بصمات

"ابْنُ رُشْد" في الذِّكْرى المِئَوِيَّةِ لِميلادِه!مِنَ الصِّدامِ إلى الِاسْتِعْمال!

تَحْتَفي الثَّقافاتُ بِأَعْلامِها وَرُموزِها الفِكْرِيَّة، وَفي طَليعَتِها الثَّقافَةُ العَرَبِيَّةُ وَالإِسْلامِيَّة، التي لا تَمْتَلِكُ فَقَطْ عُلَماءَ أَوْ فَلاسِفَة، بَلْ إِنَّ هذِهِ الثَّقافَةَ هِيَ الحِقْبَةُ الحاسِمَة، ضِمْنَ مَسارِ تَطَوُّرِ الوَعْيِ الإِنْسانِيّ، فَالمَوْروثُ الثَّقافِيُّ الفَلْسَفِيُّ وَالعِلْمِيّ، (وَحَتّى الفِقْهِيُّ الذي يُعَدُّ مِنْ عُلومِ المِلَّة)، قَدْ كانَ لَهُ التَّأْثيرُ الأَوْفى، ضِمْنَ وَضْعِ أُسُسٍ مَنْهَجِيَّةٍ جَديدَةٍ لِلْمَعْرِفَةِ الغَرْبِيَّة، بِخاصَّةٍ فِي نَسَقِها الفَلْسَفِيِّ وَالرِّياضِيّ، "فَالرِّياضِيّاتُ العَرَبِيَّةُ وَصَلَتْ إلى الغَرْبِ فِي العُصورِ الوُسْطى، لِأَنَّ الخَوارِزْمِيَّ الذي جاءَتِ الكَلِمَةُ الإِنْجليزِيَّةُ (Algorithm) مِنِ اسْمِه، اخْتَرَعَ نِظامًا جَديدًا فِي الحِساب. وَلَوْلا القُوَّةُ الِاسْتِدْلالِيَّةُ لِعُلومِ المُسْلِمينَ وَتَكامُلُها مَعَ الإِيمانِ الذي يُعَدُّ أَكْبَرَ حافِزٍ لِلْبَحْثِ العِلْمِيّ، لَما كانَ لَها هذا التَّأْثيرُ في نَشْأَةِ المَعارِفِ الغَرْبِيَّةِ وَتَحْريرِها مِنْ سُلْطانِ الفِكْرِ الكَنَسِيِّ الأَرِسْطِيّ.

يُعَدُّ الفَيْلَسوفُ أَبو الوَليدِ بْنُ رُشْد (520هـ - 595 / 1126م ــ 1198) مِنْ طَليعَةِ الفَلاسِفَةِ الذينَ مَثَّلُوا نِظامًا مَعْرِفِيًّا، تَرابَطَتْ فيهِ المَفاهيمُ العَقْلِيَّةُ وَالمِلِّيَّة، وَنَحْنُ اليَوْمَ نَسْتَذْكِرُهُ ضِمْنَ هذِهِ المَرْحَلَةِ العَصيبَةِ مِنْ تاريخِنا الثَّقافِيِّ وَالمَعْرِفِيّ، فَلا الحَضارَةُ العَرَبِيَّةُ الإِسْلامِيَّةُ فِي مَرْحَلَةِ قُوَّةٍ كَما كانَتْ مِنْ قَبْل، وَلا جُهودُ المُفَكِّرينَ تُبْدِعُ انْطِلاقًا مِنْ مَطالِبِ الإيمانِ وَالعُمْران، فَما الذي يُقَدِّمُهُ لَنا ابْنُ رُشْدٍ اليَوْمَ ضِمْنَ تَحَدِّياتِنا الحَضارِيَّةِ وَمُسْتَوى حاجاتِنا إِلى وَعْيٍ نَوْعِيٍّ جَديد؟.

في نَقْدِ مَشاريعِ التَّفْكيرِ الإِنابِيّ

أَقْصِدُ بِالتَّفْكيرِ الإِنابِيّ، صورَةً مِنْ صُوَرِ المَعْرِفَة، التي لا تُكابِدُ فِعْلَ الِاجْتِهاد، وَلا تَبْحَثُ فِي الشُّروطِ العِلْمِيَّةِ التي جَعَلَتْ مِنِ ابْنِ رُشْدٍ قُوَّةً اجْتِهادِيَّة، بَلْ إِنَّها تَسْتَعيدُه، كَيْ يَنوبَ عَنْها فِي فِعْلِ التَّفْكيرِ ضِمْنَ سِياقاتٍ مُعَقَّدَة، وَضِمْنَ مَنْظومَةِ عُلومٍ مُسْتَجِدَّة، وَلا تَكْتَفي بِهذا فَقَط، بَلْ تَسْتَعْمِلُه، كَأَداةٍ مِنْ أَجْلِ هَدْمِ الآراءِ الأُخْرى، التي توصَفُ أَحْيانًا بِالسَّلَفِيَّةِ أَوْ بِالغَزالِيَّةِ أَوْ بِالغُنوضِيَّة؛ كَما أَنَّها تَتَمَيَّزُ بِالقِراءَةِ الِاقْتِطاعِيَّةِ التي تَقْرَأُ ما تَرْغَبُ في قِراءَتِهِ مِنْ مَشْروعِ ابْنِ رُشْد، فَهُوَ الذي أَعادَ القيمَةَ لِلْفَلْسَفَةِ اليُونانِيَّة، وَهُوَ الذي أَثَّرَ في الثَّقافَةِ الغَرْبِيَّة، وَهُوَ الذي هاجَمَ الخِطابَ البَيانِيَّ وَالجَدَلِيَّ الكَلامِيّ، وَما عَداها مِنِ اجْتِهاداتِهِ في العُلومِ الشَّرْعِيَّةِ يَجْري التَّغْميضُ عَلَيْها.

نحتاج اليوم من فكر ابن رشد إدمانه القراءة واحترافه المعرفة ورفعة سلوكه في الأخلاق

إِنَّ هذا النَّمَطَ مِنَ التَّفْكير، أَيْ الإِنابِيّ، لَمْ يُحَقِّقْ لَنا الإِفاداتِ المَرْجُوَّةَ مِنِ ابْنِ رُشْدٍ، وَأَدْخَلَ الفِكْرَ العَرَبِيَّ وَالإِسْلامِيَّ ضِمْنَ مَنْطِقِ الصِّداماتِ الفِكْرِيَّة، فَلَمْ نَعُدْ نَرى ابْنَ رُشْدٍ الحَقيقِيّ، بَلْ رَأَيْنا صورَةً مُتَمَثَّلَةً وَرَغْبَوِيَّةً تُحَرِّكُها دَوافِعُ الِانْتِصارِ لِلنَّماذِجِ الفِكْرِيَّةِ الغَرْبِيَّةِ أَوْ أَنْظِمَةِ المَعْرِفَةِ الضَّيِّقَة، إِنَّها مَناحٍ لَمْ تَرْتَفِعْ مِنْ مُسْتَوى القِراءَةِ إِلى مُسْتَوى القِراءَةِ الذَّكِيَّةِ وَالمُطَبَّقَة، إِنَّها غَيْرُ ذَكِيَّةٍ لِأَنَّها لَمْ تَأْخُذْ مِنِ ابْنِ رُشْدٍ أَهَمَّ ما يُسْتَعانُ بِهِ عَلى تَجْديدِ الفِكْرِ وَالتَّحَلّي بِالفَضيلَة، وَغَيْرُ مُطَبَّقَة؛ لِأَنَّها تَنْسى الخُصوصِيّاتِ الثَّقافِيَّةَ وَتَسْبَحُ فِي أَوْهامِ الخُصوصِيّاتِ الثَّقافِيَّةِ الأُخْرى، بِخاصَّةٍ الغَرْبِيَّةِ مِنْها.

أَوَّلًا: الوَلَعُ بِالقِراءَةِ وَالِاسْتِقامَةُ بِالفَضيلَة

مِنَ السِّماتِ التي نَحْتاجُها اليَوْمَ مِنْ سيرَةِ وَفِكْرِ ابْنِ رُشْد، إِدْمانُهُ القِراءَةَ وَاحْتِرافُهُ المَعْرِفَة، وَرِفْعَةُ سُلوكِهِ فِي الأَخْلاق، وَهِيَ مِنْ مُرْتَكَزاتِ البِناءِ العِلْمِيِّ وَالأَخْلاقِيِّ لِلْباحِثينَ اليَوْم؛ يَقولُ ابْنُ الآبّارِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ فِي كِتابِهِ "التَّكْمِلَةِ لِكِتابِ الصِّلَة": "وَلَمْ يَنْشَأْ في الأَنْدَلُسِ مِثْلُهُ كَمالًا وَفَضْلًا، وَكانَ عَلى شَرَفِهِ أَشَدَّ النّاسِ تَواضُعًا وَأَخْفَضَهُمْ جَناحًا. عُنِيَ بِالعِلْمِ مِنْ صِغَرِهِ إِلى كِبَرِه، حَتّى حُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَدَعِ النَّظَرَ وَلا القِراءَةَ مُنْذُ عَقَل، إِلّا لَيْلَةَ وَفاةِ أَبيهِ وَلَيْلَةَ بِناءِ على أَهْلِه، وَأَنَّهُ سَوَّدَ وَصَنَّفَ وَقَيَّدَ وَأَلَّفَ وَهَذَّبَ وَاخْتَصَرَ نَحْوًا مِنْ عَشَرَةِ آلافِ وَرَقَة". فَما أَحْوَجَنا إِلى هذِهِ الرّوحِ التي فَقَدْناها اليَوْمَ فِي مُؤَسَّساتِنا البَحْثِيَّةِ وَالجامِعِيَّة، فَلا القِراءَةُ تَرَسَّخَتْ لَدَيْنا وَالإِحْصاءاتُ ناطِقَةٌ بِهذا، وَلا اسْتَطاعَتْ مُؤَسَّساتُنا الجامِعِيَّةُ صِناعَةَ مُفَكِّرينَ مُبْدِعينَ يَسْتَوْعِبونَ الفِكْرَ الغَرْبِيّ، وَيَرْسُمونَ مَعالِمَ إِبْداعِيَّة، بِخاصَّةٍ فِي مَجالِ العُلومِ الإِنْسانِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّة، فَضْلًا عَنْ أَنَّ الكَمالَ الخُلُقِيَّ لَمْ يَعُدْ دَليلًا عَلى كَمالِ العَقْلِ وَقُوَّةِ العِلْمِ بَيْنَنا اليَوْم.

ثانِيًا: لا تَفَلْسُفَ إِلّا بِالتَّكْوينِ في العُلومِ الشَّرْعِيَّةِ وَالعَقْلِيَّة

نُعايِنُ اليَوْمَ انْتِشارَ ظاهِرَةِ الفَيالِقِ المَعْرِفِيَّةِ الجُزْئِيَّة، فَلا العَقْلُ المُنْتَمي إِلى العُلومِ الشَّرْعِيَّةِ يَنْفَتِحُ عَلى العُلومِ العَقْلِيَّة، وَلا العَقْلُ الذي حَصَلَ لَهُ بَعْضٌ مِنَ المَعارِفِ الغَرْبِيَّة، انْفَتَحَ عَلى العُلومِ الشَّرْعِيَّة، فَهذا يَتَقَوّى بِكَسْرِ الآخَر، وَضاعَتْ وَحْدَةُ المَعْرِفَةِ وَالحَقيقَة؛ وَحُجَّةُ مَنْ يُدافِعُ عَنِ التَّكْوينِ التَّخَصُّصِيّ؛ اتِّساعُ المَعارِفِ وَعَدَمُ القُدْرَةِ عَلى الإِحاطَةِ بِكُلِّيَّتِها، لَكِنَّ سُقْمَ هذِهِ الحُجَّة، فيما نَعْتَقِدُ أَنَّها حَقيقَةٌ مُنادًى بِها، أَكْثَرَ مِمّا هِيَ مُبَرْهَنٌ عَلَيْها، فَهِيَ تَعْبيرٌ عَنْ كَلَلٍ في الإِرادَةِ وَتَقْليدٍ فِي التَّفْكير؛ لِأَنَّ بُنْيَةَ المَعْرِفَة، بِخاصَّةٍ مَعَ ابْنِ رُشْدٍ، كانَتْ تَجْمَعُ بَيْنَ الشَّرْعِيِّ الفِقْهِيِّ وَالكَلامِيِّ وَالمَنْطِقِيِّ وَالنَّحْوِيِّ وَالفَلْسَفِيِّ وَغَيْرِها، لِأَنَّ خَلْفِيَّةَ النَّظَر، كانَتْ تُقِرُّ بِأَنَّ حُصولَ الفَهْم، إِنَّما هُوَ مَشْروطٌ بِالقُدْرَةِ عَلى الإِحاطَةِ بِالمَوْضوعاتِ مِنْ مَداخِلِها الشَّرْعِيَّةِ وَتَرْكيبَتِها اللُّغَوِيَّةِ وَالمَنْطِقِيَّةِ وَأَثَرِها فِي الوَعْيِ العام.

ثمّة إرادة سعت إلى طمس قُوّة ابن رشد في العلوم الدينية

كانَ ابْنُ رُشْد، مُبْدِعًا فِي الفِقْهِ المُقارَنِ وَعِلْمِ الخِلافِ مِنْ خِلالِ نَصِّهِ المَتينِ "بِدايَةِ المُجْتَهِدِ وَنِهايَةِ المُقْتَصِد"، وَيَبْدو أَنَّ ثَمَّةَ إِرادَة، سَعَتْ إِلى طَمْسِ قُوَّةِ ابْنِ رُشْدٍ فِي العُلومِ الدّينِيَّة؛ وَاخْتِزالِهِ فِي العُلومِ اليُونانِيَّةِ القَديمَة؛ وَفي هذا يَقولُ صاحِبُ كِتابِ "الذَّيْلِ وَالتَّكْمِلَة": "كانَ (ابْنُ رُشْد) مِنْ أَهْلِ العِلْمِ وَالتَّفَنُّن، وَأَخَذَ النّاسُ عَنْهُ وَاعْتَمَدوهُ (في رِوايَةِ الحَديثِ وَالفِقْهِ وَالعُلومِ الشَّرْعِيَّةِ) إِلى أَنْ شاعَ عَنْهُ ما كانَ الغالِبُ عَلَيْه، مِنِ اخْتِيارِ العُلومِ القَديمَةِ وَالرُّكونِ إِلَيْها".

وَإِذْ تَبَيَّنَ هذا، فَإِنَّنا نَقولُ حَسْرَةً عَلى أَساتِذَتِنا وَفَلْسَفَةِ التَّكْوينِ اليَوْم؛ فَهذا يَقولُ إِنَّهُ مُتَخَصِّصٌ فِي عِلْمِ النَّفْس، وَداخِلَ عِلْمِ النَّفْسِ هُناكَ تَخَصُّصاتٌ جُزْئِيَّةٌ أُخْرى، حَتّى تَجِدَهُ قَدِ انْحَصَرَ تَفْكيرُهُ ضِمْنَ مِقْياسٍ مِنَ المَقاييسِ النَّفْسِيَّةِ السّائِدَة، وَكَذا الأَمْرُ فِي دائِرَةِ الفَلْسَفَة، فَهذا قَدْ تَخَصَّصَ في فَلْسَفَةِ هايْدِغِر، وَعِنْدَما تَتَحاوَرُ مَعَهُ حَوْلَ مَفاهيمَ هايْدِغِرِيَّة، تَجِدُهُ يَقولُ إِنَّ اهْتِمامي هُوَ مَرْحَلَةُ هايْدِغِر الثّاني وَلَيْسَ الأَوَّل، وَكَأَنَّ ساحَةَ الفِكْرِ وَالفَهْمِ لا تَتَّسِعُ كَيْ تَشْمَلَ آفاقًا مَعْرِفِيَّةً أُخْرى.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن