صحافة

مفاوضات لإخضاع إيران وإلا فعودة إلى الحرب؟

عبدالوهاب بدرخان

المشاركة
مفاوضات لإخضاع إيران وإلا فعودة إلى الحرب؟

هدنة أم عودة إلى الحرب؟ انتكاسة للمفاوضات أم فشل نهائي؟ هل إن مهلة الأسبوعين تصلح كهامش زمني لإنقاذها، أم أن دونالد ترمب لن يرى أن الانتظار مجدٍ؟.. دعا وزير الخارجية الباكستاني إلى الحفاظ على الوقف المؤقّت لإطلاق النار، لكن مغادرة نائب الرئيس الأمريكي إسلام آباد كانت مؤشرًا سلبيًا. غير أن جي دي فانس ترك الباب مواربًا بإشارته إلى "مقترح بسيط للغاية، وهو آلية تفاهم تُعدّ عرضنا النهائي والأفضل، وسنرى ما إذا كان الإيرانيون سيقبلونه". ويتعلّق المقترح بالتزام إيران "على المدى البعيد" عدم السعي إلى امتلاك سلاح نووي. هل يعني ذلك أن "النووي" هو العقدة الرئيسية والوحيدة، وأن 21 ساعة من التفاوض اقتصرت عليها؟ أم أنها "الاختبار" الذي حدّدته واشنطن كمدخل لـ "حلّ" العقد الأخرى؟

كانت التوقعات المسبقة قد صنّفت الملف النووي بأنه الأقل صعوبة، بالنظر إلى الحرب ونتائجها. فهناك ما هو أكثر تعقيدًا، كضمانات عدم استئناف الحرب، وعدم السعي إلى "تغيير النظام" أو إلى زعزعته بتحريض الأقليات عليه، ناهيك بالعقوبات وإمكانات رفعها، وغير ذلك من ملفات كلّها صعبة وملحّة... لكن ما حصل أظهر أن النهج التفاوضي للطرفين لم يتبدّل. فأميركا - ترمب لا تفاوض بندّية بل بميزان القوى، ولإثبات ذلك أرسلت سفينتين حربيتين إلى مضيق هرمز مع انطلاق المفاوضات في إسلام آباد من دون التنسيق مع طهران. أما إيران، التي تعرّضت دولةً وجيشًا لأضرار جسيمة لم يُكشف عنها بعد، فلم يكن متوقعًا أن تعترف بأن الحرب أضعفتها، لكنها أرادت بشروطها التفاوضية إظهار أنها لا تزال تملك عناصر قوة ونفوذ ينبغي أن يُعاملها الطرف الآخر على أساسها.

لم يوافق ترمب على وقف إطلاق النار لأنه اقتنع بالنقاط التي أرسلتها طهران، وإنما لأنه التقط فرصةً كان يبحث عنها لوقف الحرب ثم لإنهائها، ولاستكمال أهدافه بالتفاوض. لم يهتمّ كثيرًا بما في الرسائل، بل بما يستطيع تحقيقه أو انتزاعه بالتحدّي. كان إغلاق مضيق هرمز الورقة الأقوى في يد المفاوض الإيراني، وكان التهديد بقصف منشآت الطاقة ومحطاتها، وبـ "محو الحضارة الفارسية"، مقدّمةً لعملية اختراق أمريكي للمضيق وفتحه بالقوّة. لكن النتائج المتوقعة لم تكن لتوحي بالثقة والأمان للدول والشركات كي تحرّك السفن التجارية وناقلات النفط والغاز.

تلقّف ترمب استعداد إيران لفتح المضيق بالترحيب، وهي قالت إنها مصمّمة على فرض رسوم للعبور (ربما مقابل التخلّي عن شرط التعويضات)، حتى إنه تحدث عن مشروع "مشترك" معها لتأمين الملاحة. لم يكن جادًا، بل أراد تمرير الهدنة، لكنه مع بدء التفاوض وضع الإيرانيين أمام الأمر الواقع: إما القبول بمهمة إزالة الألغام التي بدأتها السفينتان، أو تتوقف المفاوضات، ما يعني احتمال العودة إلى الحرب. كان فريق التفاوض الإيراني قد خطط لانتزاع اعتراف بسيطرة إيرانية دائمة على المضيق، فإذا به يفاجأ بأن "ورقة هرمز" تهتزّ بين يديه.

أما النقطة الأخرى التي حاولت إيران فرضها، وهي وقف الهجمات على وكلائها، بدءًا بـ "حزبها" في لبنان، فلم يرفضها ترمب، ما أتاح لرئيس وزراء باكستان شهباز شريف أن يؤكد "شمول" لبنان باتفاق وقف إطلاق النار. غير أن رئيس الوزراء الإسرائيلي، المنزعج أصلًا من وجود وسطاء إقليميين يصغي ترمب إليهم، عمد إلى إطلاق النار على ذلك الاتفاق، محاولًا قتله في مهده، فدفع بجيشه في حملة وحشية حصدت مئات القتلى والجرحى من المدنيين اللبنانيين.

كادت المجازر أن تهدد مفاوضات إسلام آباد، إذ اعتبرت طهران أن ترمب تنصّل "مما وافق عليه"، وأكد دعمه لإسرائيل طالما أنها تحارب "حزب إيران" اللبناني، لكنه طلب لاحقًا من بنيامين نتنياهو تقليص الهجمات، ثم حسم الرجلان موافقتهما على "مفاوضات مباشرة" كان الرئيس اللبناني جوزف عون قد اقترحها، قبل أن يعاود "حزب إيران" إشعال جبهة جنوب لبنان، لكن إسرائيل رفضتها آنذاك، وواشنطن لم تتحمس لها. وتعني العودة إلى هذه المفاوضات أن إيران فقدت عمليًا إمكان التفاوض على "ورقة لبنان"، أو طرح مساومة لتمكين "الحزب" من الاحتفاظ بسلاحه.

عمليًا، وجد الفريق الإيراني نفسه، مجددًا، أمام الشروط الأمريكية المعروفة التي سبق لطهران أن اعتبرتها "شروط استسلام"، سواء بالنسبة إلى برنامجيها النووي والصاروخي، أو إلى العلاقة مع "أذرعها". ثمة صيغ كانت متداولة للقيود التي سيتضمنها أي اتفاق نووي جديد، من تسليم كمية اليورانيوم عالي التخصيب إلى وقف نهائي للتخصيب، أو بنسبة متدنية للأغراض المدنية، ورقابة صارمة ومتواصلة على مختلف الأنشطة، لكنها لم تُناقش، على ما يبدو... أما القدرات الصاروخية التي يُنظر إليها على أنها بخطورة السلاح النووي، فإن القاعدة الرئيسية للحدّ منها هي تقليص مداها "لئلا تهدّد إسرائيل" أو تُطوّر لتصبح خطرًا عابرًا للقارات.

(الوطن السعودية)

يتم التصفح الآن