رحّبت معظم دول العالم بإعلان الهدنة بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وبين إيران من جهة ثانية، على أمل أن يؤدي التفاوض المباشر بين أطراف الحرب إلى اتفاق ينهي الحرب بشكل نهائي، بعد أن أرخت الحرب بظلال كثيفة على العلاقات الدولية، والصناعات، والأسواق، مع ارتفاع أسعار النفط إلى مستوى غير مسبوق منذ عقود، وغياب اليقين حول حرية الملاحة المستقبلية في مضيق هرمز، لكن جولة التفاوض التي عُقدت في إسلام آباد انتهت إلى الفشل، وذهبت معها الآمال القصيرة التي تعلّقت عليها.
المشكلة العميقة في التفاوض بين أمريكا وإيران، وربما مطلق أيّ تفاوض سياسي، أن التفاوض ذاته يمتلك معاني مختلفة بين الأطراف المعنية، خصوصاً أن امتحان رغبة هذه الأطراف في إنهاء الصراع أمر لا يمكن الوثوق به، فما يدفع الأطراف إلى التفاوض ليس دائماً رغبتها الأكيدة في إنهاء الصراع، وإنما في الكثير من الأحيان محاولتها معرفة مدى حاجة الخصم للوصول إلى اتفاق ينهي الصراع، والثمن المستعد لدفعه، وقدرته الفعلية على الالتزام به، في حال وافق عليه.
يلعب في التفاوض أمر لا يمكن تجاوزه، وهو ذاكرة العلاقة مع الخصم، خصوصاً في ما يتعلق باتفاقات سابقة، ففي الحالة الأمريكية الإيرانية، كان بين الطرفين اتفاق حول الملف النووي، أبرمته إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما، لكن الرئيس ترامب قام في ولايته الأولى بالانسحاب من الاتفاق، وهو في ولايته الثانية، وبعد جولة ثانية من الحرب دامت لأكثر من شهر، يريد الوصول إلى اتفاق.
وتعتقد الإدارة الأمريكية الحالية أن طهران فهمت الاتفاق الذي أبرمته معها إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما على أنه اعتراف أمريكي بهيمنتها على ساحات عدة في الشرق الأوسط، وضوء أخضر لتوسعة نفوذها، وبالتالي، فإن واشنطن تريد لأي اتفاق مع طهران أن يضمن انكفاء تدريجياً لإيران داخل حدودها، أي أن يكون لهذا الاتفاق قدرة على تحجيم النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، وهذا مطلب مشترك أمريكي إسرائيلي، وهما الطرفان اللذان يخوضان الحرب كحلفاء.
لم تحقّق واشنطن الهدف الذي أعلنت عنه في بداية الحرب، وهو إنهاء النظام الإيراني، فاغتيال عدد كبير من كبار القادة العسكريين والسياسيين، وعلى رأسهم المرشد علي خامنئي، لم يفتح المجال أمام تدفق الجماهير إلى الساحات والمطالبة بإسقاط النظام. الطرفان الأمريكي والإيراني يدركان تماماً أن التفاوض لا يعمل في فراغ، وإنما يتحرك ضمن إطار تحدّده مسبقاً موازين القوة، وطالما أن موازين القوة لم تحدث فيها اختلالات كبيرة، فإن التفاوض يزداد صعوبة، ويصعب التعامل معه بوصفه إملاء شروط سياسية من قبل طرف على آخر.
لكن أيضاً، المفاوضات بين أمريكا وإيران ليست اختباراً لحدود قوة الطرفين فقط، أو اختبار مستوى الثقة بينهما، لكنها في الأصل مفاوضات في قلب النظام الدولي الذي يعاني، منذ أكثر من ثلاثة عقود، تراكم الخلل، وهشاشة التفاهمات. إن التعقيدات العديدة التي انطوت عليها الحرب لا تجعل من فشل التفاوض مفاجأة، بل تجعل من توقع نجاحه أمراً غير واقعي، فهذه الجولة التفاوضية ليست حدثاً منفصلاً عن تقويم سياسي مزدحم بالمشكلات البنيوية من جهة، ومتعدد الأطراف من جهة أخرى. لذلك بدا جلياً أن الطرفين المفاوضين لم يدخلا إلى التفاوض للوصول إلى اتفاق، بل بوصفه امتداداً لمسار اختبار القوة المتبادل بينهما.
لم يشهد النظام الدولي في القرن الحالي حرباً معقدة وكونية مثل هذه الحرب، وهي في نهاية المطاف أحد أشدّ تعبيرات أزمته البنيوية، وأحد أبرز أشكالها العسكرية المباشرة. ولئن فشلت الحرب في تحقيق انتصار أمريكي حاسم، أو الوصول إلى تسوية، فذلك لأن كل القوى المنخرطة، بشكل مباشر أو غير مباشر، تعلم بأن ما سيترتب عن هذه الحرب، في الميدان أو على طاولة التفاوض، سيرسم ملامح نظام دولي جديد. لذلك، ربما يفضّل الجميع أن يتعايش مع منطق إدارة الصراع لا حلّه.
(الخليج الإماراتية)

