لم يكنْ صادمًا عدمُ توصُّلِ مفاوضاتِ باكستان، التي عُقِدَت على عجلٍ، بين الأميركيين والإيرانيين إلى اتّفاقٍ يُرضي الجانبين. فالفجوةُ كانت كبيرةً بعد سنواتٍ طويلةٍ من العداء والتباعد والتنافر. لكنّ هذا الفشل، ومغادرة الوفودِ المفاوضةِ العاصمةَ إسلام آباد، يضعان المنطقةَ برمّتِها أمام مرحلةٍ دقيقةٍ تحتاج إلى تضافرِ الجهود، علَّها تُبقي على مفاعيلِ الهدنةِ الهشّة التي أُقِرّت بوساطةٍ باكستانيةٍ في وقتٍ سابق، بانتظارِ ما ستؤولُ إليه المساعي الدبلوماسية التي تتواصل لتقريب وجهات النظر. وظهر ذلك من خلال مسارعةِ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى عرضِ وساطةِ بلاده لـ"تيسير تسويةٍ سياسيةٍ ودبلوماسيةٍ للنزاع القائم، والمشاركة في جهودِ الوساطةِ لإرساءِ سلامٍ عادلٍ ودائمٍ في الشرقِ الأوسط". إلا أنّ موسكو، التي يمكن أن تلعبَ دورًا مهمًا كما حصل إبّانَ اتّفاق عام 2015 الذي وُقِّع خلال عهد الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، لا يمكن اعتبارُها طرفًا محايدًا، لا سيّما أنّ الكثير من أصابعِ الاتهام تُوجَّه إليها بتقديم معلوماتٍ استخباراتيةٍ، ساعدت الإيرانيين في توجيهِ ضرباتٍ لمواقع القواتِ والقدراتِ العسكريةِ الأميركيّة.
وحبسَ الجميعُ أنفاسَه خلال ساعاتِ النهارِ الأولى في انتظارِ القرارات التي سيتّخذها الرئيس دونالد ترامب بعد إعلانِ عدم القدرة على ردمِ الهوّة بين طرفي النزاع، التي تمحورت حول مواضيعَ أساسيةٍ من البرنامج النووي إلى دعمِ الوكلاء في المنطقة وملفّ الأموالِ الإيرانية المُجمَّدة، وصولًا إلى عقدةِ مضيق هُرمز، الذي بات الشغلَ الشاغلَ للعالم. وفي هذا الإطار، قالت تقاريرُ صادرةٌ عن طهران إنّها طالبت بالسيطرة على المضيق وتحصيلِ رسومِ "العبور الآمن"، ودفعِ تعويضاتٍ عن خسائر الحرب، ووقفِ إطلاق النار في أنحاء المنطقة، من ضمنها لبنان، إضافةً إلى الإفراج عن الأصولِ الإيرانية المُجمَّدة في الخارج. وهذه المطالبُ، التي لا يمكن للإدارة الأميركية – أو لأيّ إدارةٍ – الموافقةُ عليها، يستخدمها النظامُ ضمن "تكتيكات" التفاوض، خصوصًا أنّ إيران تؤكّد في كل مرةٍ أنّها "ليست على عجلةٍ من أمرها، وأنّ بإمكانها الانتظار حتى توافق الولاياتُ المتحدة على اتّفاقٍ معقول". عدا عن ذلك، ترفع لاءاتِها مُتمسّكةً بعاملين أساسيين: قدرتِها على تكبيدِ خسائرَ اقتصاديةٍ جسيمةٍ بسبب مضيق هُرمز، وثانيهُما فشلُ تغييرِ النظامِ والانقلابِ عليه، وبالتالي الحفاظُ على "الوحدةِ" الداخليةِ، ما ساعدها على الصمود طوال حربِ الأربعين يومًا. وتُكابر طهران، على الرغم من خسائرها الكبيرة، مُعلنةً قدرتَها على الصمود في مواجهةِ سيناريوهاتٍ أميركيةٍ وتهديداتٍ مستمرةٍ بـ"الجحيم"، في وقتٍِ تتّجهُ فيه إدارةُ الرئيس ترامب نحو تصعيدٍ مزدوجٍ يجمع بين فرضِ حصارٍ بحريٍّ على الموانئ الإيرانية وتوجيهِ ضرباتٍ عسكريةٍ محدودة، في أعقاب انهيار محادثاتِ إسلام آباد.
من جهته، أشارَ الرئيسُ الأميركي إلى أنّ واشنطن ستبدأ فورًا بمحاصرةِ مضيق هُرمز، وستعترض في المياه الدولية أيَّ سفينةٍ دفعت رسومًا لإيران، موضحًا أنّهم سيباشرون عمليةَ حصارِ جميعِ السفنِ التي تحاولُ دخولَ المضيقِ أو مغادرتَه. وإذ لفت إلى أن دولًا أخرى سيكون لها دورٌ في هذا الحصار، من دون أن يُسمّيها، وصفَ جنيَ طهران أرباحًا عبر فرض رسومِ عبورٍ غير قانونيةٍ بـ"الابتزاز". كما أوضح أنّ معظم النقاط اتُّفِق عليها خلال المحادثات، لكن النقطةَ الوحيدةَ التي بقيت عالقة هي الملفَّ النووي، بعدما ذكر أنه تلقّى إحاطةً من نائبه جاي دي فانس، ومبعوثيه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر بشأن المحادثات التي استضافتها إسلام آباد. والأهمّ من ذلك، قلّل ترامب من احتمالِ قيام الصين بتزويد إيران بالأسلحة، ومن بينها "الصواريخ المحمولة على الكتف"، لكنه لوّح بفرضِ رسومٍ جمركيةٍ بنسبة 50 في المئة على السلعِ الصينيةِ إذا ثبت حدوثُ ذلك. تزامنًا، أعلنت القيادة المركزية الأميركيّة (سنتكوم) عزمَها فرض حصارٍ بحريّ شاملٍ على الموانئ الإيرانية، بدءًا من اليوم 13 نيسان/أبريل عند الساعة العاشرة صباحًا، في خطوةٍ تمثّل تصعيدًا جديدًا في مسار المواجهة الجارية. وسيكون لهذا التحرّك تداعياتٌ كثيرة، خصوصًا أنّ نظامَ الثورة الإسلامية لا يبدو في واردِ المهادنة، إذ حذّرت الوحدةُ البحرية في "الحرس الثوري" أعداءَ إيران ممّا أسمته "الدوامة القاتلة" في مضيق هُرمز، "إذا أقدم العدو على خطوةٍ خاطئة"، مؤكّدةً أنّ "كلّ حركة الملاحة... هي تحت السيطرة الكاملة للقوات المسلحة" التابعة لها.
والمعلوم أنّ هذا المضيقَ المحوري كان مفتوحًا قبل الحرب، وأنّ المعركةَ اليوم باتت تنصبّ حوله، باعتباره أحدَ أهمّ الممرّات النفطية في العالم. لكن يبقى الغموضُ يُحيط بكيفية تنفيذ هذا الحصار عمليًا، خصوصًا أنّ تأمين الملاحة سيتطلّب انتشارًا عسكريًا كثيفًا ومكلفًا على امتداد الساحل الإيراني لفترةٍ قد تطول. في غضونِ ذلك، تسارعتِ المواقفُ الدوليةُ بشأن ما يجري، فشدّد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر على أهمية إعادة فتح المضيق، لكنه اعتبر الحصارَ البحريَّ عملًا حربيًا، متعهدًا بعدمِ إشراكِ بريطانيا في الحرب. كما أعلنت فرنسا أنها لن تُرافق السفنَ عبر المضيق طالما استمرّ النزاع. ودعت أستراليا، على لسان رئيسِ وزرائها أنتوني ألبانيز، إلى إبقاءِ مضيقِ هُرمز مفتوحًا، موضحًا أنّ الولايات المتحدة لم تطلب مساعدة بلاده لفرضِ حصارٍ عليه. وكشفت الحربُ على إيران تباعدًا كبيرًا في وجهاتِ النظرِ بين واشنطن وحلفائها التقليديين من الأوروبيين، الذين قرروا عدمَ السير في المخططات الأميركية والبقاءَ على الحيادِ في حربٍ كرّروا مرارًا أنهم "لم ولن يكونوا شركاءَ فيها". وتقابل هذه النزعةَ الأوروبيةَ "غبطةٌ" إسرائيليةٌ بفشلِ المباحثات، إذ كان رئيسُ الوزراء بنيامين نتنياهو يأمل في تعثّرَها وعرقلتها، وبالتالي الاستمرارَ في القتال. وفي هذا السياق، كشفت مصادرُ عسكريةٌ في تل أبيب أنّ رئيسَ أركانِ الجيش إيال زامير، أمر جنرالاتِه بالانتقال فورًا إلى أعلى درجاتِ الجهوزيةِ الحربية، والاستعدادِ لإمكانيةِ العودةِ إلى مواجهةٍ عسكريةٍ مع إيران في الفترةِ القريبة. وبحسب هذه المصادر، يبرز في إسرائيل "رضا" عن الخطّ الصارم الذي اتّبعته الولاياتُ المتحدة في المسار التفاوضي.
فالفشل في تحقيق خرقٍ ما في إسلام آباد قد لا يكون نهايةَ المطاف، بل مجرّد تعثّرٍ يفتحُ البابَ أمام استئنافِ المفاوضاتِ حالَ نضوجِ معطياتٍ جديدة. فكِلا الطرفين يسعى إلى تحسينِ شروطِه وجرَّ الآخر نحو تقديمِ تنازلاتٍ تضعه في موقعِ المنتصر أمام شعبه وجمهوره. لذا، تبدو الأيامُ المقبلة في غايةِ الصعوبة، مع استمرارِ التصريحاتِ والتصريحاتِ المضادّة وتحميلِ كلّ طرفٍ الآخرَ مسؤوليةَ الفشل. فواشنطن ترى أنّها قدّمت لإيران كلَّ ما تستطيع، فيما ترى طهران أنّها وُضعت أمام مطالب "مبالغٍ فيها". بدوره، قال رئيسُ البرلمان الإيراني ورئيسُ الوفد المفاوض محمد باقر قاليباف إنّ المحادثات فشلت بسبب عجزِ الولاياتِ المتحدة عن كسبِ ثقةِ بلاده. وأكد أنّ الوفدَ الإيراني دخل المفاوضات بحسنِ نيّة، لكنّ الجانب الأميركي لم ينجح في بناءِ الثقة. غير أنّ هذا "الصراع الكلامي" لا يمكن التعويلُ عليه، لأنّ ما يجري في الكواليس والغرف الضيّقة لا تكشف عنه المنابرُ التي وُجدت لإعلاءِ "السقوف" وتحسينِ الفرص التفاوضية. وهذا ما كشفته صحيفة "وول ستريت جورنال"، التي لفتت إلى أن جولةً ثانيةً من المحادثات قد تُعقد خلال أيام، مشيرةً، نقلًا عن مصادر مطّلعة، إلى أنّه على الرغم من التصريحات المتشدّدة الصادرة عن الجانبين الإيراني والأميركي، فإنّ بابَ الدبلوماسية لا يزال مفتوحًا.
هذا وتركّز واشنطن اليوم على النووي وحريةِ الملاحة، فيما تُغرّد طهران أبعدَ من ذلك، إذ تريد استعادة الثقة بعد تآكلِها نتيجةَ تجارب سابقة، فضلًا عن الحصول على ضماناتٍ بعدمِ تكرار الحرب عليها، إلى جانب تأكيدِ سيادتِها، وهو أمرٌ ليس سهلًا تحقيقُه خلال إخدى وعشرين ساعةً من المفاوضاتِ المُكثفة. وفي مقابلِ كلّ هذه التطورات، تقفُ دولُ الخليج في موقعٍ "لا تُحسد عليه"، إذ عانت طوال فترة الحرب من الهجماتِ الإيرانية "غير المبرّرة" عليها، والتي تركت "ندوبًا" في العلاقات الثنائية، ما يحتاج إلى سنواتٍ طويلةٍ لترميمه، إذا تمكنت من ذلك. لكنها اليوم باتت أمام واقعٍ جديدٍ تحاول استخلاصَ العِبر منه والبناءَ عليه لـ"اليوم التالي". ومن هنا، يتزايد الحديثُ عن البحث عن بدائلَ لمضيقِ هُرمز ورفضِ الخضوع لتهديدات إيران، ما أعاد إلى الواجهة مشروع "البحار الأربعة"، الذي يضع سوريا وتركيا كنقطةِ التقاءٍ استراتيجيةٍ بين الخليج العربي والبحر المتوسط وبحر قزوين والبحر الأسود. وهذا المشروعُ، الذي طُرح عام 2009، أُعاد المبعوث الأميركي توم برّاك الحديث عنه في لحظةٍ مفصلية. لكنه، على أهميته، يحتاج إلى مسارٍ طويلٍ يبدأ من توفيرِ التمويلِ والتكاليفِ الباهظة، وصولًا إلى بناءِ الإمدادات المطلوبة أو تحسينِ القائم منها. فسلاسلُ الإمداد وخطوطُها ستكون في قلبِ المعارك، بعدما قررت إيران إدخالَها في هذه الحرب، من دون إغفالِ تهديداتِها المستمرة في مضيقِ باب المندب والبحرِ الأحمر.
وقد يكون من "منافع" هذه الحرب، إن صحّ التعبير، أنّها دفعت نحو البحثِ في إيجادِ مساراتٍ جديدةٍ، وتقويةِ العلاقات وخلقِ توازناتٍ إقليميةٍ قد تكون إيران نفسها سببًا فيها، لكن على المدى الطويل. وأمس الأحد، عُقدت مباحثاتٌ أردنية – سورية في إطار الاجتماع الثاني لـ"مجلس التنسيق الأعلى" على المستوى الوزاري بين البلدين. وقال وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي إن اللقاء تمحور حول تفعيلِ ميناءَي اللاذقية وطرطوس، ومنها إلى الأردن ثم إلى دول الخليج. فيما أعلن نظيرُه السوري أسعد الشيباني عن تأسيسِ تفاهمٍ ثلاثيّ بين المملكة وسوريا وتركيا لتفعيلِ الممرات البحرية. وتحاول سوريا تعزيزَ علاقتها بمحيطها العربي وطيّ صفحةِ الماضي، في موازاة ترسيخ قدراتها وطرحِ نفسها شريكًا محوريًا نظرًا لموقعها الجغرافي الحيوي، ما سيُمكّنها من تخطّي آثارِ الحربِ وما خلّفته من خسائر اقتصاديةٍ جسيمة. ونهوضُ دمشق ورفضُها التورّطَ في الحرب الدائرة في لبنان يمنحانها قدرةً أكبرَ على لعبِ دورٍ أساسي، خصوصًا بعد الحدّ من نفوذِ إيران ومقارعةِ أذرعِها وقطعِ خطوطِ التسليح، ما يُعدّ ضربةً "قاصمةً" لمحور المقاومة الذي طالما نظر إلى سوريا كركيزةٍ أساسية.
يجري كلُّ ذلك ولبنان غارقٌ في الحرب، التي تتسبّب بالمزيد من الضحايا والجرحى، إذ بلغ عددهم بحسب وزارة الصحة اللبنانية 2055 قتيلًا و6588 جريحًا، ناهيك عن نسفِ القرى الحدودية ومحوِها عن الخريطة. فعلى الرغم من "هدنة الأسبوعين" التي دخلت حيّز التنفيذ في إيران، إلا أنها لم تشمل لبنان، فيما تُكافح الحكومةُ لوقفِ توسّعها. ومن هنا، سيكون يوم غدٍ الثلاثاء، موعدًا فاصلًا، إذ ستُعقد الجولةُ الأولى من المفاوضاتِ المباشرة بين السفيرةِ اللبنانية في الولايات المتحدة ندى حمادة معوّض والسفيرِ الإسرائيلي هناك يحيئيل ليتر. وفجّر هذا الاجتماعُ موجةَ غضبٍ داخلية، عبّر عنها متظاهرون، معظمهم من "حزب الله"، في احتجاجاتٍ استمرّت يومين بالقرب من السراي الحكومي، رُفعت خلالها شعاراتٌ مندّدةٌ بأداء الحكومة، وتحديدًا رئيسِها نواف سلام، الذي اتُّهم بـ"العمالة" والتفريط بدماءِ اللبنانيين. إلا أنّ اللعبَ على وترِ الفتنة والدخولَ في معارك داخليةٍ يبدو في هذه المرحلة خطًا أحمر، إذ لا يمكن لأحدٍ تحمّلُ تبعاتِه في ظلّ الظروف الراهنة. ويتمسّك كلٌّ من لبنان وإسرائيل بشروطِه التفاوضية؛ فبيروت تضع أولويةً لوقفٍ شاملٍ لإطلاق النار، وانسحابِ إسرائيل من المناطق التي احتلّتها في الجنوب، وانتشارِ الجيش اللبناني، ثم الانتقال إلى المسار السياسي. في المقابل، تشترط تل أبيب إجراءَ المفاوضات تحت النار والبدءَ بنزعِ سلاح "حزب الله"، ما يُنذر بإمكانية فشلِها قبل انطلاقها.
لكنّ خيارات لبنان تبدو حاليًا محدودةً، ولا تُعدّ على أصابع اليدين، فالاحتلالُ يُوسّع عملياته العسكرية ويقصفُ بشكلٍ متواصلٍ القرى الجنوبية، ويُركّز معاركه في مدينةِ بنت جبيل، خصوصًا عند محورِ الطيري باتجاه دوّار صفّ الهوا، كما في مثلّث عيناتا – بنت جبيل – عيترون، لا سيّما في محيطِ المهنية ومجمّع التحرير. وتعكس شدّةُ المعركة النوايا الإسرائيلية ومحاولة فرضِ وقائع ميدانية جديدة قبل مفاوضات الغد، ما سيُعزّز شروطَ تل أبيب، التي تباهى رئيسُ وزرائها أمس بالجولة التي أجراها برفقة وزيرِ الدفاع ورئيسِ الأركان في مناطقَ يحتلّها الجيشُ الإسرائيلي في جنوب لبنان. وظهر نتنياهو مرتديًا سترةً واقيةً من الرصاص، معلنًا أنّ "الحرب متواصلة، بما في ذلك ضمن المنطقة الأمنية في لبنان"، مشيرًا إلى أنّ "ما نراه هو أنّنا قضينا على تهديدِ اجتياحٍ من لبنان من خلال هذه المنطقة الأمنية". ويريد الاحتلالُ تكريسَ معادلةٍ واضحةٍ تقوم على تهجيرِ أهالي القرى الجنوبية، بهدف ضمان ما يسمّيه أمنَ سكان المستوطنات الشمالية، ما يعني كارثةً إنسانيةً وتكريسَ احتلالِ مساحاتٍ واسعة. وفي تصعيدٍ خطير، قال وزيرُ الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين إنّه "يجب توسيع العملية في لبنان واستهدافَ المطار وبُنىً تحتيةً مدنية"، لافتًا إلى أنّه "لا جدوى كبيرة من المفاوضات مع لبنان".
ويُعقّد الاختلافُ السياسيُّ الأفقَ في لبنان، وسط مخاوفَ وهواجسَ يعيشها اللبنانيون من استمرارِ الجمود والحرب وتصاعدِها، في ظلّ التهديدات الإسرائيلية المستمرة. ويبدو أنّ "حزب الله" قرّر التصعيدَ في قصفِ المستوطنات الإسرائيلية وتجمّعاتِ القوات العسكرية، في محاولةٍ للحفاظ على موازين القوى. في سياقٍ ذات صلة، استدعت وزارةُ الخارجية السعودية سفيرةَ العراق لديها، أمس الأحد، للاحتجاج على استمرارِ الاعتداءات عبر مسيّراتٍ تنطلق من الأراضي العراقية. في حين زاد اعتراضُ الحزب "الديمقراطي الكردستاني" بزعامة مسعود بارزاني على انتخابِ نزار آميدي لرئاسة الجمهورية العراقية من تعقيدِ المشهد السياسي، الكردي خصوصًا، والعراقي عمومًا، في بلدٍ يحاول الحدّ من الخلافات والتوصّل إلى اتفاقٍ مُرضٍ، وهو ما قد يُعمّق الانقسامات الداخلية.
أمّا في غزّة، فتشهدُ الأوضاعُ الإنسانية مزيدًا من التأزّمِ مع انشغالِ العالم بالحربِ الإيرانية، ما استغلّته إسرائيل لتكثيفِ الحصار والاعتداءات، وهو ما تعيشه أيضًا الضفةُ الغربية المحتلة. وأمس الأحد، تواصلت الإداناتُ الفلسطينية لاقتحامِ وزير الأمن القومي الإسرائيلي اليميني المتطرّف إيتمار بن غفير باحاتِ المسجد الأقصى المبارك، معتبرةً ذلك انتهاكًا صارخًا للوضع التاريخي والقانوني القائم، وتصعيدًا خطيرًا واستفزازًا مرفوضًا. ودوليًا، أحدث الفوزُ الساحقُ لزعيمِ المعارضة المجرية بيتر ماغيار في الانتخابات البرلمانية على رئيس الوزراء فيكتور أوربان، المدعوم من واشنطن وموسكو، صدىً إيجابيًا وترحيبًا واسعًا في العديد من الأوساط والقيادات الأوروبية، كونه يشكّل تغييرًا كبيرًا في سياسات البلاد بعد 16 عامًا من حكم الأخير.
هذه التطورات عكستها الصحف العربية التي ركزت في عناوينها ومقالاتها على الآتي:
تحت عنوان "هل هي نهاية المفاوضات؟"، كتبت صحيفة "الخليج" الإماراتية أن "حجم الخلافات المتعلقة بمروحة واسعة من القضايا كان من الصعب حسمها في جلسة واحدة بين واشنطن وطهران، لذا يمكن القول إن الفشل في التوصل إلى حل وسط، استدعى مغادرة الوفدين خاليي الوفاض، يمكن فهمه في إطار الشكوك المتبادلة وعدم الثقة والريبة التي تراكمت بفعل التجارب السابقة، واعتقاد الطرفين أنهما يجلسان على طاولة المفاوضات من منطلق الندّين المنتصرين اللذين ما زالا يملكان أوراقًا كافية لحمل كل طرف على تقديم التنازل للآخر". وقالت : "أيام قليلة وتنجلي الصورة، عما سيكون عليه الوضع في المنطقة، لكن هذه المرة، الوقت محدد، ومفاوضات "السجادة" التي تمتد لسنوات لا تجدي نفعًا فلا أحد يقبل بتكرار الخدعة الإيرانية الهادفة عبر المماطلة لشراء الوقت، فالثقة في طهران مفقودة، والمصداقية في ساستها معدومة".
صحيفة "الرياض" السعودية، من جانبها، رأت أنه "لكي تتوقف هذه الحرب فهناك شرط أساس يتم عبر مسار دبلوماسي شامل تتقدمه فكرة إنهاء الحرب والوقف المباشر لإطلاق النار ومنع اتساع رقعة الصراع في المنطقة التي تمرّ بمنعطف مقلق، فهذه الحرب تجاوزت التقاليد المعتادة في الحروب الثنائيّة من حيث الجغرافيا، فللمرة الأولى تشهد منطقة الخليج محاولات متكررة هدفها إدخال المنطقة في فوضى حرب إقليمية كبرى لا يمكن مستقبلا التحقق من أبعادها ونتائجها". وأشارت إلى أنه "بين انتهاء الحرب وبين إمكانية أن تتحول الهدنة إلى توقف هشّ تكمن الأسئلة الجوهرية حول أميركا التي تتغير في مواقفها وحسمها، وبين إسرائيل المتعطشة إلى استمرار مشهد الصراع دون توقف، في مقابل الصين التي تبحث عن دور استراتيجي في المنطقة يعيد التوازن الدولي إلى واقعه الذي فقد منه خلال السنوات الماضية، هذه الحرب هي اختبار حقيقي للنظام الدولي بمعطياته الجديدة، ونهاية هذه الحرب لن تحدث إلا من خلال إعلان قادم لمعايير التوازن الدولي".
في سياقٍ متصل، أشارت صحيفة "الصباح" العراقية إلى أن "دول مجلس التعاون الخليجي وجدت نفسها أمام اختبار استراتيجي حقيقي، إذ بدا أن الرهان طويل الأمد على المظلة الأمنية الأميركية لم يعد كافياً لضمان الحماية. فبرغم الاستثمارات الضخمة في شراء السلاح، واستضافة القواعد العسكرية الأجنبية، لم تنجح هذه السياسات في منع تعرض بعض هذه الدول إلى تهديدات وضربات مباشرة أو غير مباشرة". وأضافت: "ولا تقف هذه التوترات عند حدود الخليج، بل تمتد إلى علاقات إقليمية أوسع، كما في حالات التشنج المتكررة بين الأردن ومصر وبعض دول الخليج، أو في حالة العراق، الذي وجد نفسه ساحة لتقاطعات الصراع، وتعرض لضربات من قبل إيران على خلفية وجود قوات حلف شمال الأطلسي والقوات الأميركية ضمن إطار التحالف الدولي على أراضيه".
أما صحيفة "الغد" الأردنية، فلفتت إلى أنه "عمليًا استعادت طهران الورقة اللبنانية من جديد، ولو كان على إسرائيل أن تفاوض طرفًا حول سلاح "حزب الله"، فليس هناك من مفاوض يملك تأثيرًا غير "الحرس الثوري" في طهران. أما العراق تأكد تمامًا أنه في القبضة الإيرانية. الضربات التي تلقاها الحشد الشعبي لم تمس بنيته التنظيمية، وإنما مقراته فقط. المليشيات الإيرانية في العراق عادت للظهور بقوة أيضًا". وستنتجت أنه "ليس من خيارات أمام واشنطن سوى المفاوضات، التي كان يمكن استكمالها بدلًا من مجاراة نتنياهو في مخططاته، والذهاب لخيار حرب كارثية، لم تأتِ بجديد. أو لنكن أكثر موضوعية، حرب جاءت بإيران أكثر تشددًا إلى طاولة المفاوضات، وبأوراق قوة إضافية لم تكن معها قبل ذلك".


