صحافة

"المشهد اليوم"..إيرانُ تُحاوِلُ مُقايَضَةَ "هُرمُز" وعَون يَرُدُّ على "خِيانَةِ حِزبِ الله"!الرئيسُ العِراقِيُّ يُكَلِّّفُ علي الزَّيدي تَشكيلَ الحكومةِ الجديدة


الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرحبًا بالوزير عباس عراقجي في سان بطرسبرغ أمس. (أ ف ب)

على الرَّغمِ من "الجمودِ" الديبلوماسيِّ وغيابِ أيِّ أفقٍ حاليٍّ لعقدِ جولةٍ ثانيةٍ من المفاوضاتِ بين واشنطنَ وطهرانَ، إلّا أنّ المساعيَ الدوليّةَ ومحاولاتِ رأبِ الصدعِ لم تتوقّف، معِ العملِ على بلورةِ صيغٍ جديدةٍ من أجلِ التوصّلِ إلى اتّفاقٍ. وتحاولُ إيرانُ "جسَّ نبضِ" حلفائِها من خلالِ زيارةِ وزيرِ خارجيّتِها عباس عراقجي "المفاجئةِ". وشملَتْ هذه الزيارةُ سلطنةَ عُمان وروسيا، التي توجّهَتْ إليها الأنظارُ لإمكانيّةِ لعبِ دورٍ ما بعدَ تعثّرِ الوساطةِ الباكستانيّةِ، وفشلِها في تحقيقِ أيِّ تقدّمٍ يُذكَر. وتملكُ موسكو العديدَ من أوراقِ القوّةِ التي يمكنُ أن تُوظّفَها لهذه الغاية. تبدأُ هذه الأوراقُ من علاقتِهَا الاستراتيجيّةِ مع النظامِ الإيرانيِّ، وامتلاكِها قنواتِ اتصالٍ مباشرةٍ مع القيادةِ هناك، وصولًا إلى موقعِها الدائمِ في مجلسِ الأمن، وقدرتِها على إعاقةِ أيِّ قرارٍ. وسبقَ أن استخدَمَتْ، إلى جانبِ الصين، حقَّ النقضِ "الفيتو" ضدَّ مشروعِ قرارٍ في مجلسِ الأمنِ الدوليِّ يطالبُ بإعادةِ فتحِ مضيقِ هُرمُزَ.

هذه المعطياتُ يمكنُ أن تُسهمَ في تقدُّمِ دورِ موسكو أو مشاركتِها في تقريبِ وجهاتِ النظرِ بين أطرافِ الحرب، ما يمكنُ البناءُ عليه في المرحلةِ المقبلة. واستقبلَ الرئيسُ الروسيُّ فلاديميرُ بوتين عراقجي، مُشيدًا بالشعبِ الإيرانيِّ الذي وصفه بأنّه "يقاتلُ ببسالةٍ من أجلِ سيادتِه". وأكّد أنّ بلاده ستبذل كلَّ ما في وسعِها لخدمةِ مصالحِ إيرانَ ودولِ المنطقةِ الأخرى ولإحلالِ السلامِ في الشرقِ الأوسطِ. من جهتها، أفادت وزارةُ الخارجيّةِ الإيرانيّةُ، في بيانٍ، بأنّ عراقجي شدّدَ خلالَ اللقاءِ على أنّ "ممارساتِ أميركا وإصرارَها على التهديدِ والمطالبِ غيرِ المعقولةِ تعوقُ الدبلوماسيّةَ"، على الرغمِ من إقرارهِ بتحقيقِ "بعضِ التقدّمِ"، موضحًا أن إيرانَ ستتّخذُ القرارَ المناسبَ بشأنِ ذلكَ. وتتحرّكُ طهرانُ على أصعدةٍ عدةٍ لكسرِ الحصارِ البحريِّ الأميركيِّ المفروضِ على موانئِهَا، والذي يُسهِمُ في زيادةِ الأوضاعِ الاقتصاديّةِ تعقيدًا. إذ بدأت باعتمادِ أساليبَ غيرِ مسبوقةٍ لترشيدِ مساحاتِ تخزينِ النفطِ، في ظلِّ امتلاءِ خزّاناتِها نتيجةَ تعطّلِ الصادراتِ بفعلِ الحصار. وفي هذا السيّاقِ، نقلَتْ صحيفةُ "وول ستريت جورنال" عن مسؤولينَ حاليّينَ وسابقينَ في إيرانَ تأكيدَهُم أنّها باشرَتْ استخدامَ حاوياتٍ ومخازنَ متهالكةٍ وغيرِ مستغلّةٍ في مراكزِها النفطيّةِ جنوبَ البلادِ، وتحديدًا في الأهوازِ وعسلوية، كوسيلةٍ لاستيعابِ الفائضِ من الخامِ.

جاءَ كلُّ ذلك في وقتٍ تتواصلُ فيه الأوضاعُ المُقلِقةُ في مضيقِ هُرمُز، بعدما دخلَ ضمن "البازارِ السياسيِّ"، مع استمرارِ النظامِ الإيرانيِّ في إغلاقِه والتهويلِ بالمزيدِ من الخطواتِ التصعيديّة. وبرزَ، أمسِ الاثنين، مقترحٌ جديدٌ قدَّمته طهرانُ إلى واشنطن، يرتكزُ، بحسبِ صحيفةِ "نيويورك تايمز"، على نقطتينِ جوهريّتَين: أولاهما فتحُ المضيقِ، لكن مع إعلانِها عزمَها على فرضِ رسومِ عبورٍ أو تقديمِ خدماتٍ لناقلاتِ النفطِ، وثانيتُهُمَا رفعُ الحصارِ البحريِّ الأميركيِّ المفروضِ عليهَا كمدخلٍ لإنهاءِ الحربِ، على أن تُناقش المفاوضاتِ النوويّة في مرحلةٍ لاحقةٍ. ونقلَتْ الصحيفةُ عينُها عن مسؤولينَ إيرانيّينَ مطّلعينَ، أنّ الوزيرَ عراقجي سلَّمَ المقترحَ الجديدَ إلى باكستانَ، بعدَ أن رفضَ الرئيسُ دونالدُ ترامب مقترحًا أوليًّا في اليومِ السابقِ. وهذا ما دفعَهُ إلى إلغاءِ زيارةِ مبعوثَيهِ ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى إسلامِ آباد. وتعكفُ الإدارةُ الأميركيّةُ حاليًّا على دراسةِ هذا العرضِ، لكنّها تُبدي شكوكًا بشأنِ "عدمِ تعاملِ طهرانَ بحُسنِ نيّةٍ، وعدمِ استعدادِها لتلبيةِ مطلبِ ترامب" بإنهاءِ تخصيبِ اليورانيوم. إذ يبقى هذا الملفُ عقدةً مستعصيةً في ظلِّ تمسّكِ نظامِ "الثورةِ الإسلاميّةِ" بمَا يعتبرُهُ حقًّا مشروعًا، ورفضِه تقديمَ "تنازلاتٍ مجانيّةٍ".

في غضونِ ذلكَ، أشارَت المتحدّثةُ باسمِ البيتِ الأبيضِ كارولين ليفيت إلى أنّ ترامب اطّلعَ على المقترحاتِ الإيرانيّةِ بشأنِ إعادةِ فتحِ مضيقِ هُرمُزَ، وناقشَ الأمرَ مع كبارِ مستشارِيهِ في مجالِ الأمنِ القوميِّ، مؤكدةً أنَّ مطالبَ واشنطنَ الأساسيّةَ لا تزالُ كمَا هيَ. وأدّى "حصارُ الحصارِ" إلى إدخالِ الولاياتِ المتّحدةِ وإيرانَ والعالَمِ بأسرِه في دوّامةِ "عضِّ أصابعٍ" لاختبارِ مَن يمكنُه تحمّلُ مزيدٍ من الألمِ مع اقترابِ الحربِ من عتبةِ الستينَ يومًا. وأظهرَتْ بياناتٌ لتتبّعِ السفنِ، أمسِ الاثنينِ، أنّ ستَّ ناقلاتٍ محمّلةٍ بالنفطِ الإيرانيِّ أُجبرت أخيرًا على العودةِ إلى طهرانَ، فيما قالَت القيادةُ المركزيّةُ الأميركيّةُ (سِنتكوم) إنّ قواتِها تواصلُ فرضَ الحصارِ على الموانئِ الإيرانيّةِ، ومنعَ السفنِ من الدخولِ إلِيها أو الخروجِ منها. وأشارَت إلى أنَّها وجّهَت 38 سفينةً إلى تغييرِ مسارِها أو العودةِ إلى الميناءِ. في هذا السياقِ، يكابرُ النظامُ الإيرانيُّ، الذي يضعُ في أولويّاتِ "الانتصارِ" مدى قدرتِه على الصمودِ في ظلِّ الظروفِ الحاليّةِ وتحمّل الخسائرِ التي يتكبّدُها الاقتصادُ، ما ينعكسُ على حياةِ الإيرانيّين الذين يعيشون في عزلةٍ تامّةٍ بسببِ القيودِ المشدّدةِ على وسائلِ التواصلِ والإعلامِ. وشدّدَ رئيسُ البرلمانِ وكبيرُ المفاوضينَ محمدُ باقرُ قاليباف على أنّ بلادَهُ لا تزالُ تملكُ "أوراقًا" في مواجهةِ الولاياتِ المتّحدةِ، في إشارةٍ مُبطّنةٍ إلى مضيقِ بابِ المندبِ وخطوطِ أنابيبِ النفطِ، التي تُهوّلُ طهرانُ بتوظيفِها في مرحلةٍ لاحقةٍ في حالِ اشتدادِ الضغطِ عليهَا.

من جانبِها، تُراقبُ دولُ العالمِ ما يجرِي في هذا الممرِّ الحيويِّ و"تعثّرَ" المحادثاتِ بكثيرٍ من القلقِ والتوجّسِ، خصوصًا الدولِ الأوروبيّةِ. ودفعَ هذا الأمرُ الرئيسَ الفرنسيَّ إيمانويل ماكرون إلى الإعلانِ عن أنّه سيتحدّثُ إلى السلطاتِ الإيرانيّةِ، وأنّه سيُصرُّ على إعادةِ فتحِ مضيقِ هُرمُزَ. أمّا المستشارُ الألمانيُّ فريدريشُ ميرتس فوجّهَ انتقادًا كبيرًا، إذ اعتبرَ أنّ الولاياتِ المتّحدةَ تفتقرُ، على ما يبدو، إلى استراتيجيّةٍ واضحةٍ للخروجِ من مأزقِ الحربِ الحاليّ. وحذّر من أنّ "أمّةً بأكملِها تتعرّضُ للإذلالِ من قبلِ القيادةِ الإيرانيّةِ، لا سيّما من جانبِ ما يُسمّون الحرسَ الثوريّ". وأوضحَ ميرتس أنّ "المشكلةَ في مثلِ هذه النزاعاتِ هي أنّه لا يكفي الدخولُ فيها فحسب، بل يجبُ أيضًا الخروجُ منها"، مُضيفًا: "رأينا ذلكَ بشكلٍ مؤلمٍ للغايةٍ في أفغانستانَ على مدارِ 20 عامًا، ورأيناه أيضًا في العراقِ". وتتباعدُ وجهاتُ النظرِ بين واشنطنَ وحلفائِها الأوروبيّين منذ إعادةِ وصولِ ترامب إلى سدّةِ الرئاسةِ، وما تلاها من خطواتٍ أدّت إلى "تآكلِ الثقةِ" وتدهورِ العلاقاتِ إلى مستوى غيرِ مسبوقٍ، خصوصًا أنّ العديدَ من هذه الدولِ ينتقدُ استمرارَ الحرب. ويأتي هذا التراشقُ وسط استمرارِ إغلاقِ مضيقِ هُرمُز، الذي تسبّبَ في شللٍ واسعٍ في حركةِ الملاحةِ العالميّة. فضلًا عن تعطّلِ نحوِ ألفَي سفينةٍ ووجودِ أكثرَ من 20 ألفَ بحّارٍ عالقين، وفقَ تقديراتِ المنظّمةِ البحريّةِ الدوليّة، ما يُنذرُ بتداعياتٍ ممتدّةٍ على سلاسلِ الإمدادِ وأمنِ الطاقةِ حتى بعدَ انتهاءِ النزاع.

وعليه، فإنّ المنطقةَ تقفُ اليومَ أمامَ مرحلةٍ شديدةِ الحساسيّةِ، تترافقُ مع دعواتٍ أميركيّةٍ لتشكيلِ تحالفٍ لضمانِ حريّةِ الملاحةِ ومحاسبةِ إيرانَ، وسطَ تحذيراتٍ أمميّةٍ من أنَّ تقويضَ أمنِ الممرّاتِ المائيّةِ يُشكّلُ اختبارًا حقيقيًّا للنظامِ الدوليِّ. فضلًا عن مخاوفَ متزايدةٍ من انعكاساتٍ اقتصاديّةٍ وإنسانيّةٍ واسعةٍ، خصوصًا على الدولِ الناميةِ. ولا يختلفُ الموقفُ العربيُّ، فتتواصلُ المساعِي لتحديدِ ماهيّةِ "المرحلةِ المقبلةِ". ويبرزُ في هذا الإطارِ الدورُ القطريُّ، إذ اتصلَ، رئيسُ مجلسِ الوزراءِ وزيرُ الخارجيّةِ القطريُّ الشيخُ محمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ جاسمٍ آل ثاني، هاتفيًّا بوزيرِ الخارجيّةِ السعوديِّ الأميرِ فيصل بن فرحان، وبحثا علاقاتِ التعاونِ بين البلدين وسبلِ دعمِها وتعزيزِها. وأكد بن جاسم آل ثاني، خلالَ المحادثاتِ الثنائيّةِ، ضرورة تجاوبِ كافّةِ الأطرافِ مع جهودِ الوساطةِ الجاريةِ لإنهاءِ الحرب، لفتحِ المجالِ أمامَ معالجةِ جذورِ الأزمةِ عبرَ الوسائلِ السلميّةِ والحوارِ، ويُفضِي إلى التوصّلِ إلى اتّفاقٍ مستدامٍ يَحولُ دونَ تجدّدِ التصعيدِ. وتحاولُ دولُ الخليجِ العربيِّ تقييمَ المرحلةِ الماضيةِ بكلِّ ما سادَها من اضطراباتٍ، خصوصًا أنَّها "جُرَّتْ" إلى الحربِ مع الهجماتِ الإيرانيّةِ التي تصاعَدَت على منشآتِهَا الحيويّةِ والأساسيّةِ، ما سيدفعُهَا إلى اتّخاذِ خطواتٍ أكثرَ صرامةً في تعاملاتِهَا. وتبرزُ، ضمنَ ذلكَ، الخطوةُ البحرينيّةُ التي تجلَّت، أمسِ الاثنين، بإسقاطِ الجنسيّةِ عن 69 شخصًا، لتعاطفِهم مع الأعمالِ العدائيّةِ التي شنّتها إيران على البحرين، وتمجيدِهِم لهَا.

الخطواتُ العربيّةُ الصارمةُ يُقابلُها، على الضفّةِ الأخرى، محاولاتٌ لبنانيّةٌ جادّةٌ للحصولِ على "مظلّةِ أمانٍ" وحمايةِ البلادِ والعبادِ من تداعياتِ استمرارِ الحربِ الإسرائيليّةِ، والتصعيدِ المتواصلِ عبرَ الاعتداءاتِ والخروقاتِ اليوميّةِ لاتّفاقِ وقفِ النارِ. وتُسابقُ تلّ أبيب المفاوضاتِ من خلالِ تثبيتِ وجودِها وفرضِ منطقةٍ عازلةٍ، فيما تُمعنُ في نسفِ المباني وتفجيرِ المنازلِ وتدميرِ البنَى التحتيّةِ. وقد تجاوزَ العدوانُ ما تُسمِّيه تلّ أبيب بـ"المنطقةِ الصفراءِ" التي تحتلُّهَا، ليشملَ بلداتٍ شمالَ نهرِ اللّيطاني، وصولًا إلى حوشِ صور وزبقين وخربةِ سلم والسلطانيّة والسماعيّة والبازوريّة وحداثا، وصفدِ البطيخ، ما أسفرَ عن مزيدٍ من الخسائرِ البشريّة. في المقابل، أعلن "حزبُ الله" إطلاقَ صواريخَ من جنوبِ لبنان باتجاهِ منطقةِ "إصبعِ الجليل"، وكرّرَ استهدافَ تجمّعاتٍ لقوّاتِ الاحتلال. وفي سياقٍ متّصلٍ، أوردت صحيفةُ "معاريف" أنّ الجيشَ الإسرائيليَّ شرعَ فعليًّا في سحبِ جزءٍ من قوّاتِه من لبنان، في حين أعلنَ رئيسُ الوزراءِ بنيامين نتنياهو، خلالَ الأسبوعِ الجاري، أنّه أصدرَ تعليماتِه للجيشِ بمواصلةِ ضربِ أهدافٍ تابعةٍ لـ"حزبِ الله" داخلَ لبنان بقوّةٍ. وبالتزامنِ مع هذه التطوّراتِ الميدانيّةِ، هدّدَ وزيرُ الأمنِ الإسرائيليُّ يسرائيل كاتس لبنانَ و"حزب الله"، مُحذّرًا، خلالَ اللقاءِ الذي جمعَهُ بالمنسّقةِ الخاصّةِ للأممِ المتّحدةِ في لبنانَ جينين هينيس بلاسخارت، من أنّه "إذا استمرَّت الحكومةُ اللبنانيّةُ في ظلِّ حزبِ الله، فستندلعُ نارٌ تحرقُ أرزَ لبنانَ". كما قالَ إنَّ "(الأمينَ العامَّ للحزبِ) نعيم قاسم يلعبُ بالنارِ، وستحرقُ هذه النارُ حزبَ اللهِ ولبنانَ بأكملِهِ".

وفي بيانٍ أصدرَهُ مكتبُه، اعتبرَ بنيامين نتنياهو أنّ إطلاقَ الصواريخِ والمسيّراتِ من قبلِ "حزبِ الله" على الدولةِ العبريّةِ وقوّاتِها في جنوبِ لبنانَ يتطلّبُ مزيدًا من العملِ العسكريِّ. ولفتَ إلى تهديدَينِ مركزيَّينِ هما الصواريخُ عيارُ 122 ملم والمسيّراتُ، ما يستَدعِي، على حدِّ تعبيرِهِ، مزيجًا من النشاطِ العملانيِّ والتقنيِّ. وما يزيدُ الأوضاعَ على الساحةِ اللبنانيّةِ تعقيدًا، إلى جانبِ الوحشيّةِ الإسرائيليّةِ المتماديةِ، هو غيابُ التوافقِ الوطنيِّ، الذي يُفاقمُ منسوبَ الاحتقانِ الداخليِّ. واندلَعَت، أمسِ الاثنينِ، معركةٌ كلاميّةٌ بين رئيسِ الجمهوريّةِ جوزاف عون والأمينِ العامِّ للحزبِ نعيم قاسم. إذ اتّهمَ الرئيسُ "حزبَ اللهِ"، من دونِ أن يُسمِّيهِ مباشرةً، بجرِّ البلادِ إلى حربٍ من أجلِ أجنداتٍ غير لبنانيّةٍ، من غزّةَ إلى إيرانَ. ودافعَ في المقابلِ عن خيارِ التفاوضِ المباشرِ باعتبارِه الممرَّ الإلزاميَّ لإنقاذِ ما تبقّى من البلدِ. واستحضرَ عون "اتّفاقَ الهدنةِ لعام 1949"، لا بوصفِه فعلَ خيانةٍ، بل معيارًا وطنيًّا يمكنُ القياسُ علَيهِ في لحظةِ الانهيارِ. وجاءَ ذلكَ في معرضِ الردِّ على الكلامِ العالِي النبرةِ لقاسم، الذي وضعَ فعلَ التفاوضِ في إطارِ "الخطيئةِ الخطيرةِ" و"الخيانةِ". وتمسّكَ قاسم بسلاحِ الحزبِ، مُشيدًا بدورِ إيرانَ، إذ كرّرَ أنّها تقفُ وراءَ اتّفاقِ وقفِ النارِ، متنكّرًا للجهودِ الرسميّةِ اللبنانيّةِ والخطواتِ التي اتُّخذَت. يضعُ كلُّ ذلكَ لبنانَ في اشتباكٍ داخليٍّ يُضاعفُه الضغطُ المُمارَسُ عليه من كلِّ حدبٍ وصوبٍ، لإيجادِ حلٍّ لأزمةِ السلاحِ وتفعيلِ دورِ الدولة، التي تبذلُ جهودَها لمنعِ اتّفاقِ وقفِ النارِ "الهشِّ" من الانهيارِ الكاملِ.

ومن لبنانَ إلى العراقِ، الذي شهدَ بشكلٍ مفاجئٍ تطوّراتٍ دراماتيكيّةً تجسَّدَت بالإعلانِ عن اتّفاقِ "الإطارِ التنسيقيِّ" الشيعيِّ، بغالبيّةِ أعضائِهِ، على ترشيحِ رجلِ الأعمالِ علي الزيدي لتشكيلِ الحكومةِ الجديدةِ بعد مخاضٍ عسيرٍ. وسارعَ رئيسُ الجمهوريّةِ نزار آميدي إلى تكليفِ الأخيرِ بهدفِ تسريعِ عملِ المؤسّساتِ والحدِّ من تفاقمِ الأوضاعِ، خصوصًا أنّ بغدادَ تُعانِي من أزمةٍ سياسيّةٍ حادّةٍ وانعكاساتِ الحربِ الأميركيّةِ – الإسرائيليّةِ على إيرانَ. على المقلبِ الآخرِ، تسوءُ الأوضاعُ في قطاعِ غزّةَ مع استمرارِ خروقاتِ اتّفاقِ وقفِ النارِ، فيما تشهدُ الضفّةُ الغربيّةُ مزيدًا من العربدةِ الإسرائيليّةِ. إذ شنَّت قوّاتُ الاحتلالِ حملةً عسكريّةً موسّعةً طالَت مخيّمَ قلنديا وحيَّ كفر عقب وبلدةَ الرام شمالَ القدس، واعتقلَت العشراتِ وحوّلَت منازلَ الفلسطينيّينَ إلى ثكناتٍ عسكريّةٍ. وأكدَ رئيسُ أركانِ جيشِ الاحتلالِ إيال زامير أنّ عامَ 2026 سيكونُ، على الأرجحِ، "عامَ قتالٍ" على مختلفِ الجبهاتِ.

وفي الآتي، أبرز ما تناولتهُ الصحفُ العربيةُ الصادرة اليوم في عناوينِها وتحليلاتِها:

كتبت صحيفة "الرياض" السعودية أن "انكفاء المشروع الإيراني لا يعني سقوط أدواته في المنطقة تلقائيًا، بل قد يعني انفلاتها وتوحشها.. حيث كل مقوّمات التنبؤ بالمرحلة المقبلة حاضرة؛ ميليشيات مدجّجة بسلاح تراكم خلال عقود، وخبرة قتالية صُقلت في الداخل والخارج، ومصادر متعددة تُدرّ تمويلًا ذاتيًا يغنيها عن الحوالة الإيرانية، يضاف إلى ذلك ضعف الحكومات المركزية في تلك الدول". وقالت إن "الأخطر من السلاح والمال هو الخطاب الذي صنعته هذه الميليشيات لعقود؛ خطاب "المقاومة" و"الممانعة" الذي استُهلك حتى انكشف، وتحوّل إلى غطاء فضفاض لمشاريع نفوذ ومصالح مادية لا علاقة لها بشعاراتها المعلنة؛ فسقوط هذا الخطاب أمام الرأي العام العربي قبل أن يسقط في الميدان، يعني أن الميليشيات ستواجه أزمة شرعية مزدوجة؛ فقدان الراعي السياسي، وفقدان الغطاء الأيديولوجي معاً، وهنا تحديداً تتحوّل إلى عبء على نفسها قبل أن تكون عبئاً على غيرها".

في إطار ذات صلة، رأت صحيفة "الدستور" الأردنية أنه "لم تتمكن الولايات المتحدة من هزيمة إيران عسكريًا، رغم الدمار والخراب وعمليات الاغتيال لقياداتها السياسية والعسكرية والأمنية، وتدمير بناها التحتية، ومع ذلك لم تستسلم إيران، ولم تُهزم وصمدت أمام قوة الهجمة الأميركية الإسرائيلية وشراستها، وإيران لم تتمكن من هزيمة الولايات المتحدة، ولن تتمكن بسبب التفوق الأميركي، وعدم اجتياح أميركي للأراضي الإيرانية". وشددت على أنه وفق "واقع الحال فإن أطرافًا آخرى ستتأثر من هذا الحصار المفروض، وإن كان الحصار سيكون مؤذياً أكثر على المواطن الإيراني، ولكن نتائج الحرب الفاشلة المكلفة سيتأثر بها المواطن الأميركي، وسيظهر ذلك في سير الانتخابات الأميركية المقبلة، وهذا ما يدفع الرئيس ترامب للاستعجال بإنهاء المشكلة ووقف الصدام، حتى لا يدفع الثمن بفشل حزبه الجمهوري في نتائج انتخابات مجلسي الشيوخ والنواب".

أما صحيفة "النهار" اللبنانية، فأوضحت أنه "لا مؤشرات على أن جولة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، التي بلغت محطتها الروسية اليوم، في سبيلها إلى كسر الجمود واستئناف المفاوضات مع واشنطن. فعند هذه النقطة، لا يظهر أن أيًا من الطرفين مستعد لتعديل الخطوط الحمر التي رسمها كل منهما أمام الآخر. وعليه، تحرص واشنطن وطهران على عدم الظهور بمظهر من يريد التفاوض بأي ثمن". وأضافت: "يعتقد ترامب أن في إمكان الولايات المتحدة تجاوز تداعيات الإغلاق الإيراني لمضيق هرمز، بينما تفترض إيران بدورها أنها قادرة على التكيّف مع الحصار البحري الأميركي، وأن الكلفة السياسية والاقتصادية التي يدفعها الطرف الآخر ستحمله على تعديل مواقفه".

بدورها، أشارت صحيفة "الوطن" البحرينية إلى أن "الجنسية البحرينية لا يُقبل بأن تكون وثيقة يستخدمها خائن كستار لطعن الوطن في ظهره. الجنسية شرف، وميثاق ولاء، وانتماء حقيقي، ومسؤولية قبل أن تكون حقاً يُكتسب. ومن يثبت أن قلبه للخارج، ويده تعمل ضد البحرين، ولسانه يسيء لها، وأفعاله تستهدفها، فلا يستحق أن يتشرّف بحمل جنسيتها، ولا أن يتنعّم بخيرات وطنٍ وفّر له كل شيء، لكنه في المقابل كشخص خائن جاحد يكرهه ويكيد له". ولفتت إلى أن "ما قامت به البحرين ليس استثناءً، هو إنفاذ للقانون، وأمرٌ تعرفه كل الدول. فالتخابر مع الأعداء من أخطر الجرائم في العالم، وفي دولٍ كبرى وعريقة ديمقراطيًا تُفرض عليه أشد العقوبات. لأن الأوطان تُحمى بالحزم. وفي قضايا الأمن الوطني، لا مكان لأنصاف الحلول".

(رصد "عروبة 22")

يتم التصفح الآن