بنت جبيل هي حاضرة مدينية في جنوب لبنان لا تقل أهمية عن مدنه الكبرى. البلدة التاريخية لعبت دوراً كبيراً في تاريخ جبل عامل إقتصادياً وسياسياً منذ ما قبل قيام دولة لبنان الحديثة وما قبل إقامة إسرائيل على أرض فلسطين التاريخية. البلدة الكبيرة التي كانت سوقاً تجارية لمثلث شمال فلسطين وجنوب لبنان وحوران والجولان في سوريا إنكفأت منذ احتلال فلسطين ومعها مجموعة من القرى اللبنانية الجنوبية عام 1948، لكنها ما لبثت أن عادت إلى المشهد الجنوبي من بوابة الصراع والحروب المتتالية مع إسرائيل منذ أيام المقاومة الفلسطينية حتى حروب "حزب الله".
المدينة التي افتتح أبناؤها موجات الهجرة الجنوبية إلى الولايات المتحدة، لا سيما إلى ميشيغان التي أقاموا فيها مدينة موازية في ديربورن وتسلم أحد أبنائها عمدتها، وساهمت في عمران المدينة الأم، هي أيضاً مدينة الثقافة بامتياز، منها خرج مئات الكتاب والشعراء والأدباء. ومع الحروب المتتالية اكتسبت المدينة سمعة واسعة بوصفها مدينة صمود ومقاومة، لا سيما بعدما أعلن الأمين العام السابق لـ"حزب الله" حسن نصرالله من ملعبها النصر بعد حرب تموز/يوليو 2006 مطلقاً شعاره الشهير "إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت".
ليس ما يجري حالياً هو التدمير الأول الذي تشهده المدينة التي سعت إسرائيل إلى كسر صورتها قبل تكسير عمرانها زاجّة على جبهتها بآلاف الجنود ومئات الدبابات والآليات تحت غطاء جوي مدمر واستخباري استثنائي. حرب اليوم على المدينة جعلتها إسرائيل ذروة حربها الدائرة حالياً واضعة لنفسها هدف ضرب الرمز ومقولة "أوهن من بيت العنكبوت". هي حرب انتقامية بمفعول رجعي وسيكون سقوط المدينة، في نظر الإسرائليين، إعلاناً للنصر، من المكان نفسه الذي أعلن فيه نصرالله النصر عام 2006.
حرب الرموز تستعر ولن تتوقف. الصراع في المنطقة لن ينتهي بمعركة أو بحرب. إسرائيل احتلت بيروت ونصف لبنان عام 1982وطردت منظمة التحرير إلى تونس ولم تتوقف الحروب. وبنت جبيل هي مزيج مركب من سكان منفتحين على الغرب بحكم الهجرة وعلى الداخل اللبناني بحكم الصناعة والتجارة (رائدة صناعة الأحذية في لبنان رغم تراجعها) والهجرة الداخلية إلى بيروت وضواحيها وكذلك على الجوار المسيحي في القرى الحدودية رغم بعض التوترات الآنية. ويطغى على تركيبتها السياسية منتمون إلى حركة "أمل" يشغل بعضهم مواقع قيادية ثم إلى "حزب الله" الذي اخترق بنية البلدة الشابة واستقطب كثيراً من أبنائها وعائلاتهم. وهي كمعظم القرى الجنوبية، لا سيما الحدودية شهدت تحولات كبيرة في علاقاتها بفلسطين ومنظمة التحرير وأحزاب اليسار والأحزاب القومية وبالعروبة والإسلام وأخيراً بإيران.
عانى جنوب لبنان الإهمال الرسمي طويلاً، عاش على الهامش تماماً، فقيراً محروماً من امتيازات الدولة ومنافعها، ملتصقاً بزعامات إقطاعية حرصت على إبقائه ملتحقاً بها حياتياً وسياسياً، هذا الواقع شكل أرضاً خصبة لانتشار الأفكار اليسارية المتبنية خطاب الثورة على الفقر والمساواة والمتقدمة الحركة المطلبية، فانتشر الحزب الشيوعي بخطابه الشعبوي في معظم القرى. لكن أهل الجنوب كانوا أيضا "قوميين عرباً" عاطفياً، تصدرت صور الزعيم المصري جمال عبد الناصر منازلهم دليلاً على انتمائهم إلى العروبة "الثورية" الملتزمة تحرير فلسطين والمعتبرة إسرائيل عدواً.
وفي السياق العروبي/الإسلامي رفع بعضهم صور الملك حسين الهاشمي في دلالة على الانتماء إلى العائلة الهاشمية التي ينحدر منها النبي محمد وآل بيته المقدسون لدى الشيعة.
مثل الجنوب إذاً تربة خصبة للأحزاب اليسارية والقومية قبل "الهبة" الشيعية التي أطلقها الإمام السيد موسى الصدر من صور عام 1959، وعلى قاعدة الالتزام القومي والثورة على النظام الظالم انحاز شيعة الجنوب إلى فصائل المقاومة الفلسطينية التي اتخذت من منطقة العرقوب الحدودية منطلقاً لعملياتها ضد إسرائيل بموجب اتفاق القاهرة عام 1969 قبل أن تنفلش إلى معظم الجنوب لاحقاً...
ضاق الجنوبيون ذرعاً بالانفلات المسلح الفلسطيني الذي أصبح عبئاً ثقيلاً وتحول من أداة تحرير "مقدسة" إلى فوضى عبثية وتدخل سافر في الشؤون المحلية . حالة الرفض المتنامية للوجود المسلح الفلسطيني تمظهرت خلال اجتياحي 1978 و1982 عندما احتلت إسرائيل كامل الجنوب اللبناني من دون مقاومة حقيقية. منذ ذلك الحين ستشهد الطائفة الشيعية التغيير الكبير مع ظهور "حزب الله" بإيديولوجيته الإيرانية التي غيرت نمط التفكير والسلوك وأدخلت مفاهيم جديدة إلى حياة الشيعة قائمة على الالتزام الديني الصارم وعلى فكرة الجهاد وثواب الجنة. هذا التغيير أعطى "حزب الله" القدرة على استقطاب الشباب إلى جهاده "المقدس" وحقق أول إنجازاته بالتحرير عام 2000 ثم الصمود في حرب تموز 2006 ما اعتبره انتصاراً كبيراً.
تكرس دور الحزب عسكرياً وسياسياً واجتماعياً وبرزت سيطرته على الواقع اللبناني ما جعل الطائفة الشيعية رقماً صعباً في المعادلة الداخلية. وبات من الصعب قبول التنازل، ما خلق أيضاً حالة من المعارضة الداخلية وصلت في بعض الأحيان إلى رغبة في العزل. يبدو وضع الطائفة اليوم أكثر تعقيداً، فبين عدوان إسرائيلي مدمر ومعارضة داخلية وصل بعضها إلى حد القبول بالعدوان وحتى المطالبة به لإخراج لبنان من أزمة كيانية، تعيش الطائفة مرحلة حرجة لن تعرف مآلاتها قبل انتهاء الحرب بنتائجها العسكرية والسياسية. في السياق تبرز معركة بنت جبيل بأهميتها الاستراتيجية وتداعياتها المستقبلية.
(النهار اللبنانية)

