ثَمَّةَ فارِقٌ جَوْهَرِيٌّ بَيْنَ أُمَّةٍ تَخوضُ حَرْبًا على جَبْهَةٍ واحِدَةٍ وَتَحْتَفِظُ بِقُدْرَتِها على المُناوَرَةِ وَالتَّعافي، وَبَيْنَ أُمَّةٍ تُواجِهُ حُروبًا مُتَزامِنَةً على جَبَهاتٍ مُتَعَدِّدَة، تَتَشابَكُ أَسْبابُها وَتَتَداخَلُ تَداعِياتُها وَتَسْتَنْزِفُ في وَقْتٍ واحِدٍ رَأْسَ المالِ السِّياسِيَّ وَالاقْتِصادِيَّ وَالبَشَرِيّ.
في هَذا السِّياق، يُمْكِنُ رَصْدُ ثَلاثَةِ مَفاعيلَ رَئيسِيَّةٍ لِتَعَدُّدِ الحُروبِ على مُسْتَقْبَلِ المِنْطَقَة:
المَفْعُولُ الأَوَّلُ هُوَ إِعادَةُ تَوْزِيعِ الأَوْلَوِيّاتِ الاسْتراتيجِيَّةِ قَسْرًا. فَحينَ تَشْتَعِلُ جَبَهاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ في آنٍ واحِد، تُضْطَرُّ القُوى العَرَبِيَّةُ المِحْوَرِيَّةُ إِلى تَشْتيتِ انْتِباهِها وَتَوْزيعِ مَوارِدِها على مِلَفّاتٍ لا يُمْكِنُ تَجاهُلُ أَيٍّ مِنْها. وَيَعْني ذَلِكَ عَمَلِيًّا تَراجُعَ الأَثَرِ الاسْتراتيجِيِّ لِكُلِّ تَدَخُّل، وَتَراجُعَ القُدْرَةِ على بِناءِ أَوْراقِ ضَغْطٍ مُتَماسِكَةٍ في أَيِّ مِلَفٍّ بِعَيْنِه. فَمِصْرُ التي تُتابِعُ المِلَفَّ السّودانِيَّ بِحُكْمِ الجِوارِ وَالمَصالِحِ الحَيَوِيَّة، لا تَسْتَطيعُ الانْشِغالَ بِهِ بِالْكامِلِ وَهِيَ تُواجِهُ في الوَقْتِ ذاتِهِ تَداعِياتِ حَرْبِ إِيرانَ وَالأَزْمَةَ الاقْتِصادِيَّةَ وَضُغُوطَ مِلَفِّ غَزَّةَ وَتَوَتُّراتِ البَحْرِ الأَحْمَر.
كُلّما تعدّدت الحروب العربية توسّعت المساحة المتاحة للقوى غير العربية لفرض شروط التسوية
أَمَّا المَفْعولُ الثّاني فَهُوَ تَحْوِيلُ الدّيناميكِيّاتِ الدّاخِلِيَّةِ لِلدُّوَلِ العَرَبِيَّة. فَالحُروبُ المُمتَدَّةُ لا تُدَمِّرُ البُنْيَةَ التَّحْتِيَّةَ فَحَسْب، بَلْ تُعيدُ تَشْكيلَ المُجْتَمَعاتِ مِنَ الدّاخِل. وَتَبْرُزُ هُنا ظاهِرَتانِ مُتَلازِمَتان: الأُولى هِيَ مَوْجاتُ النُّزوحِ الجَماعِيِّ التي تُعيدُ رَسْمَ التَّوازُناتِ الدّيموغْرافِيَّةِ على امْتِدادِ المِنْطَقَة، وَتَفْرِضُ أَعْباءً تَنْمَوِيَّةً وَاجْتِماعِيَّةً على دُوَلِ الاسْتِقْبالِ، في حينِ تُفْرِغُ دُوَلَ الأَصْلِ مِنْ طاقاتِها البَشَرِيَّةِ المُؤَهَّلَة. وَالثّانِيَةُ هِيَ صُعودُ الفاعِلينَ مِنْ دونِ الدُّوَل (الميليشْيات)، الذينَ يَمْلَؤونَ الفَراغَ الذي تَخْلُقُهُ الحُكوماتُ الهَشَّةُ أَوِ المُنْهارَة، مِمّا يُعَقِّدُ أَيَّ مَسارٍ نَحْوَ اسْتِقْرارٍ مُسْتَدام. وَتَكْشِفُ التَّجْرِبَةُ اللّيبِيَّةُ وَاليَمَنِيَّةُ أَنَّ الحُروبَ لا تَنْتَهي بانْتِصارِ طَرَفٍ أَوْ هَزيمَةِ آخَر، بَلْ تَتَحَوَّلُ إِلى حالَةٍ مِنَ الفَوْضى المُزْمِنَةِ التي تَخْدِمُ أَجنْداتٍ خارِجِيَّةً أَكْثَرَ مِمّا تَخْدِمُ الشُّعوبَ المُنْهَكَة.
وَثَمَّةَ مَفْعولٌ ثالِثٌ لا يَقِلُّ أَهَمِّيَّةً، وَهُوَ إِضْعافُ المَوْقِفِ التَّفاوُضِيِّ العَرَبِيِّ على الصَّعِيدِ الدَّوْلِيّ. فَالْمِنْطَقَةُ التي تَشْتَعِلُ فيها الحُروبُ تَتَحَوَّلُ إِلى ساحَةِ تَدَخُّلٍ لا إِلى فاعِلٍ مُسْتَقِلّ. وَهُنا تَبْرُزُ مُعادَلَةٌ مُؤْلِمَة: كُلَّما تَعَدَّدَتِ الحُروبُ العَرَبِيَّة، تَقَلَّصَ الهامِشُ المُتاحُ لِلدّيبْلوماسِيَّةِ العَرَبِيَّة، وَتَوَسَّعَتِ المَساحَةُ المُتاحَةُ لِلْقُوى الإِقْليمِيَّةِ وَالدَّوْلِيَّةِ غَيْرِ العَرَبِيَّةِ لِفَرْضِ شُروطِ التَّسْوِيَةِ وَالتَّشْكيلِ الجَديدِ لِلْمِنْطَقَة. إِيرانُ وَتُرْكِيا وَإِسْرائيل، فَضْلًا عَنِ القُوى الكُبْرى الغَرْبِيَّةِ وَالرّوسِيَّةِ وَالصّينِيَّة، كُلُّها تَعْمَلُ في فَراغاتٍ تُنْتِجُها الحُروبُ العَرَبِيَّةُ وَتُوَسِّعُها.
غَيْرَ أَنَّ القِراءَةَ المُتَأَنِّيَةَ لِهَذا الواقِعِ المَأْزومِ يَجِبُ أَلَّا تَنْتَهِيَ إِلى اسْتِسْلام. فَثَمَّةَ مُتَغَيِّراتٌ مَوْضوعِيَّةٌ تَفْتَحُ هامِشًا لِلْمُناوَرَةِ إِذا أُحْسِنَ تَوْظيفُها. فَالإِجْماعُ العَرَبِيُّ الرَّسْمِيُّ وَالشَّعْبِيُّ الذي تَشَكَّلَ في مُواجَهَةِ مُخَطَّطِ التَّهْجيرِ القَسْرِيِّ لِأَهْلِ غَزَّةَ يَكْشِفُ أَنَّ الهُوِيَّةَ العَرَبِيَّةَ المُشْتَرَكَةَ لا تَزالُ قادِرَةً على إِنْتاجِ مَوْقِفٍ جَماعِيٍّ حينَ يُسْتَشْعَرُ الخَطَرُ الوُجودِيّ. كَذَلِك، فَإِنَّ اتِّساعَ أَدَواتِ التَّواصُلِ الرَّقْمِيِّ وَصُعودَ الرَّأْيِ العامِّ العَرَبِيِّ العابِرِ لِلْحُدودِ باتا يُشَكِّلانِ ضَغْطًا حَقيقِيًّا على الحُكوماتِ لا يُمْكِنُ تَجاهُلُه. فَضْلًا عَنْ ذَلِك، تَظَلُّ القُدُراتُ الاقْتِصادِيَّةُ لِدُوَلِ الخَليج، وَالثِّقْلُ الدّيموغْرافِيُّ لِمِصْر، وَالمَوْقِعُ الجِيوسِياسِيُّ لِعَدَدٍ مِنَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّة، أَوْراقًا لَها وَزْنُها الفِعْلِيُّ في مُعادَلاتِ التَّأْثيرِ الإِقْليمِيِّ وَالدَّوْلِيّ.
المرحلة تفرض وضع استراتيجية متكاملة تُدار بها الحروب القائمة وتُعالَج بها جذورها
بَيْدَ أَنَّ اسْتِثْمارَ هذِهِ المُتَغَيِّراتِ لا يَتَحَقَّقُ بِالتَّمَنّي وَلا بِخِطابِ الوَحْدَةِ المُجَرَّدِ مِنَ الآلِيّات، بَلْ يَسْتَلْزِمُ قَراراتٍ صَعْبَة، مِنْها القَرارُ بِفَصْلِ المَلَفّاتِ الخِلافِيَّةِ البَيْنِيَّةِ عَنِ المَلَفّاتِ التي تَتَطَلَّبُ تَنْسيقًا عَرَبِيًّا واسِعًا، وَالقَرارُ بِالاعْتِرافِ الصَّريحِ بِأَنَّ الانْتِظارَ لَيْسَ خِيارًا حينَ تَتَسارَعُ وَتيرَةُ التَّحَوُّلاتِ الإِقْليمِيَّة، وَالقَرارُ بِالاسْتِثْمارِ الجادِّ في مُؤَسَّساتٍ إِقْليمِيَّةٍ فاعِلَةٍ تَتَجاوَزُ التَّصْريحاتِ الدّيبْلوماسِيَّةَ إِلى آلِيّاتِ عَمَلٍ حَقِيقِيَّة، وَالْجامِعَةُ العَرَبِيَّةُ بِأَمينِها العامِّ الجَديدِ الوَزيرِ نَبيل فَهْمي مُؤَهَّلَةٌ لِهَذا الدَّوْر، فَضْلًا عَنْ ضَرورَةِ تَفْعيلِ مُنَظَّمَةِ مَجْلِسِ البَحْرِ الأَحْمَر.
إِنَّ المُسْتَقْبَلَ العَرَبِيَّ تَحْتَ وَقْعِ الحُروبِ المُتَعَدِّدَةِ لَنْ يَتَشَكَّلَ على نَحْوٍ إيجابِيٍّ إِذا ظَلَّتِ الاسْتِجابَةُ العَرَبِيَّةُ رَهينَةَ رُدودِ الفِعْلِ الظَّرْفِيَّة. ما تَفْرِضُهُ هَذِهِ المَرْحَلَةُ هِيَ اسْتراتيجِيَّةٌ مُتَكامِلَةٌ تُدارُ بِها الحُروبُ القائِمَةُ وَتُعالَجُ بِها جُذورُها في آنٍ واحِدٍ مَعًا، لِأَنَّ أُمَّةً تُحْسِنُ إِدارَةَ أَزْمَتِها الرّاهِنَةِ مِنْ دونِ أَنْ تَبْنِيَ رُؤْيَتَها لِلْغَد، لَنْ تَجِدَ غَدًا لِتَبْنِيَه.
(خاص "عروبة 22")

