الأمن القومي العربي

مِصرُ وأَمنُ الخَليج: استراتيجِيَّةُ "الضَّرورَةِ والقُدْرَة"!

في قَلْبِ الحَرْبِ الأَميرْكِيَّةِ - الإِسْرائيلِيَّةِ على إيران، وَما صاحَبَها مِنْ هَجَماتٍ إيرانيةٍ مُباشِرَةٍ على دُوَلِ الخَليجِ العَرَبِيّ، يَعودُ السُّؤالُ بِقُوَّة: هَلْ لا يَزالُ أَمْنُ الخَليجِ جُزْءًا لا يَتَجَزَّأُ مِنَ الأَمْنِ القَوْمِيِّ المِصْرِيّ؟!. القاهِرَةُ تُؤَكِّدُ يَوْمِيًّا أَنَّ الإِجابَةَ: نَعَمْ، على لِسانِ الرَّئيسِ عَبْدِ الفَتّاحِ السّيسي، وَرَئيسِ الحُكومَةِ مُصْطَفى مَدْبولي وَوَزيرِ الْخارِجِيَّةِ بَدْرِ عَبْدِ العاطي.

مِصرُ وأَمنُ الخَليج: استراتيجِيَّةُ

المَوْقِفُ الرَّسْمِيُّ المِصْرِيُّ يُؤَكِّدُ بِشَكْلٍ واضِحٍ أَنَّ "أَمْنَ الخَليجِ جُزْءٌ لا يَتَجَزَّأُ مِنَ الأَمْنِ القَوْمِيِّ المِصْرِيّ"، وَهُوَ مَوْقِفٌ يَتَكَرَّرُ في التَّصْريحاتِ السِّياسِيَّةِ وَالتَّحْليلاتِ المُرْتَبِطَةِ بِمُؤَسَّساتِ الدَّوْلَة، وَيَعْكِسُ التِزامًا تَقْليدِيًّا بِمَفْهومِ "الأَمْنِ العَرَبِيِّ المُشْتَرَك"، كَما يُؤَدّي وَظيفَةً سِياسِيَّةً مُزْدَوِجَةً عَبْرَ طَمْأَنَةِ الحُلَفاءِ الخَليجِيِّين، وَإِرْسالِ رَسائِلَ رَدْعٍ غَيْرِ مُباشِرَةٍ تُجاهَ إيران.

خِلالَ جَوْلَتِهِ الخَليجِيَّةِ الأخيرة، أَكَّدَ السّيسي أَنَّ أَمْنَ الخَليجِ العَرَبِيِّ يُعَدُّ امْتِدادًا مُباشِرًا لِلأَمْنِ المِصْرِيّ، وَتَعَهَّدَ بِأَنَّ مِصْرَ لَنْ تَتَوانى عَنْ تَقْديمِ أَشْكالِ الدَّعْمِ كافَّة. كَما اعْتَبَرَ وَزيرُ الْخارِجِيَّةِ بَدْر عَبْدِ العاطي، أَنَّ أَمْنَ الْخَليجِ جُزْءٌ لا يَتَجَزَّأُ مِنَ الأَمْنِ القَوْمِيِّ المِصْرِيِّ وَالعَرَبِيّ. وَخَلَصَ بَيانٌ مُشْتَرَكٌ لِمَجْلِسَيْ النُّوّابِ وَالشُّيوخ، إلى اعْتِبارِ أَنَّ "أَيَّ تَهْديدٍ لِأَمْنِ دُوَلِ الخَليجِ يُمَثِّلُ تَهْديدًا مُباشِرًا لِلمَصالِحِ الوَطَنِيَّةِ العُليا لِمِصْر".

في المُقابِل، وَعلى مُسْتَوى المَوْقِفِ الشَّعْبِيّ، يُظْهِرُ الرَّأْيُ الْعامُّ المِصْرِيُّ تَضامُنًا مَعَ الخَليج، لَكِنَّهُ مُتَعاطِفٌ أَيْضًا مَعَ إيران، إِذْ يَضَعُ غالِبِيَّةُ المِصْرِيّينَ إِسْرائيلَ وَالوِلاياتِ المُتَّحِدَة، ضِمْنَ المَراتِبِ الأولى مِنَ التَّهْديداتِ الرَّئيسِيَّة، بِوَصْفِهِما "العَدُوَّ الحَقيقِيّ".

وَما بَيْنَ الخِطابِ الرَّسْمِيِّ وَالمِزاجِ الشَّعْبِيِّ المِصْرِيّ، تَتَّسِعُ فَجْوَةٌ اسْتْراتيجِيَّةٌ عَميقَةٌ قَدْ تُشَكِّلُ تَحَدِّيًا حَقيقِيًّا لِلسِّياسَةِ المِصْرِيَّةِ في الأَزْمَةِ الإِقْليمِيَّةِ الأَخْطَرِ مُنْذُ عُقود.

شَهِدَ الدَّوْرُ الإِقْليمِيُّ لِمِصْرَ تَحَوُّلًا تَدْريجِيًّا مِنْ "القِيادَةِ العَسْكَرِيَّة" إلى "الوَساطَةِ السِّياسِيَّة"، بِحَيْثُ لَمْ تَعُدْ مِصْرُ الْفاعِلَ العَسْكَرِيَّ الحاسِمَ في مُعادَلاتِ الخَليج، كَما كانَتِ الحالُ في بَعْضِ مَراحِلِ الحَرْبِ الْبارِدَةِ أَوْ حَتّى حَرْبِ الخَليجِ الثّانِيَة.

تَحَوُّلاتُ الدَّوْر

وَهَكَذا يُمْكِنُ القَوْلُ إِنَّ الدَّوْرَ المِصْرِيَّ مَرَّ بِثَلاثِ مَراحِل، أَوَّلُها الكْلاسيكِيَّةُ مُنْذُ عامِ 1970 وَحَتّى عامِ 2000، عِنْدَما كانَ الدَّوْرُ عَسْكَرِيًّا - سِياسِيًّا مُباشِرًا، جَسَّدَتْهُ مُشارَكَةُ مِصْرَ بِقُوّاتٍ في حَرْبِ الخَليجِ الثّانِيَة (1991) وَقَدَّمَتْ نَفْسَها كَضامِنٍ لِأَمْنِ الخَليج.

وَعَقِبَ انْتِهاءِ مَوْجَةِ ما عُرِفَ بِثَوْراتِ "الرَّبيعِ العَرَبِيّ"، مَرَّ الدَّوْرُ بِمَرْحَلَةٍ اقْتِصادِيَّةٍ بَرَزَتْ مَعَ الأَزماتِ الِاقْتِصادِيَّةِ المِصْرِيَّة، حَيْثُ تَحَوَّلَ الدَّوْرُ إلى تَشابُكِ مَصالِح، وَأَصْبَحَ الخَليجُ مَصْدَرًا رَئيسِيًّا لِلِاسْتِثْماراتِ الأَجْنَبِيَّةِ المُباشِرَةِ وَالتَّحْويلاتِ الْمالِيَّة، بَيْنَما أَصْبَحَتْ مِصْرُ تُوَفِّرُ العُمْقَ الِاسْتْراتيجِيَّ عَبْرَ قَناةِ السُّوَيْسِ وَبابِ المَنْدَب.

وَجَسَّدَتْ حَرْبُ إيران، المَرْحَلَةَ الحالِيَّةَ في دَوْرٍ يَعْتَمِدُ على ثَلاثَةِ مَحاوِر: تَضامُنٌ سِياسِيٌّ كامِل، مَعَ وَساطَةٍ ديبْلوماسِيَّةٍ نَشِطَة، وضَمانِ اسْتِقْرارِ المَنافِذِ البَحْرِيَّة.

في المُقابِل، أَعادَتْ دُوَلُ الخَليجِ تَشْكيلَ عَقيدَتِها الأَمْنِيَّةِ على أَساسِ تَنْويعِ الشُّرَكاء، مُتَّجِهَةً نَحْوَ عَدَمِ الِاكْتِفاءِ بِالمِظَلَّةِ العَرَبِيَّةِ التَّقْليدِيَّة، بَلِ امْتَدَّتْ إلى الوِلاياتِ المُتَّحِدَة، وَقُوًى دَوْلِيَّةٍ أُخْرى، بَل وَحَتّى تَرْتيباتٍ أَمْنِيَّةٍ جَديدَةٍ مَعَ أَطْرافٍ إِقْليمية.

وَمَعَ ذَلِك، ما زالَ البُعْدُ الِاقْتِصادِيُّ الرَّكيزَةَ الأَكْثَرَ تَأْثيرًا في هَذِهِ العَلاقَة، فَدُوَلُ الخَليجِ تُمَثِّلُ 30-40% مِنَ الِاسْتِثْماراتِ الأَجْنَبِيَّةِ المُباشِرَةِ في مِصْر، كَما أَنَّها مَصْدَرٌ رَئيسِيٌّ لِلتَّحْويلاتِ الْمالِيَّةِ وَالِاسْتِثْماراتِ في مِصْر، فَضْلًا عَنِ الدَّعْمِ المالِيِّ المُباشِرِ في أَوْقاتِ الأَزَمات.

وَبَلَغَتِ التَّحْويلاتُ المالِيَّةُ مِنَ المِصْرِيّينَ في الخَليجِ 41.5 مِلْيارَ دولارٍ في 2025 بِارْتِفاعِ 40.5% عَنْ 2024، وَهِيَ ثالِثُ أَكْبَرِ مُصَدِّرٍ لِلعُمْلَةِ الصَّعْبَةِ بَعْدَ الصّادِراتِ وَالِاسْتِثْمارات، بَيْنَما تُشَكِّلُ الِاسْتِثْماراتُ الخَليجِيَّة (خاصَّةً الإِمارات وَالسُّعودِيَّة وَقَطَر) الجُزْءَ الأَكْبَرَ مِنَ التَّدَفُّقاتِ الْمالِيَّةِ إلى مِصْرَ بِحَوالَيْ 11 مِلْيارَ دولارٍ خِلالَ العامِ الماضي.

وَبَرَزَتْ مَشاريعُ عِمْلاقَةٌ مِثْلُ "رَأْسِ الحِكْمَة" (35 مِلْيارَ دولارٍ إِماراتِيَّة) وَمَشاريعُ قَطَرِيَّةٌ وَسُعودِيَّة، سَرْعانَ ما تَحَوَّلَتْ إلى أُصولٍ اسْتْراتيجِيَّةٍ مُشْتَرَكَة.

فاتورَةُ الحَرْب

وَبَعْدَ مُرورِ نَحْوِ شَهْرٍ على بَدْءِ الحَرْبِ على إيران، تُعاني مِصْرُ أَكْبَرُ دَوْلَةٍ عَرَبِيَّةٍ بِعَدَدِ سُكّانٍ 120 مِلْيونًا، إِذْ تَراجَعَ سِعْرُ العُمْلَةِ المَحَلِّيَّةِ إلى مُسْتَوًى غَيْرِ مَسْبوق، لِيَفْقِدَ الْجُنَيْه أَكْثَرَ مِنْ 12 بِالمِئَةِ مِنْ قيمَتِه، وَرَفَعَتِ الحُكومَةُ المِصْرِيَّةُ أَسْعارَ الوَقود، وَاتَّخَذَتْ إِجْراءاتٍ صَعْبَةً لِعُبورِ الأَزْمَة.

وَبَيْنَما يَرى الجُمْهورُ المِصْرِيُّ في اسْتِقْرارِ الخَليجِ "صَمّامَ أَمانٍ" لِلِاقْتِصادِ المَحَلِّيّ، لَكِنَّهُ يُفَضِّلُ الدَّوْرَ المِصْرِيَّ "الدِّفاعِيَّ وَالوَسيطَ" بَدَلًا مِنَ "الهُجومِيّ".

هُناكَ ثَلاثَةُ أَسْبابٍ تَجْعَلُ الِانْفِكاكَ عَنْ أَمْنِ الخَليجِ مُسْتَحيلًا حالِيًّا، قَناةُ السُّوَيْسِ وَبابُ المَنْدَب، بِالإِضافَةِ إلى الِاسْتِثْماراتِ الخَليجِيَّة.

وَعلى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الِارْتِباطَ الاسْتْراتيجِيَّ يُواجِهُ اخْتِبارًا وُجودِيًّا، ما زالَ الأَمْنُ القَوْمِيُّ المِصْرِيُّ مُرْتَبِطًا عُضْوِيًّا بِدُوَلِ الخَليجِ على المُسْتَوى الرَّسْمِيِّ وَالِاقْتِصادِيّ.

وَانْتَقَلَتْ مِصْرُ مِنْ مَوْقِعِ "القُوَّةِ الحاسِمَة" إلى مَوْقِعِ "الفاعِلِ المُوازِن"، حَيْثُ لَمْ يَعُدْ حُضورُها عَسْكَرِيًّا مُباشِرًا، بَل يَكْمُنُ في قُدْرَتِها على التَّأْثيرِ السِّياسِيِّ وَإِدارَةِ التَّفاعُلاتِ الإِقْليمية.

وَيُعيدُ هَذَا التَّحَوُّلُ الدَّوْرَ المِصْرِيّ، إلى دَوْرٍ أَكْثَرَ حَذَرًا وَبْراغْماتِيَّة، بَدَلًا مِنَ الِاعْتِمادِ على مُعادَلَةِ النُّفوذِ المُباشِر.

لَمْ تَنْسَحِبِ القاهِرَةُ مِنَ الخَليج، لَكِنَّها أَعادَتْ تَمَوْضُعَها داخِلَهُ وِفْقَ مَنْطِقِ المَصالِحِ لا الشِّعارات، وَبِحِساباتٍ دَقيقَةٍ تَفْرِضُها تَعْقيداتُ الدّاخِلِ قَبْلَ تَحَوُّلاتِ الإِقْليم.

وَفي لَحْظَةِ تَراجُعِ أَدَواتِ القُوَّةِ التَّقْليدِيَّة، وَارْتِفاعِ كلْفَةِ الدَّوْرِ المُباشِر، وَفي وَاقِعٍ تَتَوَزَّعُ فيهِ مَفاتيحُ الِاسْتِقْرارِ الِاقْتِصادِيِّ بَيْنَ عَواصِمِ الخَليج، باتَتْ تَتَحَكَّمُ بِالدَّوْرِ المِصْرِيِّ مُعادَلَةٌ دَقيقَةٌ بَيْنَ الضَّرُورَةِ وَالقُدْرَة، بِما يَتَناسَبُ مَعَ الظُّروفِ الإِقْليميةِ الجَديدَة.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن