْ تُداهِمَنا الكَوارِثُ الْماثِلَة.
المهام التي تُداهم نبيل فهمي لا تحتمل التأجيل أو التجاهل
إِذا لَمْ يَحْدُثْ تَغْييرٌ جَوْهَرِيٌّ في بنْيَةِ الْجامِعَة، يُحافِظُ على هُوِيَّتِها العَرَبِيَّةِ وَيُضْفي عَلَيْها الْفاعِلِيَّة، التي تَفْرِضُها الحَقائِقُ الإِقْليمِيَّةُ المُسْتَجِدَّة، فَإِنَّها سَوْفَ تَزْوي.
هَذِهِ مُهِمَّةٌ صَعْبَةٌ لِلْغايَة، لَكِنْ لا غِنى عَنْها أَمامَ الِانْكِشافِ الأَمْنِيِّ العَرَبِيِّ الْفادِح، الذي تُعانيهِ المِنْطَقَةُ كُلُّها الآن.
وَثانِيًا، ما تَبَنّاهُ الأَمينُ العامُّ الراحِلُ الدُّكْتورُ نَبيل العَرَبي مِنْ إِدْماجِ رُؤى المُثَقَّفينَ والمُفَكِّرينَ في صُلْبِ عَمَلِ الْجامِعَةِ بِهَدَفِ تَطْويرِها وَإِسْباغِ القِيَمِ الحَديثَةِ عَلَيْها مِثْلَ التِزامِ القانونِ والمُواطَنَة. هَذِهِ مُهِمَّةٌ أُخْرى إِذا أَرَدْنا تَجْديدَ الرّوحِ والإِرادَةِ في جَسَدٍ عَرَبِيٍّ شِبْهِ مَشْلول.
كانَ اللَّهُ في عَوْنِ الأَمينِ العامِّ الجَديد، لَكِنَّ المَهامَّ التي تُداهِمُهُ في لَحْظَةِ تَوَلّيهِ المَنْصِبَ الرَّفيعَ لا تَحْتَمِلُ التَّأْجيل، أَوْ التَّجاهُل.
(خاص "عروبة 22")

