يبدو أنّ التضاربَ سيّدُ الموقفِ في ما يتعلّقُ بالجولةِ الثانيةِ من المفاوضاتِ الأميركيّة – الإيرانيّة في العاصمةِ الباكستانيّة، إسلام آباد، وسطَ محاولةِ كلِّ فريقٍ التمترسَ خلفَ مطالبِه وشروطِه. ويحدثُ ذلك فيما تُشارفُ مهلةُ الأسبوعينِ على الانتهاءِ، من دون القدرةِ على تحقيقِ خروقاتٍ كبيرةٍ في الملفاتِ الجوهريّةِ العالقةِ. وتتشدّدُ طهران في مواقفِها، وترفعُ سقفَ مطالبِها وسطَ "صراعٍ خفيِّ" داخلَ أجنحةِ النظامِ الإيراني بين من يرغبُ في إبرامِ صفقةٍ بشروطٍ مُحسّنةٍ وبين من يرفضُ الخضوعَ لـ"الشيطانِ الأكبر". ويُسهم ذلكَ في تعقيداتٍ إضافيّةٍ، إذ يتوجّسُ العالمُ من استمرارِ التجاذبِ والتعطيلِ وغيابِ الأرضيّةِ المشتركةِ لأيِّ توافق. فضلًا عن الخسائرِ الاقتصاديّةِ الناجمةِ عن استمرارِ إغلاقِ مضيقِ هُرمز، الذي باتَ أشبهَ بـ"أحجيةٍ" يتعذّرُ حلُّها بسببِ وجودِ رغبةٍ إيرانيّةٍ عارمةٍ في استغلالِه للضغطِ على الجميعِ وتكبيدهِم تكاليفَ باهظةٍ.
لكن في ظلِّ هذا المشهدِ "القاتمِ"، يبرزُ من يعوّلُ على اتصالاتِ الساعاتِ الأخيرةِ والجهودِ التي تُمارَس لدفعِ الأميركيين والإيرانيين إلى الجلوسِ مجددًا حولَ طاولةِ المفاوضاتِ، التي تلعبُ فيها باكستان دورًا بارزًا خصوصًا لجهةِ ردمِ الفجوات. وفي هذا الإطارِ، نقلَ مصدرٌ أمنيٌّ باكستانيٌ أنّ قائدَ الجيشِ عاصم منير أبلغَ الرئيسَ الأميركيَ دونالد ترامب صراحةً بأنّ الحصارَ البحريَ يُشكّلُ "عقبةً أمام المحادثاتِ"، موضحًا أنّه أجاب بأنّه "سيأخذُ تلك النصيحةَ في الاعتبار". ويختنقُ نظامُ "الثورةِ الإسلاميّةِ" من الحصارِ، الذي يُسهمُ في تعطيلِ مفاصلِ الاقتصادِ في البلاد. إذ يمرُّ أكثر من 90 في المئةِ من تجارتِها عبر الموانئ، بعائداتٍ سنويّةٍ تقاربُ الـ110 مليارات دولار. ومن هنا تعالَتِ الأصواتُ الرافضةُ، حتى إنّ رئيسَ البرلمانِ وكبيرَ المفاوضينَ الإيرانيينَ محمد باقر قاليباف حذّرَ من أنّ واشنطن تسعَى إلى ما أسمَاهُ "تحويلَ طاولةِ المفاوضاتِ إلى طاولةِ استسلام". وأضافَ: "نحنُ لا نقبلُ أن نُفاوضَ تحت التهديدِ، وخلالَ الأسبوعينِ الماضيينِ كنّا نستعدُّ لكشفِ أوراقٍ جديدةٍ في ساحةِ المعركة". ولم يختلِفْ كلامُ قاليباف عن تصريحاتِ الرئيسِ مسعود بزشكيان، الذي قالَ إنّ "الإشاراتِ غيرَ البنّاءةِ والمتضاربةِ الصادرةِ عن المسؤولينَ الأميركيينَ تحملُ رسالةً مريرةً، فهم يريدونَ استسلامَ إيران"، مشدّدًا على أنّ "الإيرانيينَ لا يرضخونَ للقوّة". ويدخلُ التلويحُ بأساليبَ جديدةٍ في سياقِ التهويلِ النفسي، في محاولةِ كلّ طرفٍ تحسينِ شروطِه، والضغطِ على الآخر قبل أن يحلَّ موعدُ انتهاءِ أمدِ الهدنةِ المحدّدة، أي مساءَ غدٍ الأربعاءِ بتوقيتِ شرقِ الولاياتِ المتحدةِ (3:30 فجرَ الخميسِ بتوقيتِ طهران).
هذا التوتّرُ و"التلبّدُ" الحاصلُ لم يُلغِ إعلانَ ترامب إمكانيّةَ التوصّلِ إلى اتفاقٍ نوويٍّ سريعٍ سيكونُ "أفضلَ من اتفاقِ عام 2015" الذي انسحبَ منه عام 2018. وأشادَ بمَا تحقّقَ حتى الساعةِ وبـ"النصرِ الساحقِ في الحربِ على طهرانَ بفارقٍ كبيرٍ"، عازيًا الأمرَ إلى "اختفاءِ" معظمِ قادةِ إيرانَ السابقينَ، ما اعتبرَهُ بمثابةِ "تغييرٍ للنظام". كما أكّدَ أنّ نائبَهُ جاي دي فانس سيشاركُ في جلسةِ المفاوضاتِ المقرّرِ عقدُهَا اليومَ في إسلام آباد، مستبعدًا تمديدَ اتفاقِ وقفِ إطلاقِ النارِ في حالِ عدمِ التوصّلِ إلى اتفاقٍ نهائي. وفي اليومين الأخيرين، تصاعدَت حدّةُ التوتّراتِ ووصلَت إلى مستوىً تهديديٍ. إذ أطلقَتِ القوّاتُ الأميركيّةُ النارَ على سفينةِ شحنٍ إيرانيّةٍ وسيطرَتْ عليها في بحرِ العرب، ما زادَ منسوبَ الخلافاتِ بين الطرفين، مع استمرارِ خطرِ تجدّدِ الحربِ كحقيقةٍ واقعيّةٍ، في حالِ تعثّرِ المباحثاتِ ووصولِها إلى طريقٍ مسدود. فملفاتُ الحصارِ البحريِ على الموانئِ الإيرانيّة، ومضيقِ هُرمز، واليورانيوم المُخصّب، وترتيبات المرحلة المقبلة من النزاعِ، جميعها تُشكّلُ نقاطَ خلافٍ رئيسيّةٍ من دونِ تسويةٍ واضحة. في الأثناءِ، أعلنَتِ القيادةُ المركزيّةُ الأميركيّةُ "سنتكوم" أنّ البحريّةَ أعادَت 27 سفينةً حاولَتْ دخولَ الموانئِ الإيرانيّةِ أو مغادرتِها منذ بدءِ الحصارِ، وذلكَ في إطارِ تشديدِ الخناقِ أكثرَ على النظامِ الإيراني ودفعِهِ إلى القبولِ بالشروطِ المطروحةِ على الطاولة. وبالتوازي، قالَ النائبُ الأوّلُ للرئيس الإيراني محمد رضا عارف إنه "لا يمكنُ تقييدُ صادراتِ النفطِ الإيرانيّةِ مع توقّعِ توفيرِ أمنٍ مجانيٍّ للآخرين"، مشيرًا إلى أنّ الخيارَ باتَ بين "سوقِ نفطٍ حرّةٍ للجميعِ أو تحمّلِ كلفةٍ كبيرةٍ".
بموازاةِ هذه السجالاتِ المستمرةِ، بدَتْ إسلامُ آبادَ وكأنَّها تستعدُّ فعليًا لاستضافةِ الجولةِ الثانيةِ. فكثّفَتْ اتصالاتِها الدبلوماسيّةَ مع واشنطنَ وطهرانَ منذُ يومِ الأحدِ لضمانِ انطلاقِ المحادثاتِ على الرغمِ من الفروقاتِ الشاسعة. حتى إنّ رئيسَ الوزراءِ الباكستاني شهباز شريف اتّصلَ بالرئيسِ الإيراني مسعود بزشكيان، فيما تحدّثَ وزيرُ الخارجيّةِ الباكستاني محمد إسحاق دار مع نظيرِهِ الإيراني عباس عراقجي هاتفيًا، وبحثا خلالَ الاتصالِ التطوّراتِ الإقليميّةِ والقضايا المرتبطةِ بوقفِ إطلاقِ النار. كما اتصلَ عراقجي بوزيرِ الخارجيّةِ الروسي سيرغي لافروف، ووضعَهُ في آخرِ المستجدّاتِ الحاصلة. ولا تبدو موسكو وبكين بعيدتين عن أجواءِ المحادثاتِ وما يجري، خصوصًا أنّ الصين فعّلَت خلالَ الأيّامِ الماضيةِ دبلوماسيّتِها في محاولةٍ للحدِّ من الانزلاقِ وتوسّعِ رقعةِ الخلافات. وضمنَ هذا السياقِ، اتصلَ وليُّ العهدِ رئيسُ مجلسِ الوزراءِ السعودي الأمير محمد بن سلمان بالرئيسِ الصيني شي جينبينغ، الذي أكّدَ أهميّةَ إبقاءِ مضيقِ هُرمز مفتوحًا أمام الملاحةِ، بما يخدمُ مصالحَ دولِ المنطقةِ والمجتمعِ الدولي، ويعزّزُ الاستقرارَ الدائم. ولا تخلُو المساعي اليومَ من محاولاتٍ لمناقشةِ الآثارِ الناجمةِ عن الحربِ على إيران، التي تركَت العالمَ في حالةٍ من الخوفِ والتوجّس. إذ التقَى أميرُ قطرَ الشيخُ تميم بن حمد آل ثاني ووليُّ عهدِ الأردنِ الحسين بن عبد الله في الدوحةِ، أمسِ الاثنينِ، وشدّدا خلالَ اللقاءِ على ضرورةِ تكثيفِ العملِ العربي والاحتكامِ للحوارِ والدبلوماسيّةِ لإنهاءِ الصراعات.
وعليهِ، فإنَّ العالمَ ينتظرُ ما ستحملُهُ الجولةُ المقبلةُ من المفاوضاتِ، مع استمرارِ تآكلِ الثقةِ وغيابِ المؤشّراتِ الإيجابيّة، ما يرسمُ ثلاثةَ سيناريوهاتٍ مُحتملةً. إمّا التوصّلُ قبلَ يومِ غدٍ الأربعاء إلى اتفاقٍ بالحدِّ الأدنى، يتبعُهُ مفاوضاتٌ طويلةٌ لبلورةِ النقاطِ العالقة. وإمّا ضغطُ الوسيطِ الباكستاني لتمديدِ وقفِ إطلاقِ النارِ وإعطاءِ المزيدِ من الوقتِ لأطرافِ الحرب. أمّا السيناريو الثالثُ، فهو استمرارُ المراوحةِ الحاليةِ عبر مواجهاتٍ محدودةٍ وعمليّاتِ استهدافٍ متبادلةٍ ومواصلةِ الحصارِ المفروض. في غضونِ ذلك، ندّدَ الرئيسُ الفرنسيُ إيمانويل ماكرون بما وصفَهُ بـ"خطأٍ من الجانبين" الأميركي والإيراني في ما يتعلّقُ بمضيقِ هُرمز، داعيًا الجميعَ إلى التحلّي بالهدوء. وتتكبّدُ الدولُ الأوروبيّةُ فاتورةً كبيرةً نتيجةَ الحربِ وتداعياتِها، حتى إنّها باتت تُعدُّ لخطةِ ما بعد الحربِ، التي تهدفُ إلى تشكيلِ ائتلافٍ واسعٍ من الدول، باستثناء أميركا، للمساهمةِ في استعادةِ حرّيةِ الملاحةِ البحريّةِ، والعودةِ إلى ما قبل الحرب، وتثبيتِ القواعدِ التي كانت قائمة، مع رفض فرض رسومٍ على العبورِ الآمن.
إلى ذلك، يستمرُّ وقفُ إطلاقِ النارِ الهشُّ في لبنان، ولكن مع تعمّدِ الاحتلالِ الإسرائيلي خرقَهُ بعمليّاتِ التفخيخِ والنسفِ، وتدميرِ البنيةِ العمرانيّةِ بشكلٍ منهجي، في المنطقةِ التي اصطلحَ على تسميتِها بـ"الخطِ الأصفر" جنوب لبنان. ويكتسبُ هذا الخطُّ أهميّةً عسكريّةً واستراتيجيّةً فائقةً، تتجاوزُ مجرّدَ التمركزِ الميداني إلى محاولةِ فرضِ واقعٍ أمنيٍّ جديدٍ، يعتمدُ على التفوّقِ الجغرافي والتقني. ودعَا المتحدّثُ باسم جيشِ العدوِ سكّانَ 81 قرية إلى عدمِ العودةِ إليها أو التحرّكِ في محيطِها، ضمنَ محاولةٍ لتكريسِ وجودٍ طويلِ الأمد. وعمليًا، كانت المناطقُ الجنوبيّةُ خاليةً من الاحتلالِ، إلى أن قرّرَ "حزبُ الله" فتحَ جبهةٍ عام 2024 إسنادًا لغزّة، ما أسفرَ عن تمسّكِ تل أبيب بخمسِ تلالٍ استراتيجيّة. لكن اليوم، وبعد جولةِ القتالِ التي اندلعَت ثأرًا للمرشدِ الإيراني ودفاعًا عن طهران، باتت 55 بلدةً وقريةً تحت السيطرةِ الإسرائيليةِ، التي لا توفّرُ جهدًا في تحويلِها إلى أرضٍ محروقةٍ غير قابلةٍ للسكن. وتتسارعُ الجهودُ اللبنانيّة لإطالةِ أمدِ الهدنةِ من جهةٍ، والدفعِ نحوَ استمرارِ المفاوضاتِ من جهةٍ ثانية. وحسمَ رئيسُ الجمهوريّةِ جوزاف عون الأمرَ بتأكيدِه أنّ لبنانَ سيفاوضُ عبرَ وفدٍ يرأسُه السفيرُ سيمون كرم، و"لن يشاركَ أحدٌ لبنانَ في هذه المهمّةِ أو يحلَّ مكانَه". ولفتَ إلى أنّ هذا الخيارَ اتُخِذَ بهدفِ "وقفِ الأعمالِ العدائيّةِ، وإنهاءِ الاحتلالِ الإسرائيلي لمناطقَ جنوبيّةٍ، ونشرِ الجيشِ حتى الحدودِ الجنوبيّةِ المعترفِ بها دوليًّا".
ويسعَى لبنانُ إلى اتّخاذِ القرارِ الصعبِ، على الرغمِ من تهويلِ "حزبِ الله" ونوّابِه، الذين يعتلونَ المنابرَ يوميًا ويهاجمونَ خياراتِ الدولةِ ويحذّرونَها من الأسوأ. لكن البلادَ تقفُ أمامَ خياراتٍ محدودةٍ، ولا تحتملُ ترَفَ الجدالاتِ العقيمةِ والمهاتراتِ السياسيّة. تزامنًا، برزَت حركةُ السفيرِ الأميركي في لبنانَ ميشال عيسى، الذي زارَ الرئيسَ عون، ورئيسَ مجلسِ النوابِ نبيه بري، الذي كشفَ لصحيفةٍ "الشرق الأوسط" عن وجودٍ مسعىً من واشنطن لتمديدِ وقفِ النارِ، رافضًا الإفصاحَ عن موقفِه من عمليّةِ التفاوضِ المباشرِ مع إسرائيل. يأتي ذلك في حين أفادَت وسائلُ إعلامٍ إسرائيليّةٍ عدّة بأن الجولةَ الثانيةَ من المحادثاتِ بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي ستُعقدُ يومَ الخميسِ في واشنطن. ويكتسبُ هذا الاجتماعُ الثاني أهميةً خاصةً، إذ لا ينحصرَ في إطارِ اللقاءِ البروتوكولي أو التقني، بل يُعدُّ مُحدّدًا فعليًا للاتجاهِ الذي ستسلكُهُ المرحلةُ المقبلة. وتزدادُ هذه الأهميةُ في ظلِّ ما تحملُهُ المرحلةُ من تحدّياتٍ جسامٍ، مع بروزِ المطامعِ الإسرائيليّةِ وغيابِ التوافقِ الداخلي، والانعكاساتِ الخطيرةِ للحربِ على الأوضاعِ الاقتصاديّةِ والمعيشيّة. ناهيك عن مسألةِ النزوحِ، وعدمِ قدرةِ كثيرٍ من العائلاتِ الجنوبيّةِ النازحةِ على العودةِ إلى قراها، التي باتت بحكمِ المحتلّة. هذه المشهديّةُ سينقلُها رئيسُ الحكومةِ نواف سلام خلال لقاءاتِه في لوكسمبورغ، ثم في العاصمة الفرنسيّة باريس، حيث يُتوقّعُ أن يلتقيَ الرئيسَ إيمانويل ماكرون في قصرِ الإليزيه بعد ظهرِ اليوم.
يُقابلُ الوضعَ اللبناني المتأزّمَ أزمةٌ سياسيّةٌ مُستفحلةٌ في العراق، الذي يعيشُ في ذروةِ التجاذبِ الأميركي – الإيراني، بسببِ تزايدِ الضغوطِ عليه. فبعدَ زيارةِ قائدِ "فيلقِ القدس" في "الحرسِ الثوري" الإيراني إسماعيل قآني إلى العراق، التي هدفَت بشكلٍ غيرَ مباشرٍ إلى تحديدِ اسمِ رئيسِ مجلسِ الوزراءِ، وتوحيدِ الرؤى داخلَ "الإطارِ التنسيقي الشيعي"، عقبَ "الفيتو الأميركي" على كلٍّ من رئيسِي الحكومةِ الأسبق نوري المالكي والحالي محمد شياع السوداني، تترقّبُ بغدادُ وصولَ المبعوثِ الأميركي توم براك في أيِّ لحظة. وتردّدَ أمس اسم باسم البدري ليكونَ المرشّحَ التوافقي الحالي، قبل أن يخرجَ "الإطارُ التنسيقي" وينفي ما ورد، معلنًا تأجيلَ الجلسةِ إلى يومِ الأربعاءِ المقبل. في المقابل، لوّحَت واشنطن بإجراءاتٍ أشدٍّ لمنعِ قيامِ حكومةٍ خاضعةٍ لنفوذِ الفصائل، تشملُ معاقبةَ الجهاتِ التي تُسهّلُ وصولَ الدولار إلى إيران، وسطَ تشديدِ قيودِ تدفّقاتِ النقد. وذكرَت تقاريرٌ إعلاميّةٌ، أمس الاثنين، أنّ أميركا قرّرَت وقفَ تحويلاتِ الدولارِ إلى المصرفِ المركزي العراقي إلى حين تشكيلِ حكومةٍ جديدة. ولفتَت إلى أنَّها "اشترطَت تشكيلَ حكومةٍ غير مواليةٍ لطهرانَ للسماحِ لبغدادَ بالحصولِ على عائداتِ مبيعاتِ نفطِها بالدولار".
في الأخبارِ الأخرى، أعلنَتِ الإماراتُ تفكيكَ "تنظيمٍ إرهابيٍّ مرتبطٍ بولايةِ الفقيهِ" في إيرانَ والقبضَ على عناصرِهِ، لانخراطِهِم في نشاطٍ سرّي، والتخطيطِ لتنفيذِ أعمالٍ تستهدفُ الوحدةَ الوطنيّةَ واستقرارَ البلاد. وجاءَ هذا الكشفُ وسطَ تصاعدِ حدّةِ الخلافِ بعد الهجماتِ الإيرانيّةِ التي استهدفَت دولَ الخليج ومنشآتِها الحيويّةَ والمدنيّةَ. أما على صعيد الملفِ الغزّاوي، فأعربَ كبيرُ مبعوثي "مجلسِ السلامِ" نيكولاي ملادينوف عن تفاؤلِه "إلى حدٍّ ما" بإمكانِ التوصّلِ إلى اتفاقٍ بشأنِ خطةِ نزعِ سلاحِ حركةِ "حماس"، محذّرًا من أنّ الأمرَ سيستغرقُ بعضَ الوقت. إلا أن هذا "التفاؤلَ المشروطَ" لم ينسحبْ على الحركةِ الفلسطينيّةِ، التي تُطالبُ بالتزامِ الاحتلالِ بتطبيقِ بنودِ المرحلِةِ الأولى، وأبرزُها دخولُ المساعداتِ الإنسانيّةِ، ووقفُ الخروقاتِ والاعتداءاتِ شبهِ اليوميّة. وقرّرَ الاحتلالُ أمس الاثنين، ومن دون أسبابٍ تُذكَر، إعادةَ إغلاقِ معبرِ رفحَ الحدودي، ما يعني تأزّمَ الوضعِ الداخلي، خصوصًا بالنسبة إلى المرضى والجرحى الذين ينتظرونَ الحصولَ على العلاجِ خارجَ القطاعِ المنكوب.
كل هذه المستجدات والتطورات كانت محط نقاش ضمن عناوين وتحليلات الصحف العربية الصادرة اليوم الثلاثاء، وإليكم أبرزها:
أشارت صحيفة "عكاظ" السعودية إلى أن "الفرق الجوهري بين المضايق البحرية الطبيعية، مثل مضيق هُرمز ومضيق جبل طارق ومضيق باب المندب ومضيق ملقا ومضيق ماجلان، وتلك الاصطناعية، مثل قناة السويس وقناة بنما وقناة إسطنبول التي يجري حفرها الآن، أن المضايق الطبيعية لا تتحكم في المرور عبرها، دخولاً إليها وخروجاً منها والمرور بها الدولة أو الدول المتشاطئة المطلة عليها، لا في وقت السلم ولا في وقت الحرب، وجعلها في كل الأوقات مفتوحة لحركة التجارة الدولية". وقالت: "في كل الأحوال: القانون الدولي، وكذا العرف السائد حول التحكم في حركة المرور من خلال تلك المضايق البحرية الطبيعية والقنوات الاصطناعية يخدم، بصورة أساسية، حرية حركة التجارة العالمية، كما لا يحق للدولة أو الدول المطلة على تلك المضايق الطبيعية، أن تعرقل حرية حركة التجارة الدولية، لأي سبب من الأسباب".
صحيفة "الغد" الأردنية، من جهتها، كتبت أن "التصور الساذج عن السقوط الملحمي للنظام في إيران، بدون أدنى اهتمام بوجود البديل من عدمه، كان يعني لمنطقتنا، كارثة من طراز جديد. الوضع الهش للغاية في العراق كان لينهار فورًا بعد سقوط حكم المرشد في طهران". وشدّدت على أن "الحرب الأخيرة، أظهرت عمق الفجوة في الحياة السياسيّة العراقية، وضعف الدولة، والاستعداد الطائفي العالي للصدام الدموي. لبنان لن ينجو لو وقع الحدث الكبير في إيران. هو الآن يقف عند أقرب نقطة من الحرب الأهلية. وفي ضوء حالة الاستقطاب القائمة حاليًا، فإن تطورًا كهذا سيدفع بالخصوم لاقتناص الفرصة، ولكم أن تتخيلوا الحالة في بيروت. في غياب القدرة على إنتاج بديل موضوعي، إيران ذاتها ستنفجر من الداخل وتفجر معها محيطًا يفوق نطاقه مفعول قنبلة نووية".
أما صحيفة "البلاد" البحرينية، فرأت أن "العالم يشهد عودة مدهشة إلى ما قبل القانون الدولي، ومهما رفع الناس أصواتهم وأقلامهم ضد هذه الهمجية الدولية الجديدة، فإنها ماضية من دون توقف ورادع، خصوصًا بعدما أصبح الخطف (الرسمي) للرؤساء أمرًا عاديًّا لا يثير حتى الغضب أو الاحتجاج، وبعد أن أصبح قلب الأنظمة والسيطرة على مصائر الأمم عملًا إنسانيًّا يمكن التنظير له بسهولة". وأضافت أن "هذه الرجعة المدهشة إلى ما قبل القانون الدولي، تبدو كرجعة لعصر (الغاب) وإلى ما قبل عصر الصناعة والزراعة، إلى ما قبل ظهور الديمقراطيات والمؤسسات، وحركات التحرّر، وقبل المدّ الحقوقي الذي اقتتلت من أجله ولأجله شعوب العالم، قبل ظهور القوانين الحديثة والدبلوماسية والبروتوكولات والمواثيق".
في سيّاق متصل، اعتبرت صحيفة "اللواء" اللبنانية أن "الجدال المحتدم حول ملابسات وقف النار والتفاوض المباشر وسلاح حزب الله، يبدو وكأنه أشبه بحوار الطرشان بين أنصار الدولة السيادية وخصومها من مناصري محور الممانعة، لأن لغة العمالة والتخوين السائدة أبعد ما تكون عن قواعد الحوار الموضوعي والبنّاء، وتقوم على تبادل الإتهامات وأسوأ النعوت، بدل البحث المشترك عن نقاط التلاقي والحلول". وأكدت أن "سلاح حزب الله، هو بيت القصيد في الحروب الأخيرة، فهو يحتاج إلى معالجة وطنية حاسمة، تُنهي ازدواجية السلاح مع القوى الأمنية الشرعية، وتعيد قرار الحرب والسلم إلى الدولة، مع إيجاد صيغة مناسبة لاستيعاب عناصر الحزب في الجيش، ولو وصل الأمر إلى إنشاء لواء أو فرقة عسكرية تتولى أمن المناطق الحدودية تحت إمرة الجيش اللبناني، وذلك على غرار ما حصل من استيعاب عناصر ميليشاوية في الأسلاك الأمنية، إثر إنتهاء الحرب البغيضة وتنفيذ اتفاق الطائف".
(رصد "عروبة 22")

