على وقعِ استمرارِ التجاذباتِ السياسيّةِ، ومحاولاتِ دفعِ المفاوضاتِ بينَ واشنطنَ وطهرانَ قدمًا، أعلنَ الرئيسُ الأميركي دونالد ترامب عن إطلاقِ "مشروعِ الحريةِ"، الذي وصفه بـ"العمليّةِ الإنسانيّةِ" الهادفةِ إلى تحريرِ السفنِ العالقةِ في مضيقِ هُرمزَ، بدءًا من صباحِ اليومِ الاثنين، بتوقيتِ الشرقِ الأوسطِ. وفي حين لم يُقدّمْ معلوماتٍ وافية عن طبيعةِ المشروعِ، شدّدَ على أنه "في حالِ عرقلتِهِ، سيتعيّنُ التعاملُ مع هذا التدّخلِ بقوةٍ للأسف". وأوضحَ أن دولًا من أنحاءِ العالمِ، لا يُشاركُ معظمُهَا في النزاعِ القائمِ في الشرقِ الأوسطِ، طلبَت مساعدةَ الولاياتِ المتحدة في تحريرِ سفنِهَا العالقةِ في المضيقِ، من دونِ ذكرِ أسماءِ تلكَ الدول. ويشكّلُ هذا الإعلانُ "نقلةً استراتيجيّةً" أخرى، ويَزيدُ الضغطَ على طهرانَ للقبولِ بتسويةٍ ما، خصوصًا أن واشنطنَ تخوضُ محاولةً حاسمةً لانتزاعِ "ورقةِ الابتزازِ" المتعلقةِ بهذا المضيقِ الحيويّ، على الرغمِ من صعوبةِ تحقيقِ ذلكَ بشكلٍ كاملٍ. فيما تتّجهُ إيرانُ أكثرَ نحوَ الدفعِ إلى أرضيةٍ صلبةٍ قوامُهَا "الإنهاء الشامل للحربِ" بدلًا من "هدنةٍ مؤقتةٍ" أو "وقفٍ لإطلاقِ النارِ".
وخلال الأيامِ الماضيةِ، عرقلَت طهرانُ فتحَ المضيقِ وربطتهُ تارةً بفكِ الحصارِ البحريِّ المفروضِ عليها، وتارةً أخرى بإبرامِ اتفاقٍ، فيما كانت الدولُ "تتقهقرُ" جراءَ الإغلاق الذي يُكبدهَا خسائرَ طائلة، ما دفعَ بعضَ "الدولِ المحظيّةِ" لدى إيرانَ إلى دفعِ رسومِ "العبورِ الآمنِ" بهدفِ تخليصِ سفنِهَا العالقةِ. وفي معرضِ الردِّ على المشروعِ الأميركيّ، أكدَ رئيسُ لجنةِ الأمنِ القومي في البرلمانِ الإيرانيّ إبراهيم عزيزي أن أيَّ تدخلٍ في نظامِ مضيقِ هُرمزَ سيعدُّ انتهاكًا لوقفِ إطلاقِ النار. كما أوضحَ أن المضيقَ والمياهَ الخليجيّةَ لن يدارا بمنشوراتٍ وصفَهَا بـ"المتوهمةِ" للرئيسِ ترامب. من جهتِهَا، أشارَت القيادةُ المركزيةُ الأميركيّة (سنتكوم) إلى أن قواتَهَا ستبدأُ اليومَ دعمَ "مشروعِ الحريةِ" لاستعادةِ حريةِ الملاحةِ. وكشفَت أن الدعمَ العسكري سيتضمنُ مدمراتٍ مزودة بصواريخ موجهةٍ، وأكثرَ من 100 طائرةٍ بريةٍ وبحريةٍ، ومنصات غير مأهولةٍ متعدّدةِ المجالاتِ، و15 ألف فردٍ عسكريّ. وبحسب شركة "إيه إكس إس مارين" للاستخباراتِ البحريةِ، رُصدَتْ أكثرَ من 900 سفينةٍ تجاريةٍ في مياهِ الخليجِ حتى تاريخِ 29 نيسان/أبريل الماضي، بعدما تجاوزَ عددُهَا الـ1100 سفينةٍ عندَ بدايةِ الحربِ في 28 شباط/فبراير الماضي.
ومع القرارِ الأميركيّ بالوقوفِ خلفَ "مشروعِ الحريةِ"، يقفُ نظامُ "الثورةِ الإسلاميّةِ" أمامَ خياراتٍ محدودةٍ، ما يحدُّ من هامشِ المناورةِ ويُسرّعُ عمليةَ المفاوضاتِ بعدَ العرضِ الإيرانيّ الذي قُدِّمَ منذُ أيامٍ عبر الوسيطِ الباكستانيّ والمتضمنِ 14 بندًا. ووفقَ مصادرَ لـ"الجزيرة"، يتضمّنُ المقترحُ 3 مراحل رئيسيّة. تهدفُ الأولى إلى تحويلِ وقفِ إطلاقِ النارِ إلى إنهاءٍ كاملٍ للحربِ خلال 30 يومًا كحدٍ أدنى، مع فتحِ مضيقِ هُرمزَ تدريجيًا، وتولّي طهرانَ مسألةَ التعاملِ مع الألغامِ، وعدمِ ممانعةِ تقديمِ دعمٍ أميركي في هذا المجال مقابلَ رفعِ الحصارِ عن الموانئِ الإيرانيّةِ تدريجيًا بما يتناسبُ مع فتحِ المضيقِ، والتأكيد على انسحابِ القواتِ الأميركيّةِ من محيطِ إيرانَ البحريّ، وإنهاء حالة التحشيدِ العسكريّ. وتقومُ المرحلةُ الثانيةُ على فكرةِ تجميدٍ كاملٍ لعملياتِ تخصيبِ اليورانيوم لسقفٍ زمنيٍّ قد يصلُ إلى 15 عامًا، مع عودةِ إيرانَ إلى التخصيبِ بعد السقفِ الزمنيِّ المُحدّدِ بنسبةِ 3.6 في المئةِ، وفقَ مبدأِ صفر تخزين، مع تشديدِهَا على رفضِ تفكيكِ البنَى التحتيّة النووية أو تدميرِ المنشآت. وفي المرحلةِ الثالثةِ والأخيرةِ من الاتفاقِ، تطرحُ طهرانُ الدخولَ في حوارٍ استراتيجيٍّ مع المحيطِ العربيِّ والإقليميِّ لبناءِ نظامِ أمنٍ يشملُ جميع المنطقةِ. لكن العرضَ لم يتوافقْ مع "السلّةِ الأميركيةِ"، إذ نقلَ موقعُ "أكسيوس" عن مصادر تأكيدَها أن الولايات المتحدة أرسلت، أمس الأحد، مسودةً مُعدلةً أخرى لاتفاقِ إنهاءِ الحربِ، من دونِ الكشفِ عن مضمونِهَا، على الرغمِ من إقرارِ ترامب بوجودِ "محادثاتٍ إيجابيّةٍ للغاية"، معتبرًا أن "الأمورَ تسيرُ على ما يرام بشأنِ إيران".
لكن الشيطانَ يكمنُ في التفاصيلِ، خصوصًا أنه سبقَ أن جرَى الحديثُ مرارًا عن تقدّمٍ ملموسٍ في المسارِ التفاوضي قبل أن تخيبَ الآمالُ وتعودَ إلى نقطةِ الصفر. في غضونِ ذلكَ، رأى جهازُ استخباراتِ "الحرسِ الثوري" أن "هامشَ المناورةِ المُتاحِ أمامَ الولاياتِ المتحدةِ في صنعِ القرارِ تقلّصَ"، معتبرًا أن على ترامبَ أن "يختارَ بين عمليةٍ مستحيلةٍ أو صفقةٍ سيئةٍ" مع طهرانَ. ويحاولُ طرفا الحربِ اللعبَ على العاملِ النفسيّ، وسطَ تصريحاتٍ متضاربةٍ، فيما تُبذلُ جهودٌ حثيثةٌ بهدفِ تقريبِ وجهاتِ النظرِ ومنعِ العودة إلى التصعيدِ العسكريّ. بالتزامنِ، اتصلَ وزيرُ الخارجيةِ الإيرانيّ عباس عراقجي هاتفيًا بنظيرِهِ العُماني بدر البوسعيدي، وأطلعَهُ على آخرِ جهودِ ومبادراتِ إيرانَ الدبلوماسيّة، إلى جانبِ العملِ على إرساءِ السلامِ في المنطقةِ. كما حثَّ وزيرُ الخارجيةِ الألماني يوهان فاديفول، في مكالمةٍ هاتفيةٍ مع عراقجي، على التوصلِ إلى حلٍّ عبرَ الوساطةِ في الصراعِ مع الولاياتِ المتحدة. وتعكسُ الحركةُ الإيرانيّة وجودَ رغبةٍ حقيقيّةٍ في كسرِ الجمودِ، خصوصًا أن الحصارَ المفروضَ عليهَا يزيدُ الغضبَ والنقمةَ الشعبيّةَ، مع تزايدِ التضخمِ والبطالةِ في بلدٍ أضعفتهُ عقودٌ طويلةٌ من العقوباتِ الدوليّةِ. وواصلَت العملةُ الإيرانيّةُ الانهيارَ، أمسِ الأحد، وهو اليومُ الثاني من أسبوعِ العملِ في إيرانَ، فتراجعَ الريالُ أكثرَ أمامَ الدولارِ الأميركيّ.
هذه الهواجسُ تَزيدُ من مخاوفِ الإيرانيينَ الذين سبقَ أن احتلُوا الساحاتِ والأماكنَ العامة بتظاهراتٍ مطالبةٍ بتحسينِ أوضاعهِم المعيشيّةِ قبلَ أن ينقضَّ عناصرُ الشرطةِ و"الباسيج" عليهم، ويكمّمُوا أفواهَ المعارضينَ والمناهضينَ للسياساتِ المتبعةِ. لكن، منذ شنِّ الحرب الأميركيّة – الإسرائيليّة على إيرانَ، خفتَت وتيرةُ الاحتجاجاتِ بالتزامنِ مع القيودِ الصارمةِ التي يفرضُهَا النظامُ على حركةِ الاتصالاتِ والقدرةِ على الوصولِ إلى خدمةِ الإنترنت. وأوضحَ وزيرُ الخزانةِ الأميركيّ سكوت بيسنت أن الولاياتَ المتحدةَ ترَى أن قطاعَ النفطِ الإيرانيّ قد يُضطرُ إلى بدءِ إغلاقِ بعض الآبارِ "خلالَ الأسبوعِ المقبلِ، مع امتلاءِ مخزوناتِ الخام في البلادِ بوتيرةٍ متسارعةٍ". وأضافَ أن "بنيتَهُمُ التحتيةَ النفطيةَ بدأَتْ تظهرُ عليهَا علاماتُ التآكلِ، ولم تُصَنْ مجددًا، بسببِ عقوباتِنَا المفروضةِ عليهم منذُ عقودٍ". وتُمثلُ الحربُ الاقتصاديةُ وجهًا آخرَ أكثرَ ضراوةً، وبديلًا عن الحربِ العسكريةِ، التي يحاولُ الجميعُ تجنّبَ الوقوعِ في فخِهَا مجددًا. إلى ذلكَ، اتفقَتْ سبعُ دولٍ في تحالفِ "أوبك بلس" على زيادةِ إنتاجِ النفطِ بمقدارِ 188 ألفَ برميلٍ يوميًا في حزيران/يونيو المقبلِ، وهي ثالثُ زيادةٍ شهريةٍ على التوالي. ووفقًا لبيانٍ صادرٍ عن المنظمةِ، تشملُ الزيادةُ كلًا من السعوديةِ والعراقِ والكويتِ والجزائرِ وكازاخستان وروسيا وسلطنةِ عُمان، التي أكدَتْ "التزامَهَا باستقرارِ السوقِ". يُذكرُ أن الإماراتَ أعلنَتِ انسحابَهَا من منظمةِ الأقطارِ العربيةِ المصدرةِ للبترولِ "أوابك"، بعد إعلانِهَا، في وقتٍ سابقٍ، الانسحابَ أيضًا من منظمةِ "أوبك" و"أوبك+". وهي خطوةٌ جديدةٌ تعكسُ تحولاتٍ جذريةً وهيكليّةً في السياسةِ النفطيةِ المتبعةِ، وفقًا لتأثيراتِ الحربِ على إيرانَ وما سببتهُ من أضرارٍ.
الجبهةُ الإيرانيّةُ المفتوحةُ على جميعِ الاحتمالاتِ، يُقابلُهَا، على الضفةِ الأخرى، الوضعُ المتأزمُ في لبنانَ، مع تصاعدِ التوغّلِ الإسرائيليِّ والعملياتِ العسكريةِ التي تتضمنُ تدميرًا ممنهجًا للقرى والبلداتِ الجنوبيّةِ. ويضعُ هذا الأمرُ تحدياتٍ جسامًا أمامَ الحكومةِ اللبنانيّةِ التي تحاولُ دفعَ تلّ أبيبَ نحو الالتزامِ باتفاقِ وقفِ النارِ، ووقفِ الاعتداءاتِ والخروقاتِ اليوميّةِ. وأمامَ لبنانَ الرسميِّ "فرصةٌ" لإنقاذِ البلادِ، لكن ذلكَ يصطدمُ بعقباتٍ وعراقيلَ كثيرةٍ، خصوصًا في ظلِّ غيابِ الوحدةِ الوطنيةِ والالتفافِ حولَ مؤسساتِ الدولة. فبينما تبرزُ محاولاتٌ جادةٌ لاستعادةِ قرارِ الحربِ والسلمِ ووضعِ حدٍّ للتفلتِ الأمنيّ، يبدُو "حزبُ اللهِ" وعناصرُه ومؤيدوهُ في مكانٍ آخرَ، ما كشفَتْهُ حادثةُ منطقةِ الكفاءاتِ في الضاحيةِ الجنوبيةِ، أمسِ الأحد، بعدَ قرارِ الجيشِ اللبنانيِّ التدخلَ لتوقيفِ مطلقِي النارِ خلالَ تشييعِ 4 قتلَى من الحزبِ، قضوا خلالَ المعارك الأخيرة. وتسببَ إطلاقُ النارِ العشوائيُ بسقوطِ جرحَى وبحالةٍ من الهلعِ بينَ المدنيينَ، أعقبَهَا فوضَى وتوترٌ مع منعِ توقيفِ مطلقِي النارِ وترديدِ شعاراتِ مناهضةٍ لرئيسي الجمهوريةِ والحكومةِ. وفي الآونةِ الأخيرةِ، تتفاقمُ الحملةُ التخوينيّةُ على الرئيسين جوزاف عون ونواف سلام، على خلفيةِ رفضهِمَا ربطَ الملفِ اللبنانيِّ بالإيرانيِّ، والدفعِ نحوَ مفاوضاتٍ مباشرةٍ مع إسرائيلَ بهدفِ التوصلِ إلى اتفاقٍ. ويسعَى "حزبُ اللهِ" عبرَ هذه الحملاتِ إلى التعميةِ على رغبتِهِ بأن يكونَ هو المفاوضَ بدلًا من الدولةِ، لا سيّما أنه يتفرّدُ بقراراتِ الحربِ والسلمِ، من إسنادِ غزّةَ إلى الثأرِ لخامنئي.
وضمنَ هذا الإطارِ، لا تزالُ الأنظارُ متجهةً إلى واشنطنَ مع إمكانيةِ انعقادِ اجتماعٍ ثالثٍ بينَ سفيرةِ لبنانَ ندى حمادة معوض ونظيرِهَا الإسرائيليّ يحيئيل ليتر، للبحثِ في تثبيتِ وقفِ إطلاقِ النارِ قبلَ انطلاقِ المفاوضاتِ المباشرةِ بينَ لبنانَ وإسرائيلَ على مستوَى الوفودِ. في وقتٍ يبدو قرارُ لبنانَ واضحًا بعدمِ عقدِ اجتماعٍ مباشرٍ بينَ الرئيسِ عونَ ورئيسِ الوزراءِ الإسرائيليِّ بنيامين نتنياهو، منعًا لفتنةٍ داخليّةٍ أو اضطراباتٍ أمنيّةٍ. وتضجُّ الكواليسُ بالكثيرِ منَ الرواياتِ والسيناريوهاتِ، إلى جانبِ المساعِي التي تبذُلُهَا دولٌ عدةٌ بهدفِ منعِ الانفجارِ الكبيرِ، فيما يبدُو أنَ هناكَ تحركاتٍ فعليّةٍ لإعادةِ تفعيلِ عملِ لجنةِ مراقبةِ وقفِ الأعمالِ العدائيةِ "الميكانيزم". وهذا ما تجلَّى في زيارةِ رئيسِهَا السريعةِ إلى بيروتَ واللقاءِ الذي عقدَهُ مع قائدِ الجيشِ رودولف هيكل. في موازاةِ ذلكَ، أفادَتْ وكالةُ "رويترز"، نقلًا عن مصادرَ داخلَ "حزبِ اللهِ"، أن الجماعةَ تكبّدَتْ كُلفةً بشريةً وميدانيّةً باهظةً نتيجةَ الحربِ الأخيرةِ مع إسرائيلَ، في ظلِّ تقدّمٍ إسرائيليٍّ داخلَ جنوبِ لبنانَ وتهجيرِ مئاتِ الآلافِ من بيئتِهَا الحاضنةِ، وسقوطِ أعدادٍ كبيرةٍ من المقاتلين. ونقلَتِ الوكالةُ عينُهَا عن النائبِ إبراهيم الموسوي نفيَهُ أن يكونَ الحزبُ تحرّكَ نيابةً عن إيرانَ. فأكدَ أن قرارَ استئنافِ القتالِ جاءَ انطلاقًا من حساباتٍ داخليّةٍ، معتبرًا أن الهدفَ كانَ كسرَ معادلةٍ تسمحُ لإسرائيلَ بالاستهدافِ من دونِ ردٍّ، بينما أقرَّ بحجمِ الخسائرِ، ووضعَهَا في سياقِ "السيادةِ والكرامةِ". وتنتهجُ إسرائيلُ سياسةَ "الأرضِ المحروقةِ" مع تزايدِ إنذاراتِ الإخلاءِ، ما يرفعُ أعدادَ النازحينَ، الذين تغصُّ بهِم مراكزُ الإيواءِ بشكلٍ يَفوقُ قدرتَهَا الاستيعابيّةَ.
وفي سياقٍ منفصلٍ، كانت لافتةً الزيارةُ الرسميّةُ، الأولَى من نوعِهَا، التي أجرَاهَا وزيرُ الخارجيّةِ السوريّ أسعد الشيباني إلى القاهرة، ولقاؤُهُ نظيرَهُ المصريَّ بدر عبد العاطي، في محاولةٍ لكسرِ الجليدِ وإحياءِ العلاقاتِ الديبلوماسيّةِ. وتنشطُ دمشقُ على خطِ تحسينِ علاقاتِهَا مع محيطِهَا العربيِّ، وإعادةِ بناءِ الثقةِ بعد سنواتٍ من العزلةِ والحربِ. ووفقَ بيانٍ صادرٍ، فإن المباحثاتَ تناولَتْ سبلَ تعزيزِ التعاونِ الثنائيِّ بينَ البلدينِ في مجالاتِ الاقتصادِ والتجارةِ. إلى جانبِ مناقشةِ قضايا الأمنِ الإقليميِّ، "بمَا يُسهمُ في ترسيخِ العلاقاتِ الأخويةِ بينَ سوريا ومصر". ومن القاهرةِ إلى غزّةَ، التي تمرُّ بمنعطفٍ خطيرٍ مع تزايدِ الأحاديثِ الإسرائيليّةِ عن إمكانيةِ استئنافِ الحربِ، بسببِ تعثرِ تطبيقِ خطةِ الرئيس ترامب. ويحاولُ الاحتلالُ رميَ الكرةِ في ملعبِ حركةِ "حماس"، بسببِ رفضِهَا التنازلَ عن السلاحِ، من دونِ الالتزامِ بالمرحلةِ الأولَى من اتفاقِ وقفِ النارِ التي ترفضُ تلّ أبيب تطبيقَهَا بحججٍ واهيةٍ، من الاستمرارِ في عرقلةِ دخولِ المساعداتِ والتحكمِ بالمعابرِ، إلى الخرقِ اليوميِّ للهدنةِ وسقوطِ المزيدِ من الشهداءِ وسطَ واقعٍ إنسانيٍّ متردٍّ. وينسحبُ الأمرُ عينُه على الضفةِ الغربيةِ المحتلةِ، التي تُشيّعُ يوميًا ضحايا جُددًا نتيجةَ وحشيّةِ المستوطنينَ وإجرامِ قواتِ الاحتلالِ التي تُطلقُ النارَ من دونِ أي رادعٍ.
دوليًا، قلّل المستشار الألماني فريدريش ميرتس من تبعاتِ خلافِهِ مع الرئيسِ ترامب، مشددًا على عدمِ وجودِ رابطٍ بين خلافِهِمَا وخطة واشنطنَ لتخفيضِ وجودِهَا العسكريّ في ألمانيا. كما رفضَ التلميحاتِ بأن انتقاداتِهِ المتكرّرةِ للحربِ الأميركيّةِ على إيرانَ أدَت إلى هذا الإعلانِ، مكررًا التزامَهُ بالتحالفِ عبرَ الأطلسي. وتُمثلُ هذه الخطوةُ ضربةً لبرلين، التي كانت تأملُ في أن يُشكلَ ذلكَ رادعًا قويًا في مواجهةِ روسيا، في الوقتِ الذي تتزايدُ فيه الاختلافاتُ بينَ الولاياتِ المتحدةِ وحلفائِهَا التقليديينَ منَ الأوروبيينَ، الذين يسعَونَ إلى التوحدِ والتعاضدِ لمواجهةِ المرحلةِ الحاليّةِ. في إطارٍ آخرَ، تتواصلُ عملياُت البحثِ عن جنديينِ أميركيينِ فُقدا، يوم السبت، أثناءَ مشاركتهمَا في مناوراتِ "الأسدِ الأفريقيّ 2026" في المغربِ، وفقَ ما أعلنَت قيادةُ القواتِ الأميركيّةِ في أفريقيا "أفريكوم".
وكانت جميع هذه القضايا والتطورات محطَّ اهتمامِ الصحفِ العربيةِ الصادرةِ، اليوم الاثنين. وفي جولتِنَا الصباحيّة تركيّزٌ على أهمِ ما أوردتهُ:
كتبت صحيفة "الدستور" الأردنية أن "ترامب في ورطة منتصف الطريق. إذا تقدم للحرب يتورط أكثر وإذا تراجع تزداد معارضة الأميركيين للحرب بمن فيهم حزبه الجمهوري و جماعة "ماغا" الذين انتخبوه "لنجعل أميركا عظيمة ثانية"، وهو الشعار الذي رفعه في حملته الانتخابية. هؤلاء المعارضون للحرب لا يرون فيها عودة العظمة لأميركا بل عودة أبنائهم في توابيت وارتفاع الأسعار". وقالت إن "معظم الدلائل تشير إلى دور نتنياهو في جر ترمب للحرب بهدف التخلص من التهديد الإيراني، أو حتى أي دولة في المنطقة، لإسرائيل. وربما في تخطيطه الدور بعد إيران تركيا وبعدها باكستان ليصبح هو ومعه فريقه الأشد تطرفًا، سيد الشرق الأوسط الجديد".
صحيفة "الرياض" السعودية، من جانبها، أشارت إلى أن "التصور لهذه الحرب بين الولايات المتحدة وإيران أخذ شكل مواجهة مفتوحة على احتمالات التصعيد، المشهد يتشكل عبر تراكم الإشارات، ويتقدم فيه الخطاب العسكري على أي مسار آخر، مع حضور واضح لمنطق الضغط المتبادل، حيث تتحول كل خطوة إلى رسالة محسوبة تتجاوز حدود الفعل المباشر". وأكدت أن "المواجهة تأخذ طابعًا مركبًا يجمع بين الضغط الاقتصادي والتهديد العسكري وحرب الرسائل المتواصلة، كل طرف يسعى إلى تثبيت موقعه ضمن معادلة دقيقة، يتحول فيها التصعيد إلى أداة تفاوض غير مباشرة، وتصبح إدارة التوتر جزءًا من بنية الصراع نفسه".
ورأت صحيفة "الصباح" العراقية أن "وضع الجمود الذي وصلت إليه الحرب من أجل التقاط الأنفاس وإعادة الحسابات وتقدير أسباب القوة والضعف ربما يهيئ الفرصة للتقدم في المباحثات أو يمهد لعودة الحرب. وبالنسبة إلى إيران فإنها باتت تتعامل مع الموقف بسياسة الصبر الطويل ولا ترغب في كشف وإحراق أوراقها كلية في المفاوضات التي يحاول الأميركيون الضغط عليها من خلالها، بل تريد الحصول على شروط أفضل، من دون منح ترامب المستعجل جداً على الاتفاق ما يريده من شروط تبدو صعبة ومجحفة بالنسبة إليها". وشددت على أن "هناك فجوات عميقة بين مواقف الطرفين وسط غياب الثقة المتبادلة مع عقبات صعبة ومعقدة تعيق الحل، لكن المهم بالنسبة إلى الإيرانيين أنهم لا يريدون الاستسلام، فيما يبدو ترامب مترددًا في إعادة شن الحرب مجددًا، وهو لا يريد أيضاً إطالة الصراع بسبب المعارضة التي يبديها الحزب الديمقراطي الذي حاول لخمس مرات إنهاء الحرب، لا سيما أن صلاحيات الحرب والمدة المصرح بها (ستون يوماً) قد انتهت فعلًا".
في إطارٍ منفصلٍ، لفتت صحيفة "الأهرام" المصرية إلى أنه "لم تتراجع مساعى ومخططات إسرائيل من أجل تصفية الضفة الغربية، وبالتالي تحقيق الهدف الأهم بالنسبة لها وهو القضاء على الدولة الفلسطينية. إذ تستغل الحكومة اليمينية المتطرفة في تل أبيب انشغال العالم، ولا سيما الولايات المتحدة الأميركيّة، بالمسارات المحتملة التي يُمكن أن تنتهي إليها الحرب مع إيران والأزمة الاقتصادية التي فرضتها، من أجل اتخاذ مزيد من الإجراءات التى تكفل لها تصفية الضفة". ودعت "المجتمع الدولي إلى ممارسة أقصى قدر من الضغوط على الحكومة اليمينيّة من أجل التوقف عن الإجراءات غير الشرعيّة التي تقوم بها سواء في الضفة الغربية وقطاع غزة، وأن يولى مزيدًا من الاهتمام للهدف الأهم الذي يتمثل في إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس".
(رصد "عروبة 22")

