صحافة

"المشهد اليوم".. إيران تَستَهدِفُ الإمارات و"هُرمُز" يُلهِبُ المُفاوضات! إسرائيلُ تُواصُل سياسةَ التدميرِ والتهجيرِ في جنوبِ لبنان.. وأوروبا تُراجِعُ حِساباتِها الأمنيّة


سفن وقوارب في مضيق هُرمز قبالة شواطئ "مسندم" العُمانية الاثنين (رويترز)

تبدو المنطقةُ برمتِهَا قابَ قوسينِ أو أدنَى من الانفجارِ، فأسهُمُ استئنافِ الحربِ الأميركيّةِ – الإسرائيليّةِ على طهرانَ ترتفعُ، فيما عادَتِ المُسيّراتُ الإيرانيّةُ لتهاجمَ دولَ الخليحِ في حادثٍ يَطرحُ أكثرَ من علامةِ استفهامٍ. أما في لبنانَ، فالهدنةُ الهشّةُ، التي أُعلِنَ عنهَا في 17 نيسان/أبريلَ الماضي، ومُدِّدَتْ حتّى السابعِ عشر من الشهرِ الجاري برعايةٍ من الرئيسِ الأميركيِّ دونالد ترامب، قابلةٌ للانهيارِ في أيِّ لحظةٍ، وسطَ تقاذفِ التهمِ بينَ تلِّ أبيبَ و"حزبِ الله" عن مسؤوليّةِ الخروقاتِ واستمرارِ الاعتداءاتِ. وعليه، فإنَ التوترَ سيدُ الموقفِ من دونِ أيِّ منازعٍ، على الرغمِ من الاتصالاتِ والتحركاتِ الديبلوماسيّةِ، التي تجرِي على أكثرَ من مستوىً بهدفِ ضبطِ الأوضاعِ ومنعِهَا من الانزلاقِ نحوَ المجهولِ، خصوصًا أن إغلاقَ مضيقِ هُرمزَ والتحكمِ بهِ بات يُشكّلُ عبئًا يوميًّا على العديدِ من الدولِ، التي تراقبُ سفُنَهَا العالقةَ هناكَ وتُعدُّ الخططَ المستقبليّةَ لمواجهةِ أيِّ تداعياتٍ على المدَى الطويلِ مع استمرارِ "ضبابيّةِ" المشهدِ.

فعلَى الرغمِ من إعلانِ الرئيسِ ترامب "مشروعَ الحريةِ" لتحريرِ هُرمزَ من دونِ عمليّةٍ عسكريةٍ، إلا أنَ الأحداثَ التي وقعَتْ، أمسِ الاثنينِ، تؤشرُ على تعقيدٍ جديدٍ في الأوضاعِ، ما يمكنُ أن ينعكسَ على المسارِ التفاوضيِّ الخاضعِ لمطالبِ طرفيِ الحربِ. وفي هذا الإطارِ، نقلَت صحيفةُ "يسرائيل هيوم" عن مصادرَ مطلعةٍ إشارَتَهَا إلى أن الولاياتِ المتحدةَ وإسرائيلَ تعقدان مشاوراتٍ مُكثفةٍ لبحثِ سبلِ الرّدِ على إيرانَ. ونبّهَتْ إلى أنه من بين الخياراتِ المطروحةِ تنفيذِ ضرباتٍ دقيقةٍ، تستهدفُ منصاتِ إطلاقِ الصواريخِ وأهدافًا عسكريةً تُهددُ الملاحةَ في مضيقِ هُرمزَ، أو شنُّ هجومٍ موازٍ على منشآتِ طاقةٍ داخلَ البلادِ. هذا وكانَت وسائلُ إعلامٍ إسرائيليّةٌ كشفَت عن وضعِ الجيشِ في حالةِ تأهبٍ قصوَى على خلفيةِ الاستهدافِ الأخيرِ في الخليجِ. وأشارَت إلى أن رئيسَ الوزراءِ بنيامين نتنياهو أجرَى مشاوراتٍ أمنيّةً متواصلةً طوالَ يومِ أمسِ وسطَ الاستعدادِ لجميعِ السيناريوهات. والتأهبُ في تلِّ أبيبَ الذي يصبُّ في صالحِ نتنياهو، وهو لطالما توقّعَ فشلَ المباحثاتِ والعودةَ إلى القتالِ، تُقابلهُ قناعةٌ أميركيّةٌ بأن طهرانَ أخذَت ما يكفِي من الوقتِ للمناورةِ وعدمِ حسمِ شروطِهَا للتوصلِ إلى تسويةٍ ما. ومن هنا، نقلَت قناةُ "فوكس نيوز" عن مسؤولينَ تأكيدهُمْ أنَ الولاياتِ المتحدةَ "أقربَ إلى استئنافِ العملياتِ القتاليّةِ الكبرَى ضد إيرانَ ممّا كانت عليه قبل 24 ساعةً"، بعدَ أن أطلقَت طهرانُ النارَ على سفنٍ أميركيّةٍ واستهدفَت دولةَ الإمارات.

في الأثناءِ، جدّدَ الرئيسُ ترامب القولَ إنَ إيرانَ ستُبادُ من على وجهِ الأرضِ إذا استهدَفَتِ السفنَ الأميركيّةَ المشاركةَ في "مشروعِ الحريةِ". وأشارَ إلى استمرارِ التحشيدِ العسكريِّ في المنطقةِ، واضعًا النظامَ الإيرانيَّ بينَ خيارينِ: إمّا إبرامُ صفقةٍ بحسنِ نيّةٍ أو استئنافُ العملياتِ القتاليّةِ. كما وصفَ ما يجرِي من انتشارٍ بحريٍّ بأنَه "أحدُ أكبرِ التحركاتِ العسكريةِ في التاريخِ". لكن الخطواتِ الأميركيّةَ ومحاولةَ انتزاعِ أهمِ ورقةٍ من يدِ طهرانَ، وهي مضيقُ هُرمزَ، أشعلَتِ الغضبَ ودفعَتِ العديدَ من المسؤولينِ إلى التحذيرِ من مخاطرِهَا. إذ سخرَ وزيرُ الخارجيّةِ عباس عراقجي من "مشروعِ الحريةِ" الذي، على حدِّ تعبيرِهِ، يشبهُ "مشروعَ الطريقِ المسدودِ". وحذّر واشنطن وأبو ظبي من الانجرارِ إلى مستنقعٍ بفعلِ أطرافٍ سيئةِ النيةِ، بينما تحقّقُ المحادثاتُ تقدمًا"، من دون إيضاحٍ أو ذكرِ المزيدِ من التفاصيلِ. وهذا الهمسُ واللمسُ الإيرانيُّ، يُرادُ منهُ توجيهُ أصابعِ الاتهامِ إلى إسرائيلَ ونتنياهو، الذي يحرّضُ على عودةِ الصراعِ. لكنَّ إدخالَ الإماراتِ في هذه المشهديةِ يَزيدُ من تآكلِ الثقةِ واتساعِ الخلافِ، الذي خرجَ من الغرفِ المُغلقةِ وباتَ علنيًا مع ما يحملُهُ من مؤشراتٍ وتصدعاتٍ، لا سيّما أن علاقاتٍ اقتصاديةً مميزةً جمعَت بينَ طهرانَ وأبو ظبي، على الرغمِ من الخلافِ السابقِ حول الجزرِ الثلاثِ: طنب الكبرى والصغرى وأبو موسى. وتصدّرَ خبرُ استهدافِ منطقةِ الفجيرةِ للصناعاتِ البتروليّةِ (فوز)، الذي أسفرَ عنْ سقوطِ 3 إصاباتٍ، بالتزامنِ مع إعلانِ وزارةِ الدفاعِ الإماراتيّةِ تَعامُلَهَا مع 12 صاروخًا باليستيًا و3 صواريخَ "جوّالةٍ" و4 طائراتٍ مُسيّرةٍ آتيةٍ من إيرانَ.

من جهتِهَا، أدانَت وزارةُ الخارجيةُ الإماراتيّةُ بشدّةٍ "تجدّدِ العدوانِ الإيرانيِّ الغادرِ باستخدامِ الصواريخِ والمُسيّرات". واعتبرَتِ العدوانَ تصعيدًا خطيرًا وتعديًا مرفوضًا وتهديدًا مباشرًا لأمنِ الدولةِ واستقرارِهَا. كما أكدَتِ احتفاظَهَا بحقِهَا الكاملِ والمشروعِ في الرّدِ على هذه الاعتداءاتِ بما يكفلُ حمايةَ سيادتِهَا وأمنِهَا الوطنيِ وسلامةَ أراضِيهَا ومواطنِيهَا والمقيمينِ فيها، وفقاً للقانونِ الدوليِّ. ولم تختلفْ مواقفُ العديدِ من الدولِ، وفي صدارتِهَا المملكةُ العربيةُ السعوديةُ، التي أجرَى وليُّ عهدِهَا رئيسُ مجلسِ الوزراءِ الملك محمد بن سلمان اتصالًا هاتفيًا بالرئيسِ الإماراتيِّ الشيخ محمد بن زايد، معربًا فيه عن وقوفِ الرياضِ إلى جانبِ الإماراتِ في دفاعِهَا عن أمنِهَا واستقرارِهَا. كذلكَ فعلَ أميرُ قطرَ الشيخُ تميم بن حمد آل ثاني الذي شجبَ الاعتداءَ الأخيرَ. بدورِهِ، استنكرَ مجلسُ التعاونِ لدولِ الخليجِ العربيّةِ الاعتداءَ، موضحًا أن هذا العملَ العدوانيَّ يمثلُ انتهاكًا صارخًا لسيادةِ دولةٍ عضوٍ في مجلسِ التعاونِ، ويعكسُ نهجًا تصعيديًا يضربُ بعُرضِ الحائطِ قواعدَ ومبادئَ حسنِ الجوار. في المقابلِ، اتهمَ مسؤولٌ عسكريٌ إيرانيٌّ مطّلِعٌ الولاياتِ المتحدةَ بالوقوفِ خلفَ الاستهدافِ، لكنَهُ أضافَ أنهُ وقعَ "بسببِ مغامرتِهَا لفتحِ مضيقِ هُرمزَ بشكلٍ غيرِ قانونيٍّ عبر ممراتٍ محظورةٍ". يُذكرُ أنَ الإماراتِ أدانَت أيضًا "الاعتداءَ الإيرانيَّ الإرهابيَّ" الذي استهدفَ ناقلةً وطنيّةً تابعةً لشركةِ "أدنوك" باستخدامِ طائرتينِ مسيّرتينِ أثناءَ مرورِهَا عبر المضيقِ. ولم تتبنَّ أيُّ جهةٍ الهجومَ على الناقلةِ، ولم تعقّبْ إيرانُ بشكلٍ رسميٍ على البيانِ الإماراتي بعد.

لكنَّ ما يجرِي في عرضِ البحارِ وحولَ هُرمزَ باتَ "الشغلَ الشاغلَ"، مع تشكيكِ العديدِ من المراقبينَ بجدوَى العمليةِ الجديدةِ التي أطلقَهَا ترامب مع صبيحةِ أمسِ الاثنينِ، معتبرينَ أن إطارَهَا "غيرُ واضحٍ". وحفلَ يومُ أمسِ بالكثيرِ من الأحداثِ والتضاربِ في المعلوماتِ، إذ أعلنَتْ "البحريةُ الإيرانيّةُ" عن إطلاقِ عدةِ صواريخَ كروز ومسيّراتٍ وزوارقَ صغيرةٍ باتجاهِ سفنٍ تابعةٍ للبحريةِ الأميركيّةِ وسفنٍ تجاريةٍ "تحميها". فيما قالَ قائدُ القيادةِ المركزيةِ الأميركيّةِ "سنتكوم"، الأميرال براد كوبر، إن قواتِهِ دمّرَت ستةَ زوارقَ إيرانيّةٍ واعترضَت العديدِ من الصواريخِ والمُسيّراتِ التي أطلقتهَا طهرانُ، خلالَ محاولتِهَا التدخلَ في حركةِ الملاحةِ التجاريةِ، مشددًا على أن الحصارَ العسكريَّ لا يزالُ ساريًا و"يتجاوزُ التوقعاتِ". ومع بدءِ المهمةِ الأميركيّةِ، سارَعَت طهرانُ إلى التعليقِ، فأبلَغَت هيئةُ الأركانِ الإيرانيّةُ أن السفنَ العابرةَ يجبُ أن تنسقَ مع قواتِهَا المتمركزةِ هناك. وأكدَ قائدُ "عملياتِ هيئةِ الأركانِ المشتركةِ" اللواءُ الطيارُ علي عبد اللهي، أن أمنَ مضيقِ هُرمزَ "بيدِ القواتِ المسلحةِ" فقط دونَ غيرها، في حينِ نفَى المتحدثُ باسمِ "الحرسِ الثوري" حسين محبي، حدوثَ أيِّ تغييرٍ في إدارةِ المضيقِ. كما لفتَ إلى أن تحركاتِ السفنِ المدنيّةِ والتجاريةِ ستكونُ آمنةً إذا التزَمَت بـ"بروتوكولاتِ العبورِ" وسلكَتِ المسارَ المحدّدَ بالتنسيقِ معَهَا. وبسببِ هذه التوتراتِ، قفزَتْ أسعارُ النفطِ بنحوِ 6 في المئةِ وسطَ مخاوفَ من اتساعِ اضطراباتِ الإمداداتِ وارتفاعِ كلفةِ الطاقةِ عالميًا.

وفي إطارٍ ذي صلةٍ، كشفَ السفيرُ الأميركيُّ لدَى الأممِ المتحدةِ مايك والتز أن بلادَهُ تعملُ مع دولِ الخليجِ على ‌صياغةِ مشروعِ قرارٍ لمجلسِ الأمنِ الدوليِّ، يسعَى إلى محاسبةِ إيرانَ لإغلاقِهَا مضيقَ هُرمزَ، ويطلبُ منها التوقفَ عنْ زرعِ الألغامِ، ووقفِ "محاولاتِهَا فرضَ رسومٍ غيرَ قانونيّةٍ". ويأتي هذا المشروعُ كمحاولةٍ جديدةٍ لـ"تطويقِ" إيرانَ، بعد أن ⁠عرقلَت روسيَا والصينُ، العضوانِ الدائمانِ في مجلسِ الأمنِ، قرارًا الشهرَ الماضي قدمَتهُ البحرينُ لإعادةِ فتحِ المضيقِ واستخدمتَا حقَ النقضِ (الفيتو). هذه الأخبارُ المُقلقةُ الواردةُ أمسِ الاثنينِ، لم تحجبْ الأنظارَ عن إعلانِ باكستانَ، عن خبرٍ سارٍّ، مفادُهُ أنَ الولاياتِ المتحدةَ سلَّمت 22 فردًا من طاقمِ سفينةِ حاوياتٍ إيرانيّةٍ سيطرَتْ عليهَا القواتُ الأميركيّةُ الشهرَ الماضي، واصفةً الخطوةَ بأنها "إجراءٌ لبناءِ الثقةِ". وتجهدُ إسلامَ آبادَ، التي تلعبُ دورَ الوسيطِ، لتقريبِ وجهاتِ النظرِ، بينما تبقَى الفروقاتُ شاسعةً بين الطرفينِ، في انتظارِ ما سيحملُهُ المقترحُ الجديدُ الذي عدّلَت عليهِ الإدارةُ الأميركيّةُ من دونِ إعلانِ طهرانَ عن ردِّهَا الرسميِّ بعد. إلى ذلك، اتصلَ وزيرُ الخارجيّةِ الباكستانيّةِ محمد إسحاق هاتفيًا بنظيرِهِ الإيرانيِّ عباس عراقجي، وبحثا في "الوضعِ الإقليميِّ والجهودِ الدبلوماسيّةِ المستمرةِ التي تبذُلُهَا باكستانُ من أجل السلامِ والاستقرارِ في المنطقةِ". في موازاةِ ذلكَ، قالَ المتحدثُ باسمِ وزارةِ الخارجيّةِ إسماعيل بقائي، في مؤتمرِهِ الصحفيّ الأسبوعيّ، إن طهرانَ "مصمّمة في هذه المرحلةِ على إنهاءِ الحربِ". وأضافَ أنَهُ "على الطرفِ المقابلِ أن يصلَ إلى هذه الخلاصةِ: في التعاملِ مع الجمهوريةِ الإسلاميّةِ الإيرانيّةِ، وفي قضاياه معها، يجبُ أن يتبنَى نهجًا معقولًا وغيرَ قائمٍ على الإفراطِ في المطالبِ".

تقاذفُ التهمِ يَزيدُ من "غليانِ" هُرمزَ، ويُعوقُ فرصَ تحقيقِ تقدمٍ ملموسٍ في المباحثاتِ، خصوصًا في ظلِّ وجودِ رغبةٍ حقيقيّةٍ لدَى نظامِ "الثورةِ الإسلاميّةِ" في إيجادِ حلٍّ دائمٍ ومستدامٍ للصراعِ. هذا التفكيرُ هو عينُهُ الذي تستندُ إليهِ الدولةُ اللبنانيّةُ اليومَ في تحركاتِهَا وجهودِهَا، بعد أن دمرَتِ الحروبُ المتعاقبةُ البلادَ، وأسهَمَت في تراجعِ اقتصادِهَا وتدهورِ الأوضاعِ المعيشيّةِ فيها. لكنَ "حزبَ اللهِ" يريدُ للبنان أن يلتحقَ بركبِ الاتفاقِ الإيرانيِّ – الاميركيِّ، وأن يكونَ هذا الملفُ على صلةٍ وثيقةٍ بما تقررُهُ طهرانُ، إلا أنَ هذا الأمرَ باتَ يلقَى الكثيرَ من الاعتراضاتِ الداخليّةِ والشعبيّةِ. وفي آخرِ موقفٍ للأمينِ العامِ للحزبِ نعيم قاسم، طالبَ بوقفِ ما سمَّاهُ "التنازلَ المجانيَّ" الذي يخدمُ تلَّ أبيبَ وواشنطنَ، مكررًا السرديةَ عينَهَا في مهاجمةِ المفاوضاتِ المباشرةِ الجاريةِ، وفي التأكيدِ على استمرارِ "المقاومةِ" والتمسكِ بـ"تحريرِ الأرضِ وعدمِ الاستسلام". وتزامنَتْ هذه المواقفُ مع تصريحاتٍ صادرةٍ عن رئيسِ الجمهوريةِ جوزاف عون، الذي أوضحَ أن "لا عودةَ عن مسارِ المفاوضاتِ مع إسرائيلَ؛ لأنه لا خيارَ آخرَ أمامَنَا". ولفتَ عون إلى أن التوقيتَ غيرُ مناسبٍ حاليًا للقاءِ بنيامين نتنياهو قبلَ التوصلِ إلى اتفاقٍ أمنيٍّ ووقفِ الاعتداءاتِ. وبهذَا، يكونُ عونُ قد حسمَ الجدلَ القائمَ والمستمرَ، وأعادَ تثبيتَ موقفِ لبنانَ الرسميِّ القائمِ على محاولةِ بلورةِ تسويةٍ تهدفُ إلى تحقيقِ الانسحابِ الإسرائيليِ، ومنعِ استمرارِ العدوانِ، وإيجادِ حلٍّ لمسألةِ الأسرى. لكنَ ذلكَ يحتاجُ إلى وقفِ "التشويشِ" الحاصلِ والالتفافِ حولَ المؤسساتِ الرسميةِ، ودعمِ تحرّكاتِهَا بعيدًا عن منطقِ التخوينِ وإثارةِ الفتن. من جهتِهِ، أكدَ رئيسُ الحكومةِ نواف سلام أن قرارَ حصرِ السلاحِ بيدِ الدولةِ يشكّلُ مسارًا ثابتًا لا تراجعَ عنهُ. وشدّدَ على أن قراراتِ مجلسِ الوزراءِ ستُنفذُ بالكاملِ، ولو تطلّبَ ذلكَ وقتًا، في إطارِ خطةٍ تهدفُ إلى بسطِ سلطةِ الدولةِ كاملةً، لا سيّما في بيروتَ بعد تكرارِ حوادثِ الفلتانِ الأمنيّ.

وبرزَت أمسِ زيارةُ السفيرِ الأميركيِّ في لبنانَ ميشال عيسى، إلى بكركي للتضامنِ مع البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي بعد نشرِ صورٍ مسيئةٍ لَهُ، في وقتٍ أثارَ موقفُهُ موجةً من الردود. إذ اعتبرَ أنَ اللقاءَ بنتنياهو ليسَ تنازلًا، "فهوَ ليسَ بعبعاً"، وأنه يتعيّنُ اللقاءُ بهِ أمامَ ترامب ليعرضَ لبنانُ مطالبَهُ وبعدَهَا تنطلقُ المفاوضاتُ. جميعُ هذه المفاعيلِ السياسيّةِ والميدانِ "يشتعلُ"، إذ يخرِقُ الاحتلالُ الهدنةَ بشكلٍ متفاقمٍ ويزيدُ من استهدافِ القرى والبلداتِ الجنوبيةِ، مستنسخًا تجربةَ حربِ غزّةَ. في السياقِ عينِهِ، وجّهَ العدوُ الإسرائيليُّ إنذارَ إخلاءٍ إلى 4 قرىً جديدةً هي قانا ودبعال وقعقعيّة الجسر، وصريفا. بالتوازي، اندلَعَت اشتباكاتٌ عنيفةٌ بين عناصرٍ من "حزبِ الله" وقوّاتِ الاحتلالِ في محيطِ وادي راج، بين دير سريان وزوطر، وفقَ ما نقلَت "الوكالةُ الوطنيّةُ للإعلامِ". ويعيشُ اللبنانيونَ على أملِ أن تحققَ المفاوضاتُ تقدمًا مع مخاوفَ من تدهورِ الأوضاعِ أكثر، وتداعياتِهَا على القطاعاتِ الإنتاجيةِ في ظلَّ الأعدادِ المهولةِ من النازحينَ أيضًا. والملفُ اللبنانيُّ ليسَ وحدَهُ على الطاولةِ، فهناكَ الملفُ الغزاويُ الذي يشهدُ المزيدَ من المخاطرِ، إذ يبدو أن نتنياهو "يقرعُ" طبولَ الحربِ أيضًا، وهو الساعِي للحصولِ على عفوٍ والتهرّبِ من قضايا الرشَى والفسادِ التي تلاحقُهُ. هذا وأبلغَتِ المستشارةُ القضائيةُ للحكومةِ الإسرائيليّةِ غالي بهاراف ميارا، الرئيسَ يتسحاقَ هرتسوغ، بأنها مستعدَةٌ لإجراءِ تفاوضٍ مع فريقِ نتنياهو، بهدفِ الوصولِ إلى تسويةٍ في القضايا التي يحاكَم بِهَا، شرطَ ألا تكونَ هناكَ شروطٌ مُسبقةٌ. وجاءَ هذا الإعلانُ بعد ساعاتٍ من هجومٍ جديدٍ شنَّهُ الرئيسُ ترامب على الرئيسِ الإسرائيلي؛ لأنه لا يستجيبُ لطلبِهِ بإصدارِ العفوِ.

ويتعثرُ اتفاقُ وقفِ النارِ في غزّةَ، وسطَ تنصّلِ تلِّ أبيبَ من التزاماتِهَا، واستخدامِ الهدنةِ كـ"ستارٍ" لمواصلةِ عملياتِهَا العسكريةِ، واضعةً أولويةً واحدةً هي نزعُ سلاحِ حركةِ "حماس" من دونِ الحديثِ عن بقيةِ القضايا والبنودِ العالقةِ، ما ترفضُهُ الحركةُ جملةً وتفصيلًا. ويهابُ الغزاويونَ عودةَ الحربِ، التي لم تنتهِ مفاعيلُهَا بعد، في حين يعيشُ أهلُ الضفةِ الغربيةِ المحتلةِ "نكبةً" يوميّةً، وسط اقتحاماتٍ واعتقالاتٍ تُسفرُ عن سقوطِ المزيدِ من الشهداءِ والجرحى. وأفادَ تقريرٌ رسميٌ فلسطينيٌّ بأنَ جيشَ الاحتلالِ والمستوطنينَ نفذوا 1637 اعتداءً ضد الفلسطينيينَ وممتلكاتِهِمْ، خلالَ نيسَان/أبريل الماضي، من ضمنِهَا هدمُ 78 منشأةً واقتلاعُ وإتلافُ آلافِ الأشجارِ، وإقامةُ عشراتِ المستوطناتِ.

وهذا العنفُ المتفشِي لا يلقَى الاهتمامَ الدوليَ الكافيَ، في ظلِّ الأزماتِ الأخرَى المتلاحقةِ، التي تبدُو أنَهَا تحتلُ صدارةَ الاهتماماتِ. فأوروبَا، مثلًا، تسعَى إلى تنظيمِ نفسِهَا وإعادةِ حساباتِهَا الأمنيّةِ، ما عكستهُ قمةُ "المجموعةِ السياسيّةِ الأوروبيّةِ"، التي انعقدَت في أرمينيا، على وقعِ إعلانِ واشنطنَ عزمَهَا سحبَ آلافِ الجنودِ الأميركيينَ من ألمانيا. وتُعدُّ قمةُ يريفان الأولى من نوعِهَا في منطقةِ القوقازِ، وتأتِي في وقتٍ تعملُ فيه أرمينيا على تعزيزِ علاقاتِهَا مع أوروبَا وتخفيفِ ارتهانِهَا لروسيا. وفي خبرٍ آخرَ متصل، أعلنت كلٌّ من روسيا وأوكرانيا وقفًا لإطلاقِ النارِ، تزامنًا مع إحياءِ موسكو "يومَ النصرِ" في الحربِ العالميّةِ الثانيةِ.

وضمن فقرة الصحف الصباحية، إليكم أبرز ما جاء في صحف عالمنا العربي اليوم:

عن الوضع اللبناني، كتبت صحيفة "الوطن" القطرية أنه "مع اقتراب انتهاء مهلة الهدنة الحالية، يدخل لبنان مجددًا في منطقة رمادية شديدة الحساسية، حيث يتقاطع التصعيد العسكري الإسرائيلي مع مساعٍ دبلوماسية، يعتبرها البعض بأنها "فرصة أخيرة" لتفادي الانزلاق نحو مواجهة أوسع. في هذا السياق، يكتسب الحديث عن زيارة مرتقبة للرئيس جوزاف عون إلى البيت الأبيض، أهمية استثنائية تتجاوز البُعد البروتوكولي، إلى اختبار فعلي لجدوى المسار السياسي في مواجهة منطق القوة"، معتبرة أن هذه الزيارة تحمل في طياتها "فرصة كبيرة، لطالما انتظرها اللبنانيون لإعادة الاستحواذ على الاهتمام الأميركي الرسمي بملفات وطن الأرز الشائكة، لكن اللقاء المنتظر مع رئيس الحكومة الإسرائيلية يبقى محفوفاً بمخاطر كبيرة، لأن نجاحه مرهون بمدى القدرة على تحقيق اختراق عملي وملموس في مسألة الانسحاب ووقف الاعتداءات اليومية الراهنة، وليس مجرد لقاء لكسر "التابو"، والتقاط الصور لأول لقاء لبناني ــ إسرائيلي على مستوى القمة".

وفي مآلات المشهد الإيرانيّ، أوضحت صحيفة "الأهرام" المصرية أنه "وفي الوقت الذي يطمع فيه العالم أن تنكشح الغمة وتحل الأزمة.. يبدو الجانبان وكأنهما يستعدان لاستئناف المعارك.. بعد أن شددت واشنطن الخناق العسكري والاقتصادي على طهران عبر حصارها البحر ولوح ترامب باستخدام خيار القوة من جديد. في الوقت الذي أكدت فيه إيران جاهزيتها لأي تصعيد، مشيرة إلى أن تجاربها السابقة تظهر أن أمريكا لا تلتزم بتعهداتها". وأضافت أنه "إلى أن يلوح في الأفق جديد سيظل العالم يحبس أنفاسه حتى لا تندلع حرب أكثر فتكًا وعنفًا وأشد شراسة وضراوة تدمي مشاعر الإنسانية جمعاء".

صحيفة "عكاظ" السعودية، بدورها، لفتت إلى أنه "اليوم ونحن نرى المفاوضات تطبخ على نار حامية، لكن بنار الاقتصاد بخنق حقيقي للموانئ الإيرانية وهُرمز من جهة، وتعطيل الممرات الشمالية عبر بحر قزوين لحد ما، وتحديات أخرى على مستوى الطرف الآخر بنفس الأدوات الاقتصادية من ارتفاع أسعار الطاقة مرورًا باقتراب كأس العالم، وصولًا للانتخابات الأميركيّة والإسرائيليّة في الربع الأخير من العام". وشدّدت على أن "الإيرانيين يعلمون أن إدارة أوباما كان لديها من النفس الطويل حتى تصل للاتفاق في فترته الثانية، وأن الرئيس ترامب ليس مشهورًا بهذا القدر من الصبر. لكنه أيضًا رئيس يصعب توقع رداته، ولعل أكبر المفاجآت في سياق التصعيد غير العسكري كان حصاره للحصار الإيراني على مضيق هُرمز، وحصاره للموانئ الإيرانية".

وتحت عنوان "الحقد الإيراني"، أشارت صحيفة "الخليج" الإماراتية إلى أن "النظام الإيراني لا يكف عن حقده الدفين على دولة الإمارات وشعبها ونموذجها، وها هو يعاود عدوانه الغادر باستهداف ممنهج ومقصود للمدنيين والمؤسسات الاقتصادية والأعيان المدنية والموانئ، غير عابئ بالقوانين الدولية والمواثيق الإنسانية، ناهيك عن علاقات حسن الجوار التي لم يقدرها هذا النظام المتهور الذي أثبت للعالم، مرة أخرى، أنه لا يرى في جيرانه سوى أهداف عسكرية، ولا في استقرار المنطقة سوى عقبة أمام طموحاته التوسعية". وخلصت إلى أن "الإمارات التي مارست الصبر، وتحمّلت الأذى طويلًا جراء الاعتداءات الإيرانية المتواصلة، ليست عاجزة عن رد الصاع صاعين. فهي تملك من القوة والإرادة والعزم ما يمكّنها من ذلك، ولديها قوات مسلحة في أعلى حالات الجاهزية والاستعداد والتأهب كي تكون على مستوى المسؤولية في التصدي لأي عدوان وهزيمته".

(رصد "عروبة 22")

يتم التصفح الآن