بَدَأَتِ الحُكومَةُ مُؤَخَّرًا في نَشْرِ المُوازَنَةِ العامَّةِ لِلدَّوْلَةِ وَإلى جانِبِها مُوازَنَةُ الحُكومَةِ العامَّةِ مِنْ دونِ العَلاقاتِ المُتَبادَلَةِ بَيْنَ الأَطْرافِ الحُكومِيَّة، وَهَذا لا عَلاقَةَ لَهُ بِوَحْدَةِ المُوازَنَةِ العامَّةِ لِلدَّوْلَةِ التي تَفْتَرِضُ إِدْراجَ كُلِّ الإِيراداتِ والمَصْروفاتِ العامَّةِ لِلدَّوْلَةِ وَهَيْئاتِها الاِقْتِصادِيَّةِ في مُوازَنَةٍ واحِدَةٍ يَجْري تَوْجيهُها لِتَحْقيقِ الأَهْدافِ الاِقْتِصادِيَّة - الاِجْتِماعِيَّةِ مِنَ النَّشاطِ الاِقْتِصادِيِّ لِلدَّوْلَة، وَبِحَيْثُ يَكونُ الفائِضُ أَوِ العَجْزُ رَقْمًا واحِدًا لِلدَّوْلَةِ وَكُلِّ ما يَتْبَعُها مِنْ مُؤَسَّساتٍ اِقْتِصادِيَّةٍ مَدَنِيَّةٍ وَعَسْكَرِيَّة.
وَلِإِدْراكِ حَجْمِ الفارِقِ يَكْفي أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ الإِيراداتِ المُقَدَّرَةَ لِلمُوازَنَةِ العامَّةِ لِلدَّوْلَةِ في العامِ المالِيِّ 2026/2027 تَبْلُغُ 4055 مِلْيارَ جُنَيْه، بَيْنَما تَبْلُغُ 8344 مِلْيارَ جُنَيْهٍ في مُوازَنَةِ الحُكومَةِ العامَّة، أَيْ أَنَّ ما تُخَطِّطُ لَهُ وَتُديرُهُ وَزَارَةُ المالِيَّة، وَهُوَ المُوازَنَةُ العامَّةُ لِلدَّوْلَةِ يُشَكِّلُ 48,6% مِنْ إِجْمالي إيراداتِ المالِ العامّ. وَتَبْلُغُ المَصْروفاتُ العامَّةُ 5177 مِلْيارَ جُنَيْهٍ لِلمُوازَنَةِ العامَّةِ لِلدَّوْلَة، تُشَكِّلُ أَقَلَّ مِنْ 53,1% مِنْ إِجْمالِيِّ مَصْروفاتِ الحُكومَةِ العامَّةِ في العامِ المالِيِّ نَفْسِه.
التَّعْلِيمُ والصِّحَّةُ والبَحْثُ العِلْمِي... أَخْطاءُ الحِساباتِ وَهَزَالُ الإِنْفاق
يُشيرُ مَشْروعُ المُوازَنَةِ العامَّةِ لِلدَّوْلَةِ لِلعامِ المالِيِّ 2026/2027، إلى أَنَّ الإِنْفاقَ العامَّ على التَّعْليمِ سَوْفَ يَبْلُغُ 1225,2 مِلْيارَ جُنَيْه، بَعْدَ إِضافَةِ حِصَّةِ التَّعْليمِ مِنْ سَدادِ الدُّيونِ وَفَوائِدِها وَهُوَ أَمْرٌ "مُبْتَكَرٌ" في مِصْرَ مُنْذُ عَقْدٍ مِنَ الزَّمَنِ وَلا يَعْرِفُهُ عِلْمُ المالِيَّةِ العامَّةِ أَصْلًا. وَيُشيرُ مَشْروعُ المُوازَنَةِ إلى أَنَّ ذَلِكَ الإِنْفاقَ يُعادِلُ 6% مِنَ النّاتِجِ المَحَلِّيِّ الإِجْمالِيِّ بِما يَعْني الاِلْتِزامَ بِالشَّرْطِ الدُّسْتورِيِّ في هَذا الشَّأْن.
لَكِنَّ مَشْروعَ المُوازَنَةِ يُشيرُ إلى أَنَّ النّاتِجَ المَحَلِّيَّ الإِجْمالِيَّ المُقَدَّرَ لِلعامِ المالِيِّ المَذْكورِ هُوَ 24506 مِلْيارَ جُنَيْهٍ مِصْرِيّ. وَبِالتّالي فَإِنَّ الإِنْفاقَ العامَّ على التَّعْليمِ كَنِسْبَةٍ مِنْهُ أَقَلُّ مِنْ 5%. وَمِنْ غَيْرِ المَقْبولِ أَنْ يَكونَ هُنَاكَ خَطَأٌ مُضَلِّلٌ في عَمَلِيَّةٍ حِسابِيَّةٍ شَديدَةِ البَساطَة. أَمّا الإِنْفاقُ الحَقيقِيُّ على التَّعْليمِ والمُدْرَجُ في جَدْوَلِ التَّصْنيفِ الوَظيفِيِّ لِلمَصْروفات، فَيَبْلُغُ 367,3 مِلْيارَ جُنَيْهٍ في مَشْروعِ المُوازَنَةِ، تُعادِلُ 1,5% مِنَ النّاتِجِ المَحَلِّيِّ الإِجْمالِيِّ المُقَدَّرِ لِلعامِ نَفْسِه، وَهُوَ واحِدٌ مِنْ أَدْنى مُسْتَوَياتِ الإِنْفاقِ العامِّ على التَّعْليمِ في تاريخِ مِصْر، وَأَحَدُ أَدْنى المُسْتَوَياتِ عالَمِيًّا، بِما يُشيرُ إلى الوَضْعِيَّةِ المُتَدَنِّيَةِ لِلتَّعْليمِ في سُلَّمِ الأَوْلَوِيّاتِ الحُكومِيَّة.
الإنفاق في غالبيته الساحقة عبارة عن مُرتّبات وإنفاق على الجهاز الإداري وليس لتمويل الأبحاث
أَمّا الإِنْفاقُ العامُّ على البَحْثِ العِلْمِيِّ فَيَبْلُغُ 205,2 مِلْيارَ جُنَيْهٍ في مَشْروعِ المُوازَنَةِ لِلعامِ 2026/2027 الذي أَشَارَ إلى أَنَّهُ يُعادِلُ 1% مِنَ النّاتِجِ المَحَلِّيِّ الإِجْمالِيّ، بَيْنَما يَبْلُغُ نَحْوَ 0,8% فَقَطْ وِفْقًا لِلحِسابِ الصَّحيح. لَكِنَّ الأَهَمَّ هُوَ أَنَّ ذَلِكَ الإِنْفاقَ في غَالِبِيَّتِهِ السّاحِقَة، عِبارَةٌ عَنْ مُرَتَّباتٍ وَإِنْفاقٍ على الجِهازِ الإِدارِيِّ وَلَيْسَ لِتَمْويلِ الأَبْحاثِ الأَهَمِّ مِنْ كُلِّ ما عَداها. وَقَدْ بَرْهَنَتْ تَطَوُّراتُ العُدْوانِ الصُّهْيو-أَمْيْرْكِيِّ على إِيران، وَرَدِّها عَلَيْه، على الأَهَمِّيَّةِ الوُجودِيَّةِ القُصْوى لِتَطْويرِ القُدُراتِ العِلْمِيَّةِ وَتَوْظيفِها في المَجالَيْنِ العَسْكَرِيِّ والمَدَنِيّ.
أَمّا الإِنْفاقُ العامُّ على الصِّحَّة، فَيُشيرُ مَشْروعُ المُوازَنَةِ إلى أَنَّهُ يَبْلُغُ 855,9 مِلْيارَ جُنَيْهٍ شامِلًا ما تَمَّ إِضافَتُهُ إِلَيْهِ بِالمُخالَفَةِ لِقَواعِدِ المالِيَّةِ العامَّةِ المُتَعارَفِ عَلَيْها، مِنْ نَفَقاتِ الصَّرْفِ الصِّحِّيِّ وَحِصَّةٍ مِنْ سَدادِ الدُّيونِ والفَوائِد. وَيُشيرُ إلى أَنَّهُ يَبْلُغُ 4,2% مِنَ النّاتِجِ المَحَلِّيّ، وَهُوَ خَطَأٌ حِسابِيٌّ غَريبٌ آخَر، والصَّحيحُ أَنَّهُ يُعادِلُ 3,5% فَقَط. أَمّا الإِنْفاقُ الحَقيقِيُّ على الصِّحَّةِ والوارِدُ في جَدْوَلِ المَصْروفاتِ وِفْقًا لِلتَّصْنيفِ الوَظيفِيِّ فَيَبْلُغُ 302 مِلْيارَ جُنَيْه، تُعادِلُ نَحْوَ 1,2% مِنَ النّاتِجِ المَحَلِّيِّ الإِجْمالِيِّ فَقَط، على الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الدُّسْتورَ يَفْرِضُ نِسْبَةَ 3% مِنَ النّاتِجِ المَحَلِّيِّ الإِجْمالِيِّ كَحَدٍّ أَدْنى لِلتَّعْليمِ العامِّ على الصِّحَّة. وَهَذا الوَضْعُ هُوَ سَبَبُ ضَعْفِ الأُجورِ وَما في حُكْمِها لِلأَطِبّاءِ وَباقي العامِلينَ في القِطاعِ الصِّحِّيّ.
الأُجورُ والمَعاشات... قَليلٌ مِنَ العَدْلِ لا يَضُرّ
يُشيرُ مَشْروعُ مُوازَنَةِ 2026/2027، إلى رَفْعِ الحَدِّ الأَدْنى لِلأُجورِ مِنْ 7 إلى 8 آلافِ جُنَيْه، لَكِنَّهُ تَجاهَلَ المَطْلَبَ العادِلَ لِأَرْبابِ المَعاشاتِ بِرَفْعِ الحَدِّ الأَدْنى لِلمَعاشِ وَرَبْطِهِ بِالحَدِّ الأَدْنى لِلأَجْر. وَلَوْ قامَتِ الحُكومَةُ بِسَدادِ التِزاماتِها التَّأْمينِيَّةِ كَرَبِّ عَمَلٍ بِشَكْلٍ مُنْتَظِمٍ، وَبِحِسابِ فَوائِدَ عادِلَةٍ مُطابِقَةٍ لِلفَوائِدِ على أُذونِ الخَزانَة، على أَمْوالِ التَّأْميناتِ التي في حَوْزَتِها والتي أَجْرَتْ تَسْوِيَةً غَيْرَ عادِلَةٍ بِشَأْنِها عامَ 2019، لَأَمْكَنَ رَفْعُ الحَدِّ الأَدْنى لِلمَعاشِ وَرَفْعُ المَعاشاتِ عُمومًا بِصورَةٍ تَضْمَنُ الحَدَّ الأَدْنى لِحَياةٍ كَريمَةٍ لِأَرْبابِ المَعاشات.
كَما أَنَّهُ يُمْكِنُ زِيادَةُ مُعَدَّلِ التَّأْمينِ على الأُجورِ لِلعامِلينَ وَأَرْبابِ العَمَلِ كَنَوْعٍ مِنَ الاِدِّخارِ الإِجْبارِيِّ لِتَحْسينِ مُعَدَّلِ الاِدِّخارِ في الدَّوْلَةِ كَضَرورَةٍ تَنْمَوِيَّة، وَلِرَفْعِ المَعاشاتِ كَيْ تَكْفي لِحَياةٍ كَريمَةٍ لِأَرْبابِ المَعاشات.
فوائد وأقساط الديون الداخلية والخارجية تُهدّد استدامة الموازنة
يُشيرُ مَشْروعُ المُوازَنَةِ العامَّةِ لِلدَّوْلَةِ لِلعامِ المالِيِّ 2026/2027 إلى أَنَّ أَقْساطَ وَفَوائِدَ الدُّيونِ المَحَلِّيَّةِ والخارِجِيَّةِ تَبْلُغُ نَحْوَ 5227,7 مِلْيارَ جُنَيْه، بِما يُعادِلُ 21,3% مِنَ النّاتِجِ المَحَلِّيِّ الإِجْمالِيِّ المُتَوَقَّعِ لِلعامِ نَفْسِه. وَهَذِهِ المَدْفوعاتُ الهائِلَةُ تَسْتَنْزِفُ الإيراداتِ العامَّةَ وَتُشَكِّلُ عامِلًا مُهِمًّا في اسْتِمْرارِ تَوْليدِ وَدَيْمومَةِ العَجْزِ في المُوازَنَةِ العامَّةِ لِلدَّوْلَةِ المِصْرِيَّةِ والاِحْتِياجِ لِلاِسْتِدانَةِ مِنَ الدّاخِلِ والخارِجِ بِكُلِّ شُروطِها الاِقْتِصادِيَّةِ والسِّياسِيَّةِ السَّلْبِيَّة. وَفي مَقالٍ سابِق، تَمَّ تَقْديمُ اقْتِراحاتٍ لِمُعالَجَةِ هَذِهِ الأَزْمَة.
(خاص "عروبة 22")

